الصدع بالحق أمام الطغاة بنوايا نقية وصبر وثبات هو فرضٌ ومسألة حياة وموت
June 03, 2019

الصدع بالحق أمام الطغاة بنوايا نقية وصبر وثبات هو فرضٌ ومسألة حياة وموت

الصدع بالحق أمام الطغاة بنوايا نقية وصبر وثبات هو فرضٌ ومسألة حياة وموت

(مترجم)

سلام على أصحاب البصيرة والحكمة، الذين يرون الحق حقا ويتبعونه ويرون الباطل باطلا ويجتنبونه ويجنّبون الناس عنه.

من الذي سوف ينقذ أمة محمد من هذا الظلام، ومن الظالمين والطغاة الذين يمنعونها من طريق الحق ومن عبادة الحق رب العالمين؟ من الذي سوف يطبق أحكام الإسلام؟ من الذي سوف يقود هذه الأمة والناس أجمعين لعدالة وسلام وازدهار وأمان وعزة الإسلام؟

فقط نحن ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، من سيفعل هذا! إن أردنا بصدق أن يغير الله سبحانه وتعالى حالنا هذا فعلينا أولا وقبل كل شيء أن نحاسب حكامنا؛ بفضح أخطائهم وخياناتهم وفخاخهم للأمة ولمن يملكون القوة وندعوهم للانضمام إلى العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لاستئناف الحياة الإسلامية ودعمها بنصرتهم. هذا العمل واجب ومسألة حياة أو موت. ربنا المنتقم، يريد منا أن نغير أنفسنا من أجل الخروج من الظلام والدخول في النور. يقول عز وجل في سورة الرعد، الآية 11: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ»، وروى الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوْشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ».

وعن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ». وروى ابن ماجه مثله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَىْ يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ» (أحمد).

وتغيير الناس ليس أمراً سهلا. فعلى مر التاريخ، تم نبذ الأنبياء والمرسلين وأولئك الذين سلكوا طريقهم واضطهادهم وتعرضهم لجميع أنواع التعذيب، وهذا ما تعلمناه في آيات عديدة في القرآن الكريم، ومن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة صحابته الكرام، ومن آلاف العلماء وحملة الدعوة من الماضي والحاضر. لذلك، فإن حامل الدعوة سيواجه ابتلاءات لا حصر لها وضغوطاً من عائلته ومحيطه والحكومات. وما يجب عليه هو أن يقاوم هذه الضغوطات، وأن تكون لديه قناعة تامة بصحة دعوته، وأن يكون مقتنعا بصحة طريقه. وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى في مواضع عدة في القرآن الكريم عن الابتلاءات التي سوف يمر بها حامل الدعوة، وبالمقابل، وعد الصابرين بالنصر في هذه الدنيا والجنة في الآخرة. قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]

تجدر الإشارة إلى أنه لم يتم العثور على دليل واحد على أن نبياً واحداً أو رسولاً أو ممن سار على خطاهم قد تخلوا عن أمانتهم، أو تخلوا عن حمل الدعوة أمام النبذ والاضطهاد والإذلال والتعذيب.

صفات لا غنى عنها لحامل الدعوة

يجب أن يكون حامل الدعوة المؤمن في سعيه لنصرة الله مزوداً ببعض الصفات التي لا غنى عنها، والتي بدونها، سوف يتعثر حامل الدعوة، ويفشل في عمله ويفقد التزامه.

1-  إرادة دقيقة:

الإرادة الدقيقة تتعلق بـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لإعادة تأسيس درع الإسلام والأمة - الخلافة - كمسألة حياة أو موت، مع إعطاء الأولوية لهذه الدعوة فوق كل أمر دنيوي. وإن فكرة "النصر أو الشهادة" هي العامل الذي لا غنى عنه في هذه القضية. إن إرادة إنجاز الهدف هو إعداد الأمة للتغيير من خلال العمل السياسي، وكذلك التمسك الصارم بطريقة الدعوة وما يتصل بها من أحكام شرعية. وقد حاول مشركو مكة بطرق عدة واقتراحات مختلفة دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وثنيه عن هدفه، لكنه في كل مرة كان يرفض الإصغاء لهم، بل وإن الله تعالى أنكر عليهم أفعالهم في سورة الكافرون، وقد أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب ذات مرة قائلا: «يَا عَمُّ، وَاَللّهِ لَوْ وَضَعُوا الشّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتّى يُظْهِرَهُ اللّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ».

2-  الإخلاص في القول والعمل:

يجب على حامل الدعوة أن يتكلم وفقاً لأوامر الله وأن يتمسك بأوامره سبحانه في أعماله، بينما يسعى باستمرار لنيل رضوانه. عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلا مَا كَانَ لَهُ خَالِصاً وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (سنن النسائي).

حمل الدعوة عبادة. وكل عبادة لها علاقة بحمل الدعوة أيضاً. لذلك يجب أن تحمل الدعوة بإخلاص لوجه الله تعالى فقط لا غير، ولتنفيذ أوامر الله ونيل رضوانه. فأي عمل دون إخلاص يدخل في خطر الشرك، وبالتالي، على حامل الدعوة أن يولي هذه المسألة أقصى درجات الاهتمام والأهمية.

3-  الصبر في مواجهة المحن:

مع زيادة الإخلاص والنشاط والهمة لحامل الدعوة، تزداد شدة المحن والظلم، وحاجة الدعوة حينها للصبر والثبات.

وفي الحقيقة، فإن المحن والصبر يلازمان المؤمن المخلص الصالح الصدوق. إن درجة المؤمن الصابر على البلاء عند الله تعالى عالية بشكل لا يوصف. فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفها بقوله: :«يُؤْتَى بِالشَّهِيدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنْصَبُ لِلْحِسَابِ، وَيُؤْتَى بِالْمُتَصَدِّقِ فَيُنْصَبُ لِلْحِسَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلاءِ، وَلا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ وَلا يُنْشَرُ لَهُمْ دِيوَانٌ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأَجْرُ صَبًّا، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْعَافِيَةِ لَيَتَمَنَّوْنَ فِي الْمَوْقِفِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيضِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِ اللَّهِ لَهُمْ» ووعد الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، والله لا يخلف الميعاد.

4-  الثبات في حمل الدعوة

إن حمل الدعوة فريضة على كل مسلم، والثبات في حمل الدعوة واجب. وإن أعداء الإسلام والدعوة يسعون إلى تقويض الثبات من خلال تقويض الأحكام والمفاهيم الإسلامية، ومن خلال خلط الأفكار غير الإسلامية بالأفكار الإسلامية. فمثلا؛ هم يسعون إلى إحداث فوضى في الدين وتشويش بين الحق والباطل من خلال إضفاء الطابع الديمقراطي على الدعوة الإسلامية؛ وطمس المفاهيم الإسلامية بمفاهيم مثل "الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين". كما يحاربون الثابتين من حملة الدعوة من خلال الاعتقالات والتعذيب والفقر وحتى عمليات الإعدام بكل وسائلهم في أي مناسبة. فكل من يقع في مصيدة الفتنة سيكون خاسراً يدرك أهداف أعداء الإسلام القذرة. وقد حذرنا الله سبحانه من عدم الثبات في حمل الدعوة في سورة الإسراء الآيات 73-75: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾.

ختاماً نقول: إن الامتثال لمطالب أعداء الإسلام والدعوة، والميل نحوهم، ومداهنتهم، وعدم تحدي أفكار وقوانين الكفر التي تتناقض مع الإسلام، وعدم الاستمرار في فضح أجنداتهم وفخاخهم ضد الإسلام والمسلمين، والامتثال لأفعالهم والموافقة عليها، وتجاهل اضطهادهم والعفو عن جرائمهم، والتزام الصمت تجاه تشويه الأفكار والأحكام الإسلامية، والامتثال لمطالبهم، وبالتالي محاولة تغيير أي حكم من أحكام الإسلام... كل هذا هو عكس الثبات، وهو تخلٍ عن الدعوة وسبب في غضب الله!

5-  أن تكون قدوة ومثالاً يحتذى به:

لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان بطبيعة تميل إلى الاعتقاد في الأشياء المحسوسة الملموسة وليس في الأفكار المجردة غير المرئية. وعلى مر التاريخ، بينما كان الإسلام متمثلاً من خلال دولة، أي دولة الخلافة، شهدنا كيف دخل جموع الناس في الإسلام. لكن كلما ضعف تمثيل الإسلام في العالم، وتم في النهاية إلغاء الخلافة، قلَّ عدد الناس الذين دخلوا الإسلام. لهذا السبب أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بإقامة الخلافة. إن جعل الإسلام كياناً محسوساً ملموساً من خلال إقامة الخلافة هو أهم واجب على المسلمين. حينها سيزداد عدد المسلمين. وبالتالي؛ فإن حامل الدعوة هو النموذج المحسوس الوحيد للإسلام في هذا العالم حيث لا يطبق الإسلام في الواقع. وبالتالي؛ يجب أن يصبح حامل الدعوة نموذجاً ملموساً ورائداً للإسلام تماماً مثل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يجب أن يكون ممثلا للإسلام بكلماته وأعماله وصفاته ويجب أن يكون طموحاً في القيام بالأعمال المشروعة وأن يمتلك الصفات التي يحددها الشرع.

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يمتلك صفات جديرة بالثناء، مثل الأخلاق المتميزة والبر والإخلاص والتفاني والصبر والمثابرة والتواضع وعمل الخير، يتقي الله، يحب الله ويحتقر ما يحتقره الله ويتأمل الأفضل من الناس ولهم. يجب عليه تجنب الصفات والأخلاق السيئة، لأن الذي من خُلقه البخل والتعجرف والخبث والظلم ليس مؤهلا لحمل الدعوة، ولن يرزقه الله النجاح. والله سبحانه وتعالى لن يجعل الخير على أيديهم. ولن يتخذ الناس مثل هؤلاء نماذج يحتذى بها في تصرفاتهم وكلماتهم.

إن حمل الدعوة مسؤولية كبيرة وعمل شاق ومرهق. ولن ينصر الله سبحانه وتعالى إلا حامل الدعوة الذي يضع جنة الفردوس نصب عينيه والذي يهدف إلى تحقيق شرف تحرير الأمة والبشرية من الظلام إلى النور. لذلك يجب أن يعبر حامل الدعوة عن أفكاره وطريقته الإسلامية بطريقة منفتحة وواضحة ونقية، دون الخوف من لومة لائم.

وأخيراً أخواتي وإخوتي في الدعوة... إذا واجهنا التعذيب والقمع من قبل أعداء الإسلام والدعوة؛ لنتذكر دعاء قدوتنا وأسوتنا الحسنة؛ حبيبنا النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، عندما تعرض للتعذيب من قبل أهل الطائف.

 عن محمد بن كعب الكرزي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي، وَقِلّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك» رواه مسلم وأحمد بن حنبل.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زهرة مالك

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر