الرأسمالية عنصرية بامتياز بينما الإسلام رحمة للإنسانية
April 18, 2022

الرأسمالية عنصرية بامتياز بينما الإسلام رحمة للإنسانية

الرأسمالية عنصرية بامتياز بينما الإسلام رحمة للإنسانية

 (مترجم)

نتج عن الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط/فبراير من هذا العام أزمة لاجئين ضخمة أدت إلى قيام أوروبا بفتح حدودها الوطنية على مصراعيها، واستقبلت أكثر من ثلاثة ملايين أوكراني في أقل من أسبوعين! كشفت هذه الاستجابة الاستثنائية من أوروبا عن قدرتها على إدارة أزمة اللاجئين الهائلة هذه بسبب الإرادة السياسية العنصرية القوية المتمركزة حول أوروبا والتي أظهرها القادة الأوروبيون ووسائل الإعلام الغربية.

أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين هذه النقطة عندما قالت: "سيتم الترحيب بكل من يضطر إلى الفرار من قنابل بوتين بأذرع مفتوحة".

وبالتالي، يُمنح الأوكرانيون منذ عام 2017 على الفور حماية مؤقتة، ما يمكّن الرجال والنساء والأطفال، وحيواناتهم الأليفة، من الدخول إلى دول الاتحاد الأوروبي بدون تأشيرة أو جواز سفر للحيوانات الأليفة، ويمكنهم اختيار الدولة التي يقررون الذهاب إليها.

كما ردد ماتياس تيسفاي، الوزير الدنماركي للشؤون الخارجية والتكامل، تفضيل الدنمارك المتمركز حول أوروبا لحماية الأوكرانيين عندما قال: "عندما تكون هناك حرب في أوروبا ويتعرض أحد الجيران الأوروبيين لما نراه في أوكرانيا، فلا يوجد أدنى شك في ذهني: يجب أن نساعد قدر المستطاع... من خلال الترحيب بالأوكرانيين على الأراضي الدنماركية". علاوة على ذلك، تسهل الحكومة الدنماركية هذا الترحيب بالأوكرانيين من خلال التشريعات التي ستعلق قواعد اللجوء الخاصة بهم. فقد قال المتحدث باسم الشؤون باسم الحزب الديمقراطي الاجتماعي الحاكم في الدنمارك لشبكة سي إن إن: "لن يكونوا جزءاً من نظام اللجوء"، وبدلاً من ذلك، سيسهل القانون المقترح على الأوكرانيين الحصول على تصاريح الإقامة "حتى يتمكنوا من البدء بسرعة في المدرسة، في تعليم أو في وظيفة"، بحسب بيان صادر عن وزارة الهجرة والاندماج الدنماركية.

كما أعربت وزيرة الهجرة السابقة في الحزب الليبرالي، إنغر ستوجبيرج، التي دفع حزبها ما يسمى بمشروع قانون المجوهرات، عن آرائها العنصرية الصريحة والنصرانية الأوروبية عندما كتبت على فيسبوك (2022/3/9) "قد نكون صادقين أيضاً بشأن حقيقة أننا نفضل مساعدة اللاجئين الأوكرانيين على الصوماليين والفلسطينيين... لا أحد يجرؤ على قول الأمر كما هو: هذا لأن الأوكرانيين أكثر شبهاً بنا ولأنهم مسيحيون بالدرجة الأولى".

ثم هناك رئيس الوزراء البلغاري، كيريل بيتكوف، الذي قال: "هؤلاء الناس أذكياء؛ إنهم أناس مثقفون... هذه ليست موجة اللاجئين التي اعتدنا عليها، أناس لم نكن متأكدين من هويتهم، أيها الناس. مع ماضٍ غامض، من الممكن أن يكونوا حتى إرهابيين". أخيراً، وبشكل لا لبس فيه، قال زعيم حزب اليمين المتطرف الإسباني، سانتياغو أباسكال، أثناء تلقيه جولة من التصفيق أمام البرلمان الإسباني، "هؤلاء هم لاجئون حقيقيون: يجب الترحيب بالنساء والأطفال وكبار السن في أوروبا. الآن يجب على الجميع أن يفهم الفرق بين هؤلاء اللاجئين وغزو الشباب المسلم في سن التجنيد الذين عبروا حدودنا في محاولة لزعزعة استقرار أوروبا واستعمارها".

كما أعربت وسائل الإعلام الغربية بصوت عالٍ وواضح عن مواقفها العنصرية والهمجية من قانون للأوروبيين وآخر للمسلمين والأفارقة.

أثناء بثه على الهواء، صرح كبير المراسلين الأجانب في شبكة سي بي إس نيوز، تشارلي داجاتا، أن أوكرانيا "ليست مكاناً، مع كل الاحترام الواجب، مثل العراق أو أفغانستان، الذي شهد صراعاً مستعراً لعقود. هذه حضارة نسبياً، أوروبية نسبياً - يجب أن أختار هذه الكلمات بعناية أيضاً - مدينة، مدينة لا تتوقع فيها ذلك، أو تأمل في حدوثها".

ثم هناك بي بي سي التي أجرت مقابلة مع نائب المدعي العام السابق لأوكرانيا، الذي قال للشبكة: "إنه أمر مؤثر للغاية بالنسبة لي لأنني أرى الأوروبيين بعيون زرقاء وشعر أشقر... يُقتلون كل يوم". وبدلاً من طرح الأسئلة أو الطعن في التعليق، أجاب مضيف البي بي سي بشكل قاطع، "أنا أتفهم وأحترم المشاعر".

على قناة BFM الفرنسية، صرح الصحفي فيليب كوربي بهذا عن أوكرانيا: "نحن لا نتحدث هنا عن فرار سوريين من قصف النظام السوري المدعوم من بوتين. نحن نتحدث عن الأوروبيين الذين يغادرون في سيارات تشبه سياراتنا لإنقاذ حياتهم". أخيراً، قال صحفي في قناة ITV من بولندا: "لقد حدث لهم الآن ما لا يمكن تصوره. وهذه ليست دولة نامية من العالم الثالث. هذه هي أوروبا"!

وقال الصحفي والكاتب بيتر أوبورن: "نحن في الأخوة الغربية نحتاج إلى فحص أنفسنا، ونسأل ما هي قيمنا؟ هل لدينا بالفعل مجموعة واحدة من المعايير الأخلاقية التي نلتزم بها في جميع الأوقات والأماكن؟ لأنه إذا لم نكن كذلك ولدينا مجموعة واحدة من القيم للأشخاص داخل أوروبا ومجموعة واحدة من القيم لغير الأوروبيين، والأشخاص غير البيض، فنحن عنصريون، فنحن أيضاً برابرة".

لذلك، فإن التفضيل التاريخي من أوروبا لحماية اللاجئين الأوروبيين خلال الحرب العالمية الثانية، والذي كان بمثابة الخلفية لاتفاقية جنيف لعام 1951، والتي تمت صياغتها بلغة دولية "عالمية"، متعهدة "لكل شخص" بالحق في السعي والتمتع بلغة أخرى. دول اللجوء من الاضطهاد؛ الحقيقة هي أن طلب اللجوء في أوروبا أو أمريكا أو كندا أو أستراليا أو نيوزيلندا يُمنح بشكل تفضيلي للنصارى الأوروبيين البيض.

أما بالنسبة للإسلام، فإن ميثاق حماية طالبي اللجوء يفرض على الخلافة التزامات معينة تجاه أهل الذمة. هم جيراننا في مأوانا وحمايتنا بكفالة الله ورسوله ﷺ ودين الإسلام. من خالف هذه الواجبات تجاه أحدهم بكلمة جائرة أو بالذم بسمعته أو بإيذائه، يكون قد أخل بعهد الله ورسوله ﷺ، قال رسول الله ﷺ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِداً أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

هناك العديد من الأمثلة من تاريخ الخلافة التي يمكن أن توضح كيف أنها وفرت ملاذاً للاجئين وحمايتهم:

  • بعد طرد اليهود من إسبانيا عام 1492، أمر الخليفة بايزيد الثاني بقبولهم للجوء إلى الخلافة العثمانية، حتى إنه أرسل سفناً إلى إسبانيا لجمعهم. وصل 250000 لاجئ واستقروا بشكل رئيسي في إسطنبول وسالونيك.
  • في سبعينات القرن الخامس عشر الميلادي، فر النصارى الموحدون (الذين أنكروا الثالوث) من اضطهاد إخوتهم وتم منحهم ملاذاً في الأراضي الإسلامية.
  • بعد الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم عام 1784 والقوقاز عام 1864، جاء المسلمون الذين يعيشون في هذه المناطق إلى الأناضول إما عن طريق السفن أو الطرق البرية.
  • في القرن الثامن عشر، فر الروس القوقاز إلى الخلافة بسبب الاضطهاد على أيدي الكنيسة الأرثوذكسية المقيمة في مدينة باليكسير.
  • نُقل ما يصل إلى 200 ألف روسي قيصري عن طريق السفن إلى إسطنبول بين 1917-1921، بعد أن عارضوا الثورة البلشفية وفروا من الحرب الأهلية اللاحقة؛ وتم توطينهم في البداية في مخيمات اللاجئين قبل نقلهم إلى منازل ومبان دائمة.
  • كتب المؤرخ ستانفورد شو في كتاب "يهود وأتراك وعثمانيون: من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين"، "كانت الإمبراطورية العثمانية على مدى قرون توفر ملاذاً آمناً للاجئين اليهود من أوروبا. الهجرات واسعة النطاق لليهود من إسبانيا والبرتغال ودول أوروبية أخرى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر معروفة جيداً ... ومع ذلك، فإن تحركات السكان اليهود فيما بعد إلى الإمبراطورية العثمانية أقل شهرة. ومع ذلك، على مر السنين، استمر العديد من اليهود الأوروبيين بشكل فردي أو في مجموعات صغيرة في الاستقرار في المناطق الخاضعة للسيطرة العثمانية لأسباب سياسية أو اقتصادية أو دينية. في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ازداد مرة أخرى تدفق اللاجئين اليهود إلى الأراضي العثمانية المتقلصة".

لقد أصبح كرم الخلافة العثمانية في زمن المجاعة الكبرى بأيرلندا عام 1845 موثقاً جيداً. في مساعدة الآخرين، لخص الخليفة، عبد المجيد الأول، الرد الإسلامي بكلماته "أنا يجبرني ديني على مراعاة قوانين الضيافة". المسلمون لديهم بالفعل مفهوم راسخ عن العمل الخيري غير الأناني دون أي مكسب مادي (الصدقة). ما نحتاجه في عصرنا الحالي هو رفع مستوى هذه العقلية وتطبيقها على المستوى السياسي للدولة بحيث يمكن رعاية ملايين اللاجئين في العالم اليوم والسماح لهم بالاستقرار في الأراضي لحمايتهم. وبذلك، لا تقوم الأمة بواجبها تجاه بقية البشرية فحسب، بل تُظهر أيضاً للعالم عدالة الإسلام.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ثريا أمل يسنى

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر