القمة الفرنكفونية عنوان واضح لتفاني العملاء في خدمة الأسياد وإهمال الرعية
القمة الفرنكفونية عنوان واضح لتفاني العملاء في خدمة الأسياد وإهمال الرعية

  لم يكن من السهل على عامة الناس في تونس تصديق عمالة حكامهم، وكثيرا ما قوبلت الفكرة بالرفض والتبرير لمواقف الحكام في مواضع مختلفة، لكن ما تشهده بلادنا في هذه الأيام من اهتمام السلطة بكل مكوناتها بالقمة الفرنكفونية مقابل التجاهل التام لمشاكل أهل البلد كبيرة كانت أم صغيرة، جعل الجميع يتساءل: كيف تكون رعاية شؤون الناس؟ وأين حكامنا من رعاية شؤوننا؟

0:00 0:00
السرعة:
November 17, 2022

القمة الفرنكفونية عنوان واضح لتفاني العملاء في خدمة الأسياد وإهمال الرعية

القمة الفرنكفونية عنوان واضح لتفاني العملاء في خدمة الأسياد وإهمال الرعية

لم يكن من السهل على عامة الناس في تونس تصديق عمالة حكامهم، وكثيرا ما قوبلت الفكرة بالرفض والتبرير لمواقف الحكام في مواضع مختلفة، لكن ما تشهده بلادنا في هذه الأيام من اهتمام السلطة بكل مكوناتها بالقمة الفرنكفونية مقابل التجاهل التام لمشاكل أهل البلد كبيرة كانت أم صغيرة، جعل الجميع يتساءل: كيف تكون رعاية شؤون الناس؟ وأين حكامنا من رعاية شؤوننا؟

وهذا التساؤل لا ينطبق على حكام اليوم بل يعود بالسائل إلى أزمنة مضت ليتذكر أن قائدهم الراحل بعد مقاومته للمستعمر وزعم الانتصار قد رد الجميل لأسياده بتقديم اقتراح إنشاء منظمة للفرنكوفونية وأعلن بصراحة اصطفافه إلى جانب عدوه المزعوم. أما من جاء بعده من رؤساء وحكومات فقد أبقت على وجودها في هذه المنظمة الاستعمارية ولم تعترض ولو مجرد الاعتراض على الأمر وحافظت على العهد. كلهم كانوا يخدمون الطرف نفسه ويأتمرون بأمره ويرعون مصالحه على حساب مصالح أهل البلد مع اختلاف بسيط في مدى التفاني في خدمة الأسياد.

أما عن حكام اليوم فالأمر معهم فاق حد التوقع، فالناظر إلى حال أهل تونس يرى حجم المعاناة والضنك الذي وصلوا إليه، فقد بلغت مشاكلهم مبلغا معقدا خاصة مع التجاهل التام للسلطة المعنية بمعاناة الناس ومشاكلهم؛ فغلاء المعيشة وفقدان كثير من المواد الغذائية الأساسية من الأسواق الناتج عن سياسة رفع الدعم تتعمد الحكومة تجاهله وعدم الاكتراث له، فهي لا تحرك ساكنا في الغرض وتقوم بتصريحات قليلة لا تزيد الوضع إلا سوءا بسبب إيهامهم للتجار بالاحتكار من جهة ولوم الناس على لهفتهم من جهة أخرى أو بالنفي التام لرفع الرئيس للدعم، وكيل التهم للمعارضة بغرض تعطيل مسار الديمقراطية.

وبالتجاهل نفسه تجابه مشكلة المعلمين النواب المعتصمين في مندوبيات التعليم وتعطل الدروس وحرمان عدد كبير من التلاميذ من العودة المدرسية حتى هذا التاريخ، فلا الحكومة ولا رئيسها يبدون أي اهتمام بالموضوع، بل بقي الملف يراوح مكانه بين مكر الوزارة وتحايلها على المعلمين وتجييش الأولياء ضدهم ومداهنة الاتحاد وتلاعبه بمصيرهم مقابل الحفاظ على الالتزام التام بشروط صندوق النقد الدولي.

وكذلك مشكلة النفايات بمدينة صفاقس وما انجر عن تكدس الفضلات في الشوارع وانتشار الحرائق والروائح الكريهة في الأنهج والأحياء والطرقات العامة والمؤسسات، والتهديد المتفاقم للبيئة ولصحة الناس، فلم نسمع لهذه السلطة القائمة صوتا ولم نرَ لها حركة رغم إقرار رئيسة الحكومة بأهمية المحافظة على البيئة أثناء حضوره في قمة المناخ بمصر منذ مدة قصيرة، وظلت مدينة صفاقس غارقة في النفايات وعجز نظر الدولة عن رؤية الكارثة فلم يعرها أي اهتمام بل لعل الرئيس يعلمنا حين يتفرغ للنظر في مشاكل رعاياه بأن للمعارضة يدا في تكدس الفضلات ضمن مخطط إفشال مساره الديمقراطي!

أما مشكلة أهلنا في جرجيس فهي الأوضح في كشف العمالة والتفاني في خدمة المشغل المباشر للحكام مقابل الإهمال الكلي للرعية، حيث إن السلطات في جرجيس تجاهلت العائلات الباحثة عن أبنائها ولم تلتفت لخوفهم على مصير أبنائهم قبل التأكد من غرقهم، ولما تأكدوا من غرقهم كان الكذب وسيلتهم للتغطية على الجريمة المتمثلة في انتشال الجثث ودفن بعضها في مقبرة الغرباء دون التثبت من هويتها، ورغم تحركات الناس في مدينة جرجيس فإن الحكومة ورئيس الدولة لم يكترثوا للأمر ولم يتخذوا أي إجراء وكأن الكارثة حدثت في كوكب آخر! لكن حين هدد الأهل بالتنقل إلى جربة، هنا فقط بدأت الحكومة في إرسال طلبات التفاوض، ولم تسمع السلطة صرخات المنكوبين في جرجيس إلا حين بدأ التهديد يطال مصلحة من مصالح المستعمر! حكومة لم تكلف نفسها حتى التنقل من أجل الاطلاع على الموضوع ولكنها تتحول بكل ثقلها لافتتاح القرية الفرنكفونية ولحضور القمة!

مفارقة عجيبة أن تقام قرية للفرنكوفونية في جربة - القريبة من جرجيس - في اليوم نفسه الذي تنصب فيه خيمة لاعتصام أهالي الضحايا بعد أكثر من 50 يوماً من البحث والمطالبة بالحقيقة!

ومن المفارقات أيضا أن المستعمر الذي قاومه الأجداد وماتوا من أجل طرده تفتح له الأبواب مشرعة ويدخل البلاد من أوسع أبوابها وسط استعدادات دامت أكثر من سنتين تجندت لها كل الوزارات والإدارات وحتى الجمعيات...

هذه بعض المشاكل التي باتت تؤرق الناس في بلادنا، وهذا دون الحديث عن أزمة الصحة وما فيها من إشكاليات كبيرة، ولا أزمة النقل وما نعانيه من اهتراء البنية التحتية، وما وصل له الوضع في قطاعات عدة، فكلها تجابه بالتجاهل والإهمال!

في مقابل كل هذا نجد الحكومة كلها تتحول إلى جزيرة جربة ونشاهد ما قامت به من استعدادات لإنجاح القمة وما وقع تهيئته لاستقبال الضيوف دون ادخار أي جهد، ونرى تفانيهم في خدمة أسيادهم ونسمعهم يعبرون عن فرحهم ويتباهون بثناء الضيوف على ما بذلوه في سبيل توفير الأجواء الملائمة لحسن سير وتأمين القمة وكل تظاهراتها. والأدهى من ذلك تصريحهم بأنهم وصلوا ليلهم بنهارهم لإنجاح القمة رغم أن الفائدة الوحيدة لبلادنا من وراء عقدها هي التسويق لصورة جزيرة جربة السياحية والسعي لقبول منظمة التراث العالمي تسجيل الجزيرة في قائمتها - هذا بحسب تصريح وزيرة الثقافة - وأي فائدة ترجى من إدراج جربة في قائمة كهذه؟!

هذه هي انتظارات حكومتنا من القمة، أما انتظارات الفرنكفونية من عقد هذه القمة فهي متنوعة ومتعددة؛ فقد ورد في موقع باب بنات على الفيسبوك في 2022/11/13: "وينتظر أن تتمخض عن قمة جزيرة جربة، نتائج على درجة من الأهمية في بلورة مستقبل المنظمة الدولية للفرنكفونية، من خلال التفاعل بين الوفود. ومن شأن الأنشطة المنظمة إدخال مزيد من الفاعلية على عمل المنظمة، كما ينتظر أن يتم اعتماد قرارات حول مسائل ذات أولوية بالنسبة إلى المجموعة الفرنكفونية، ومنها الشباب والرقمنة والمرأة والتضامن والذكاء الصناعي".

وخلاصة القول إن المستفيد الوحيد من كل هذا هو الفرنكفونية وهي منظمة أوروبية، والأصل أن لا تكون لنا بها صلة خاصة وأنها نتاج فرنسا المستعمرة التي نكلت بكل بلد استعمرته وعاثت فسادا في بلادنا وهي إلى اليوم تنهب خيراتنا، ومهما حاول الإعلام إيهامنا بأهمية القمة ومدى مردوديتها على التنمية والعلاقات والصفقات فلا يعدو عن كونه تضخيماً للحدث وإمعاناً في العمالة وتفانياً في خدمة الأسياد على حساب أهل البلد، وبهذا نخلص إلى أن من يحكموننا لا يعدون عن كونهم مكلفين بمهمة ينتهون متى انتهت مهمتهم، ولا يشغلهم شاغل عنها، فهي فقط سبب وجودهم في السلطة، وإذا كنا كشعب وأمة نرغب في أن يكون حكامنا يرعون شؤوننا ويحبوننا ونحبهم فلا سبيل لتحقيق ذلك إلا بقلع الاستعمار وعملائه، والحكم بما أنزل الله، وذلك لا يتحقق إلا بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة فهي وحدها التي تحقق لنا ذلك.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سهام عروس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر