الشام والكارثة الكبرى
September 02, 2025

الشام والكارثة الكبرى

الشام والكارثة الكبرى

مأساة الشام اليوم هي في فراغ الحكم وعقم الحاكم وغياب مطلق لمشروع دولة، فنحن أمام حالة من سياسة شاذة للحكم مثخنة بعمى البصيرة السياسية وانعدام تام لشروط الحكم والقيادة، فالرئاسة والإدارة اليوم بالشام رهن للاستعمار، قرارها بيده ورسم سياساتها بيده، بل وجودها وعدمها سيان، فالمستعمر الأمريكي عبر مبعوثه الخاص (المندوب السامي) توم باراك هو من يدير الشام.

فالشام اليوم بعد سقوط سفاحها بشار رهينة سياسية لأمريكا محجوزة ومقيدة بسياستها الاستعمارية ونفوذها الخارجي، وإدارة دمشق صيرتها أمريكا أداة لتحقيق أهدافها الاستعمارية. وها هي أمريكا قد عاثت في الشام فسادا وإفسادا عبر مبعوثها توم باراك ومكائده ومكره الخبيث لتحقيقه أهدافها الاستعمارية عبر قاعدتها الاستراتيجية كيان يهود، بل حتى عبر أحقر أدواتها من شراذم خونة الدروز والعلويين والأكراد الذين باتوا يصولون ويجولون ويعيثون فسادا ولهم رأي في أمر الشام وسياسة أهلها، وأنكى من ذلك عبر أحمد الشرع وبطانته بدمشق.

المفارقة اليوم ورزية الشام وكارثتها الكبرى هي في فراغ الحكم وانعدام الدولة، ليس بالشام حاكم، أو حتى شبه حاكم، بل نحن أمام فراغ مدمر على مستوى الحكم والقيادة، هذا الوضع الشاذ جعل تمرير الخيانات الكبرى كسياسات ومشاريع حكم، حتى إن هذه الإدارة في عمى بصيرتها السياسية وارتهانها للاستعمار الأمريكي حققت له وأنجزت من الخيانات في سبعة أشهر ما تطلّب عقودا طوالاً من مؤامرات حكام الوظيفة الاستعمارية بالمنطقة.

فهذا الوضع السياسي الشاذ اليوم بالشام جراء هذه السياسات الشاذة للإدارة بدمشق، المندفعة بخطا متهورة متسارعة متلاحقة لإنهاء ثورة الشام عبر تسليم الشام لأمريكا، هي حالة من غرائب السياسة أن تنتهي ثورة للتحرير من الاستعمار إلى إحكام قيود الاستعمار!

فأمريكا مصرة على بقاء نفوذها في الشام بشروط وقيود ألعن من سابقاتها زمن السفاح بشار، وإدارة دمشق هي أداتها الخانعة الطيعة في تنفيذ كل مكائدها الاستعمارية وخبيث مكرها، ومبعوثها الخاص لسوريا توم براك هو حقيق مندوبها السامي لإدارة الشام وحكمه.

فنحن أمام مبعوث خاص أمريكي بصلاحيات مندوب سامي له السلطة العليا في القضايا المصيرية للشام تشريعا وحكما وسياسة وجيشا واقتصادا واجتماعا وإدارة. فتصريحاته لصحيفة نيويورك تايمز في تموز/يوليو 2025 كشفت دوره وصلاحياته وخريطة الطريق التي رسمتها أمريكا للشام والموكول به إنجاز أهدافها.

أبرز ما جاء فيها:

سوريا و(إسرائيل) تجريان محادثات جادة برعاية أمريكية لاستعادة الهدوء على الحدود

إدارة ترامب ترغب في انضمام سوريا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، لكن هذا الأمر قد يستغرق وقتاً

الرئيس الشرع قد يواجه معارضة داخلية بشأن الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية

لا يمكن للسوريين أن يروا رئيسهم مجبراً على الانضمام لتلك الاتفاقيات، ولذلك عليه أن يعمل بتأنٍ

التقدم في مساري الديمقراطية والحكم الشامل في سوريا لن يتحقق بسرعة، وهما ليسا جزءاً من المعايير الأمريكية

واشنطن أدركت أن سوريا لا تستطيع طرد من تبقى من المقاتلين الأجانب (المجاهدين)

المقاتلون الأجانب قد يشكلون تهديداً للحكومة السورية الجديدة في حال استبعادهم

إدارة ترامب تتوقع شفافية بشأن الأدوار الموكلة إلى المقاتلين الأجانب في سوريا

رفع العقوبات يهدف إلى تشجيع التغييرات، وهو أكثر فاعلية من إبقائها سارية حتى تلبية مطالب محددة...

فنحن أمام مندوبية استعمارية مكتملة الأركان لها مندوبها السامي وأهدافها الاستعمارية المعلنة وخريطة طريقها لإنجاز أهدافها وحكومة دمشق أداة تنفيذ فيها. تَمَّت ترجمة ذلك عبر اللقاءات المكثفة لتوم براك بكل من أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني، ففي تصريح عقب اللقاء الذي جمع توم براك بأحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في أيار/مايو 2025 بإسطنبول، أكد أن الملفات التي تم بحثها متعلقة بالخطوات العملية للاتفاق مع يهود، والإجراءات التي يجب أن تتخذها الحكومة السورية فيما يتعلق بملف المقاتلين الأجانب (المجاهدين أنصار الثورة).

ثم هناك اللقاء الذي جرى في قصر الشعب يوم الأربعاء، 9 تموز/يوليو 2025، وجمع توم براك بأحمد الشرع بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني، حيث جرى بحث أربعة ملفات رئيسية تتعلق بوضع سوريا، والملفات التي تم بحثها متعلقة بـ:

الهيكل السياسي المستقبلي للدولة السورية بحسب نظرة أمريكا وتوظيفها لملف العرقيات الصغيرة (الدروز، الأكراد، العلويين) في تفكيك سوريا وشرذمة مجتمعها.

تسريع تنفيذ بنود الاتفاق بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) العميلة لأمريكا، علما أن الاتفاق كان تصميما أمريكيا، والهدف منه دمج قسد في الدولة والجيش كجزء من مشروع إعادة هيكلة الحكم والجيش بعملاء جدد للاستعمار مع تصفية تامة للثوار والمجاهدين من أجهزة الحكم والجيش.

ملف الترتيبات الاقتصادية عبر تفعيل الصندوق الاستثماري الذي اقترحه توم براك، والذي يعتبر الآلية الأمريكية لفتح الباب أمام الشركات الأمريكية لنهب ثروات الشام تحت خديعة إعادة الإعمار والتنمية.

ترتيب وضع القوات العسكرية في شمال شرق سوريا، والقوات المعنية بالأمر هي القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة الشمالية الشرقية، أي تأمين الحكومة السورية وأجهزتها العسكرية والأمنية لقوات الاستعمار الأمريكي وضمان حركتها وحمايتها.

هكذا انتهت حكومة دمشق كإدارة وفرع في المندوبية السامية للاستعمار يشرف عليها ويديرها المبعوث الخاص الأمريكي توم براك بسلطات وصلاحيات مندوب سامي، وعليها تنفيذ سياساته وإنجاز مشاريعه.

ولقد كان تقرير واشنطن بوست الأخير في 23 آب/أغسطس 2025 والذي يستند إلى تصريحات توم براك، كاشفا بوضوح عن الرؤية الأمريكية لسوريا بعد الأسد وصيغة الدولة الوظيفية المستقبلية، فقد أدلى براك تصريحات كاشفة عن رؤية أمريكا للهيكل السياسي للدولة الوظيفية بسوريا نقلتها الصحيفة، حيث قال: "ليست اتحادية ولكن صيغة دون ذلك تسمح للجميع بالحفاظ على ثقافتهم ولغتهم الخاصة، دون تهديد من الإسلام السياسي". فهدف أمريكا هو تفكيك الشام للتصدي لمشروع الإسلام الحضاري والوحدة الإسلامية الفريدة.

وكل ما يطرح اليوم من مشاريع استعمارية سامة هو لخدمة هدف التفكيك، وتطرح للرأي العام كخيارات سياسية بل وضرورات لإدارة المرحلة الانتقالية تزييفا للوعي وتعمية عن الخيانة، ومن هذه المشاريع الاستعمارية الخبيثة:

اللامركزية المرنة عبر منح سلطات محلية للعرقيات الصغيرة تحت إشراف الحكومة في دمشق

ضمانات دولية للعلويين والدروز والأكراد، تحت ذريعة طمأنتهم بأنهم لن يتعرضوا للإقصاء أو الانتقام

رقابة أمريكية غربية (من الدول الاستعمارية تحديدا) لمتابعة تطبيق أي صيغة سياسية جديدة وضمان التوازن.

ثم ما يحاك في سراديب ودهاليز الشر الأمريكي من سياسات ومؤامرات ضد الشام وإسلامها وأهلها خدمة لكيان يهود الغاصب أدهى وأمر، وهي حقيق الردة والقهقرى نحو العمالة. فقد صرح توم براك "أن الإدارة الأمريكية ترعى محادثات غير مباشرة بين دمشق وتل أبيب تهدف إلى استعادة الهدوء على الحدود، وأن الطريق نحو الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام لن يكون فوريًا"، وأضاف "بأن الإدارة الأمريكية ترغب في أن تنضم سوريا إلى اتفاقيات أبراهام... وقد يستغرق وقتًا لتحقيقه".

وهذا الانخراط التام في اتفاقيات أبراهام مؤامرة أمريكا الكبرى في تذويب كيان يهود في المنطقة عبر تطبيع شامل للعلاقات معه، وقد تسارعت خطوات حكومة دمشق وتلاحقت اتصالاتها به كمقدمة للتطبيع، وكان من مقتضيات سياسة خطوة خطوة نحو التطبيع، اقتطاع جنوب الشام وتحويلها إلى منطقة عازلة لتأمين يهود، وأحداث السويداء كانت الشق الأكبر في المؤامرة الأمريكية، جاء في جواب سؤال عن أحداث السويداء من إصدارات أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة: "كل هذا يؤكد أن أمريكا تريد أن يكون جنوب سوريا منطقة عازلة وآمنة لكيان يهود، وأنها راضية عن اعتداءاته المتكررة حتى يخضع النظام لهذا الوضع من أجل التطبيع.. وأن ما حدث من لقاءات في أذربيجان وباريس هي خطوات متلاحقة في هذا المسار.. وحسب تسريبات إعلامية فإن من أبرز ما يجري التفاوض عليه: إنشاء منطقة أمنية عازلة جنوب سوريا لحساب كيان يهود، كما هو موجود في سيناء بين مصر وكيان يهود حسب اتفاقية السلام التي عقدها النظام المصري عام 1979 والتي ما زالت سارية تمنع أهل مصر من أن يتحركوا لنصرة إخوانهم في غزة الذين يتعرضون للإبادة الجماعية".

لقد كان اجتماع باريس صادما فاضحا، لقاء مباشر يوم الثلاثاء 19 آب/أغسطس 2025 بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ووفد من كيان يهود ممثلا بوزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، وكان اللقاء تحت إشراف وإدارة أمريكية. وهذا الاجتماع الذي رعته إدارة ترامب يُعد أرفع مستوى من التواصل الرسمي بين كيان يهود وسوريا منذ أكثر من 25 عامًا. كتب توم براك على منصة إكس: "التقيت هذا المساء بالسوريين والإسرائيليين في باريس، كان هدفنا الحوار وخفض التصعيد، وقد حققنا ذلك بالفعل. وأكد جميع الأطراف التزامهم بمواصلة هذه الجهود".

هي خطوات في درب التطبيع الشامل مع الكيان الغاصب، وسير في دروب السياسة الأمريكية ومشاريعها الاستعمارية في إعادة الشام لحظيرة الاستعمار مثخنة بالجراح مكبلة بمزيد من الأغلال.

هي الكارثة العظمى يا أهل الشام فأحمد الشرع وبطانته ماضون في تسليم الشام لأمريكا والتطبيع مع الكيان الغاصب لأرضكم المباركة وشامكم، فكيف ترضون أن يكون مصير ثورتكم المباركة هو إقرار اغتصاب يهود لأقصاكم ومسرى ومعراج نبيكم واستعمار أمريكا لشامكم؟! كيف ترضون أن يكون حصاد ثورتكم المباركة هو استعمار شامكم؟!

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر