الرأسمالية العلمانية والإرهاب الفكري
October 23, 2017

الرأسمالية العلمانية والإرهاب الفكري

الرأسمالية العلمانية والإرهاب الفكري

خرجت أختنا أم حمزة، وهي مسلمة من أصول عربية تسكن إحدى مناطق نيويورك منذ خمس عشرة سنة، في صباح يوم السبت 2017/10/21، خرجت لشراء مستلزمات بيتها وبينما كانت تنتظر الحافلة في الموقف وعلى بُعد أربعة أمتار منها وفي غضون دقائق قام رجلان بإطلاق النار مباشرة على صدر رجل ثالث وأردوه قتيلاً بلمح البصر وأمام عينيها التي امتلأت هلعاً وأخذت تركض لا تدري إلى أين وفي ذهنها فكرة واحدة سوداء، ماذا لو كانت هي ضحية هذه الحادثة فهي مسلمة وترتدي الخمار ومستهدفة، ماذا لو قتلها الرجلان؟ بكل بساطة في شوارع نيويورك هكذا تُزهق الأرواح، فهذا ما يحدث في شوارع أمريكا على مرأى ومسمع المارة؛ يقتل الإنسان وهذا النظام الذي يدّعي أنه الأول على مستوى العالم في مجال حقوق الإنسان وأنه الأول في ضمان الحريات وأنه النظام الديمقراطي "المتقدم" الذي يعمل على نشر القيم "الإنسانية" حول العالم وفي بلاد المسلمين "المتخلفة"، وأنه الرائد في محاربة (الإرهاب)، وهو الذي يقتل المسلمين حول العالم بحجة (الإرهاب)، هذا النظام الرأسمالي العلماني الذي يفصل الدين عن الحياة وعن السياسة ويجعل من المصلحة المادية والمنفعة مقياساً للعلاقات بين البشر، تنتشر في بلده العنصرية والعنجهية والقساوة حيث يخسر أبناء الديمقراطية أرواحهم في حوادث إطلاق نار مرعبة أشبه بقصص أفلام هوليوود العنيفة!

وأم حمزة المرعوبة تتساءل من هو الإرهابي الآن؟! فالأمن والأمان معدومان في أمريكا، وهذا ما تعلمه الحكومة الأمريكية علم اليقين بل وتدعمه حيث إن القوانين الوضعية لا تمنع الناس من حمل السلاح.

فلقد نقلت مواقع إعلامية عدة ما وصفته "نانسي بيلوسي"، زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي، بالظاهرة المؤلمة عن حوادث العنف المسلح وإطلاق النار في بلادها، مشيرة إلى أن هذه الحوادث قد حصدت أرواح 12 ألف شخص خلال العام الجاري الذي شهد 273 حادثة إطلاق نار، وذكرت زعيمة الديمقراطيين في بيان أن 90 شخصاً على الأقل يلقون حتفهم يومياً نتيجة العنف المسلح في أمريكا، وبلغ عدد الأمريكيين الذين قتلوا في حوادث إطلاق نار جماعي في الـ 50 عاماً الماضية حوالي 1.4 مليون، وهو أعلى من كل ضحايا الحروب الأمريكية منذ نهاية القرن الثامن عشر. (إحصائيات صادمة عن ضحايا إطلاق النار في أمريكا بلسان نانسي بيلوسي، أخبار ليبيا لحظة بلحظة، 06 تشرين الأول/أكتوبر 2017).

كما كشفت دراسة جديدة بأنه "يحمل 3 ملايين أمريكي، غالبيتهم من الرجال المقيمين جنوب البلاد، يوميا سلاحا ناريا معبّأً ويبررون ذلك بضرورة حماية أنفسهم، بحسب دراسة نشرتها مجلة "أميريكان جورنال أوف بابليك هيلث"، ويحمل قرابة 9 ملايين شخص السلاح بشكل شهري على ما جاء في الدراسة، وهي الأولى منذ حوالي عشرين عاما، التي تحلل عادات حمل السلاح في صفوف المواطنين العاديين، ويسجل في الولايات المتحدة أكبر عدد من المجازر ترتكب في مدارس وحفلات موسيقية وأماكن عمل، بإطلاق النار من أسلحة نارية على ما أوضح واضعو الدراسة. وأوضح علي روحاني رحبار، أستاذ مساعد في جامعة الصحة العامة في جامعة واشنطن والمعد الرئيسي لهذه الدراسة: "كان من الضروري درس هذه المسألة، لأن حوالي 90% من عمليات القتل والاعتداءات غير القاتلة ترتكب بمسدسات". (دراسة: 3 ملايين أمريكي يحملون سلاحا معبأ يوميا، موقع روسيا اليوم، 2017/10/20).

تكشف هذه الإحصائيات أن المجتمع الأمريكي الكافر يملؤه الإرهاب وتفتك به الجرائم الفظيعة وأن هذا الوضع مقبول من قِبل الدولة الرأسمالية، فالعلمانية عقيدة المبدأ الرأسمالي البغيض الذي أهلك الحرث والنسل لأنه نص على أن "البقاء للأقوى"، وهو الذي رسخ عند الناس "عقدة الإنسان الأبيض" سعياً وراء المكاسب المادية واستنزاف طاقة البشر فجعل من البلاد غابة وساحة للقتال داخلياً، بين السود والسود وبين البيض وبين السود، بل وبين الشرطة والبيض والسود كما نعلم!! فالإرهاب وجهة نظر والإرهاب "ثقافة" وجزء لا يتجزأ من العقيدة العلمانية التي جعلت من الكفر بالله "حقاً" مكفولاً وحرية شخصية، وهذا ليس غريباً على الكفر وأهله فدولة أمريكا أنشئت على جماجم أكثر من مائة مليون من جثث الهنود الحمر، وسياستها الداخلية حماية الحريات وإن كانت إدمان المخدرات أو المسكرات أو الشذوذ الجنسي أو التفنن في أساليب العنف والبلطجة والقتل! ولِمَ لا! طالما هناك رجال أعمال يستفيدون من هذه التجارة الرابحة ويدعمون حكومة البلاد!

أما سياسة البلاد الخارجية فهي سياسة استعمارية تعتمد على السياسات الاقتصادية والعسكرية بالدرجة الأولى وتعيش على افتعال الحروب واصطناعها وإلحاق الخراب والدمار بالناس لسنوات عديدة ثم إعادة إعمار هذه البلاد التي دمرتها من أموال أصحاب البلاد! وليس ما يحصل في العراق واليمن وسوريا وفلسطين وليبيا والسودان وأفغانستان وباكستان وسائر بلاد المسلمين علينا ببعيد. وخصوصاً أن العقيدة العلمانية قد اعترفت بكل العقائد المشركة المختلفة إلا أنها لم تعترف بالعقيدة الإسلامية والتوحيد، لم تعترف بأن الإنسان مخلوق لخالق هو الله سبحانه وتعالى، وأن نظام الإسلام هو النظام الرباني الذي ارتضاه الله تعالى للبشر، فجعلت العالم ساحة قتال بين الناس، ورفعت السلاح بحجة الحرب على (الإرهاب) في وجه العالم كغطاء لإبادة المسلمين خصوصاً، هذه الإبادة التي يدفع ثمنها المسلمون بأرواحهم ومن أموالهم بمليارات الدولارات التي تنفق بواسطة الأنظمة على صفقات شراء الأسلحة الأمريكية التي يقتل بها المسلمون بعضهم بعضاً، هذه الصفقات التي تنعش الاقتصاد الأمريكي كلما كان في طور الاحتضار، وهذا هو دور الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين - خدمة مصالح الكفار - كما حصل في لقاء ترامب الأخير بالنظام السعودي المجرم، فالكافر هدفه في الحياة هو تحقيق أكبر كم من المتع والتنافس على ذلك بشراسة بعيداً عن شريعة الخالق عز وجل، وهذا الفكر "فكر إرهابي" بكل معنى الكلمة، فكرٌ لا يرى الإيمان ولا يرى القيم ولا يرى الإنسانية، فكرٌ لا يرى إلا أكياس النقود والأرباح ولا يرى في الإنسان إلا آلة إرهابية عدوة للنفس البشرية لا يمنعها شيء من الإمعان في الضلال والتمتع والفجور بأي شكل كان.

إن عمليات القتل داخلياً وخارجياً تعتبر أحد مصادر الدخل الرئيسية لأمريكا التي تعتمد بالدرجة الأولى على مص دماء ساكنيها وإرهاقهم بمنظومة الحياة الرأسمالية المرهقة في دوامة اقتصادية استنزافية لا تنتهي. ولذلك لن تحرك الحكومة ساكناً لمنع حوادث إطلاق النار، كما لن تغير من سياستها المجرمة ونهب ثروات الآخرين وبلاد المسلمين على رأس القائمة بالتعاون مع الأنظمة الحاكمة الفاسدة، فليس غريباً على من كانت بلاده تعيش على الإرهاب أن يكون أساس تعامله مع الآخرين وليس ببعيد عمن كانت وجهة نظره وعقيدته فصل الدين عن الحياة والانسلاخ عن الفطرة السليمة ورفض العيش وفقاً للمنهج الرباني القويم، أن يكون هو مصدراً للإرهاب وأن يعمل على تصديره، فالإرهاب فكرة بالأساس. فالكفر بالله سبحانه وبشريعته هو أعلى درجات الإرهاب الفكري الذي يُترجم على أرض الواقع بثقافة القتل والعنف وإبادة البشر ليعيش "الإنسان الأبيض الغني الذي يتحكم بالآخرين" وليموت الجميع! هذه هي الديمقراطية التي تقتل أبناءها، وهذه هي حقيقة الفكر العلماني وعقيدته الإرهابية فكيف بمن كانت عقيدته الإرهاب أن يحاربه؟ بل الحرب حرب على البشرية جمعاء متمثلة في الحرب على الإسلام، والحرب حرب فكرية لن ينتصر فيها أهل الباطل بل المنتصرون هم أهل الحق، بينما يحشد الغرب الكافر بقيادة أمريكا كل ما يملك لحرمان البشر من تطبيق نظام الإسلام ويفرض عليهم نظام الحكم بقوانين الكفر الجبرية بالقمع والاعتقال والتعذيب والتهجير والقتل، إلا أن نهاية المبدأ الرأسمالي ودولته في انهيار وإلى زوال قريب بإذن الله تعالى، أما العالم اليوم فهو يحتاج إلى قيام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي ستهدم مفاهيم الكفر والعلمانية وستأخذ بيد المسلمين وغير المسلمين إلى بر الأمان فتحقن الدماء وتنشر العدل والطمأنينة والأمن والأمان لجميع الناس. نسأله الله تعالى أن يكون أقرب مما نتصور.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة محمد حمدي – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر