الرأسمالية تحرق العالم والخلافة تنقذه
February 14, 2021

الرأسمالية تحرق العالم والخلافة تنقذه

الرأسمالية تحرق العالم والخلافة تنقذه


في آذار/مارس 1924م استطاع الغرب الكافر، وبأيدي الخونة من العرب والترك هدم الخلافة؛ أم المسلمين الرؤوم، تلك الدولة التي أسسها النبي ﷺ ثم قادها الخلفاء الراشدون من بعده، ثم تعاقبت العصبات القوية تحكم في ملك عضوض تقيم الدين وتحمله إلى العالمين في خلافة منقوصة، مجروحة لكنها توحد المسلمين، وتذود عن حياضهم ومقدساتهم. ثم تكالبت عليها قوى الشر وخونة الداخل حتى أسقطوها، وفرقوا حكمها وبلادها إلى دويلات كرتونية لا حول لها ولا قوة، دويلات خاضعة ذليلة لعدوها، قاهرة لشعوبها، استباحت مقدسات الأمة وأرضها وكرامتها، وثرواتها في أكثر من ست وخمسين دويلة، وما زال حبل التمزيق على الجرار، ولا يزال يتسلط الحكام العملاء على رقاب الأمة، وهم غارقون في الفساد والإفساد. ففي تقرير لمجلة فورين بوليسي في سنة 2011م أشارت إلى أن ثروة العائلة المالكة في السعودية بلغت 1.4 تريليون دولار، أما ملك المغرب 5.7 مليار دولار، وأن أغنى الرؤساء في العالم هم من حكام المسلمين.


خرب هؤلاء الحكام البلاد وقتلوا العباد في أفغانستان وليبيا وسوريا واليمن والعراق والسودان وغيرها حيث قتل أكثر من 2 مليون شخص في حرب جنوب السودان، و300 ألف في حرب دارفور و384 ألف قتيل في سوريا، وبحسب تقرير المرصد السوري في 2020م، فإن العدد بلغ 585 ألف قتيل. وأفقر هؤلاء الحكام البلاد والعباد، حيث جعلوا ثروات الأمة في يد الكافر المستعمر، فهي عصية على أبناء المسلمين، ولا يسمح لهم بأخذ نصيبهم منها، وإن امتدت يدهم إليها تغتالهم يد الغدر والخيانة، فانتشرت البطالة حتى وصلت مستويات مخيفة، وأصبحت الحياة جحيماً لا يطاق، فكثرت هجرة الشباب فراراً من الفقر والقهر والظلم، وقدر عدد المهاجرين في استطلاع أجرته شبكة الباروميتر العربي لصالح البي بي سي عام 2019، أن نصف عدد الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 سنة يرغبون في الهجرة، فمنهم من ابتلعتهم رمال الصحراء، أو مياه البحار، ومن عبر منهم ارتمى في أحضان مجتمعات الشر والرذيلة، فكان حالهم كالمستجير من الرمضاء بالنار... وكثرت حالات الطلاق بسبب غياب الزوج، أو عدم القدرة على الإنفاق.


واتباعاً لشهوة السلطة والحكم، قام هؤلاء الحكام الرويبضات بكل رذيلة، وذبحوا كل فضيلة مهراً لكرسي الحكم، وأيضاً من قبيح فعالهم إثارة النعرات العنصرية والقبلية، وإشعال الحروب الطائفية والمذهبية، استجابة لكيد الكافر المستعمر وخطته الجهنمية في إضعاف الأمة الإسلامية وإفقارها، تمهيدا للقضاء عليها، حيث قدم اليهودي برنارد لويس الملقب بسياف الشرق الأوسط، قدم في جلسة سرية للكونغرس الأمريكي سنة 1983م خطة لتمزيق بلاد المسلمين تقضي بتقسيم المقسم، وتفتيت المفتت في اتفاقية سايكس بيكو، عبر إثارة الحروب العنصرية والقبلية والمذهبية، تفضي إلى رسم حدود جديدة لدول جديدة، عرفت فيما بعد بحدود الدم؛ دماء المسلمين على يد بعضهم بعضا (السودان، اليمن، العراق، ليبيا...).


أما القضاء على الأمة الإسلامية، فلا يكون بإبادة المسلمين، فهذا لن يكون، رغم حروب الإبادة التي تمارس ضد المسلمين في العالم (البوسنة والهرسك، الروهينجا، الإيغور، أفريقيا الوسطى، الحروب الداخلية)، وإنما يكون بالقضاء كذلك على سر وجودها وبقائها بوصفها أمة إسلامية تملك عقيدة سياسية كما هي عقيدة روحية. فإن حيوية الأمة، والسبب في أنها عصية على الكافرين وقيمهم هو عقيدتها سر حياتها، إذ إن العقيدة الإسلامية جاءت بمفاهيم عن الحياة، وقدمت أنظمة لجميع شئون الحياة، لذلك تصطدم وتتضارب مع الحضارة الغربية، حين يحاول الغرب إدخالها إلى بلاد المسلمين، بل الحضارة الغربية تنهزم الآن في الداخل الأوروبي وفي قلب أمريكا أمام الحضارة الإسلامية بعد أن عجزوا عن دمج أبناء المسلمين داخل مجتمعاتهم، بل بدأ التحول نحو الإسلام، الدين الأكثر انتشاراً في العالم رغم غياب دولة تطبقه وتحمله إلى العالم.


أصبح الإسلام بعبعاً يخيف الرأسمالية الخبيثة، فبدأت بتجييش جنودها لتخويف شعوبها من الإسلام، وذلك بوصفه بالعنف والقتل والهمجية فيما يعرف بالإسلاموفوبيا، أو (الإرهاب الإسلامي)، وبخاصة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، والتي كانت من أعظم ذرائع الهجوم العسكري على البلاد الإسلامية في العصر الحديث، حيث عبر الرئيس الأمريكي حينها جورج بوش عما في نفسه فأعلن أنه يقوم بحرب صليبية ضد البلاد الإسلامية، فاستنفرت الحكومات الغربية أجهزتها الأمنية والاستخباراتية لمراقبة أنشطة المسلمين، والتجسس على تحركاتهم، ووضعت المساجد والجمعيات تحت المراقبة والتتبع، بل حتى في بلاد المسلمين وضعت الدول الغربية استراتيجيات لمواجهة الإسلام بما يسمى مكافحة الإرهاب والتطرف.


أيها الحالمون، النائمون على خطوط النار الأمامية، أيها المسلمون أفيقوا، فإنكم في خضم حرب ضروس لاستئصالكم والقضاء على دينكم وهويتكم، فقد قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي عند انهيار الاتحاد السوفيتي: "لم يبق أمامنا من عدو بعد سقوط الاتحاد السوفيتي إلا الإسلام".


وفي شباط/فبراير 2015م، عقد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مؤتمرا في واشنطن لمكافحة التطرف والإرهاب، حيث أعلن فيه أن أمريكا، كما تخوض حرباً في البر والبحر والجو، فإنها تقود حرب العقول والأفكار، وهو ما تمخض عنه لاحقاً، إبان زيارة ترامب المشئومة إلى بلاد الحرمين، إنشاء مركز (اعتدال) لمكافحة الإرهاب، والذي أعلن عنه وزير الخارجية الأمريكي حينها تيلرسون سنة 2017م، ويهدف إلى تغيير المناهج والكتب الدينية، وإعداد وتدريب الخطباء والأئمة والدعاة على الطريقة الأمريكية وبالإسلام الأمريكي، حيث قال رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية جيمس وولسي في 2006م "سنضع لهم إسلاما يناسبنا، ثم نجعلهم يقومون بالثورات، ثم يتم انقسامهم عن بعض بنعرات عصبية، ومن بعدها قادمون وسوف ننتصر".


وفي 2020/12/25 دعا وزير الشئون الدينية والأوقاف السوداني نصر الدين مفرح، بالإسكندرية ضمن افتتاح معسكر أبو بكر الصديق التثقيفي للأئمة السودانيين والمصريين، دعا الوزير الدارسين لانتهاج مبدأ الوسطية والاعتدال للتصدي للغلو والتطرف، ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.


إن الحرب على الإسلام والقرآن والنبي ﷺ مستمرة، وبأشكال مختلفة، منها حرق القس الأمريكي تيري جونز نسخة من المصحف الشريف بكنيسة بولاية فلوريدا في آذار/مارس 2011، ثم قيامه بمسيرة ضد الجهاد والشريعة في نيسان/أبريل 2011، وكذلك فلم (فتنة) للنائب الهولندي الذي تم بثه في 2008 الذي هاجم فيه القرآن الكريم وانتقد فيه ما أسماه أسلمة أوروبا.


وفي عام 2012 الفلم المسيء لمقام الرسول ﷺ، وكذلك الرسوم المسيئة للنبي الكريم... وأيضاً صور القتل والتنكيل بالمسلمين... كلها تهدف إلى هزيمة المسلمين النفسية وكسر عزيمتهم وكبريائهم حتى يبقوا عبيدا خاضعين.


والآن يمكن أن نسأل بوضوح ماذا خسر العالم بغياب الخلافة وسيطرة الرأسمالية؟


1- خسر العالم الطمأنينة:


- ففي الحرب العالمية الثانية قتل أكثر من 70 مليون نسمة جراء الجشع الاستعماري، ومنذ العام 1945 عاش العالم أكثر من 250 استخداما للقوة العسكرية، وكانت نسبة 92% منها حروباً بين دول العالم الثالث.


- استعمال أسلحة الدمار الشامل (هيروشيما، ناجازاكي، العراق، البوسنة والهيرسك) حيث الإبادة والتشوهات، وما زالت الأجنة والمواليد يولدون بتشوهات خلقية.


- التجسس والمراقبة حيث لا خصوصية ولا كرامة.


2- خسرت الشعوب حقها في التعبير عن إرادتها في اختيار من يحكمها، وفي التمتع بثرواتها:


- تم فرض الديمقراطية حيث يتلاعب أصحاب الأموال بالشعوب وتزييف إرادتها بالديمقراطية الكاذبة، فباسم حكم الشعب يقوم أصحاب الأموال بتمويل العمليات الانتخابية والتلاعب بمشاعر الناس وتسخير الإعلام المأجور بتلميع من يريدونه ثم سَوق العامة لصناديق الاقتراع كالغنم. وقد انكشفت تلك الحقيقة عندما رأى الناس حكاماً مثل ساركوزي، وترامب، وبلير، على رأس أعرق وأكبر الديمقراطيات في العالم، فخرج الناس لحرق مراكز الاقتراع في فرنسا، واقتحموا البيت الأبيض رفضاً للانتخابات ونتائجها، ووُصف بلير بعميل الأمريكان.


- في العام 2010 عقب الأزمة المالية العالمية حيث يولد النظام الرأسمالي الأزمات، خرجت ألف مدينة في أكثر من 81 بلدا في العالم تطالب بالانعتاق السياسي من الرأسماليين، وبحق الشعوب في اقتسام ثرواتها، وتطالب بسقوط الرأسمالية وزيف الديمقراطية.


والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل من أمل لشعوب الأرض للانعتاق من سيطرة الرأسمالية؟


نعم إن عودة الإسلام إلى السياسة الدولية، وإلى معترك الحياة هو الأمل الوحيد، بل هو الأوحد في القضاء على الرأسمالية المتوحشة، وانعتاق شعوب الأرض من الاستبداد والاستعباد، وذلك لن يكون إلا بعودة الخلافة من جديد لتشرق الأرض بنور ربها، فتبدد عهود الظلم والاستبداد والاستكبار العالمي لدول الشر، لذلك فقد جندت الدول الاستعمارية جيوشاً من العملاء والخونة المضبوعين بالثقافة الغربية في بلاد المسلمين للحيلولة دون قيام الخلافة، والله سبحانه يقول: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
ناصر رضا
رئيس لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر