الشجاعة السياسية
September 23, 2010

الشجاعة السياسية

لقد تعارف الناس على النفور من الجُبْن واعتباره صفة بذيئة لا تلازم إنسانا إلا وأوجدت عنده الذل والخنوع. وقد كان الناس عبر التاريخ -ولا يزالون- يقدِّرون كل شجاع ويضربون به الأمثال. و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجُبْن كما روى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده، «حَدَّثَنَا ‏ ‏هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ ‏ ‏اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالجُبْن وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ». وقد يكون الجُبْن أمام عدو غاشم، أو أمام حاكم ظالم، أو أمام مجتمع فاسد أو أمام انسان متغطرس متكبر. وقد ضرب المسلمون - ولا زالوا- أروع الأمثلة في الشجاعة والإقدام على محاربة الأعداء، فإذا ما داهم الأعداء بلداً من بلاد المسلمين، خرج أهل البلد وغيرهم من المسلمين للدفاع عنه ودحر العدوان، والأمثلة كثيرة على ذلك مثل العراق وفلسطين والشيشان وغيرها. وقد ضرب المسلمون أيضاً أروع الأمثلة في الشجاعة والإقدام في القتال في سبيل الله ونشر رسالته حتى أصبح الجيش الإسلامي عند أعدائه جيشاً لا يُقهر ولا يُتغلب عليه. وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته قبل ذلك أروع الأمثلة في الشجاعة وعدم الجُبْن في حمل الدعوة الإسلامية لأهل مكة وغيرها، وصبروا وتحملوا كل أنواع العذاب، ولم تفتر لهم عزيمة حتى نصرهم الله بإقامة الدولة الإسلامية في المدينة.

وقد جاء الإسلام وحث المسلمين على الشجاعة السياسية؛ وهي الشجاعة في رعاية شؤون الناس ومحاسبة من يقصر في هذه الرعاية. والسياسة لغةً تعني الرعاية، وقد جاء الإسلام وأكد هذا المعنى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَانَتْ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ» (صحيح مسلم). أي كانت ترعاهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (صحيح البخاري). وقد فرض الله عز وجل على الأمة الإسلامية أن تحاسب حاكمها، وتقوِّم اعوجاجه، وتراقب أعماله وتصرفاته، وتطيعه في غير معصية الله عز وجل، قال تعالى «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» (آل عمران: 110). وروى أحمد في مسنده «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي الجهاد أفضل قال كلمة حق عند إمام‏ جائر». وقد فهم الصحابة هذا الحكم وهو الإقدام على محاسبة الحاكم وعدم الجُبْن أمامه، وقد تبعهم في ذلك التابعين وتابعي التابعين، وضربوا أروع الأمثلة في ذلك. فقد حاسب المسلمون عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الأبراد اليمانية وفي تحديد المهور، وحاسب الصحابة رضوان الله عليهم معاوية، وحاسب التابعون حكامهم وولاة أمرهم، والقصص كثيرة ومشهورة عن سعيد بن جبير مع الحجاج، وسعيد بن المسيب مع عبد الملك بن مروان، وتبعهم في ذلك فقهاء المسلمين من أمثال أحمد بن حنبل وأبو حنيفة ومالك وغيرهم الكثير من علماء الأمة، ولم يقبلوا من الحاكم تقصيراً أو ظلماً ولو في حُكْم واحد مع أن الدولة والنظام فيها كانا يسيران حسب أحكام الإسلام.

واستمرت الأمة في شجاعتها السياسية ما بين إقبال أو توقف حسب قوة فهم الأمة للإسلام. وقد دفعت الأمة ثمناً غالياً في هذا الزمان حين جبنت عن محاسبة أواخر الخلفاء العثمانيين، ولم تقم بما فرضه الله عليها بالأخذ على يد كمال أتاتورك الكافر لإبقاء حكم الله مطبقاً. وكانت الفاجعة الكبرى حين أعلن كمال أتاتورك سقوط دولة الخلافة وطرد الخليفة خارج البلاد بصورة مذلة ومحزنة. وبضياع دولة الخلافة والأم الرؤوم، استشرى الجُبْن عند الأمة -إلا من رحم الله- وانعدمت الشجاعة السياسية، ولم تعد الأمة تكترث بمحاسبة حاكم أو قائد، مع أنها حاربت الاستعمار والاحتلال، وأثبتت أنها تمتلك طاقة حيوية وشجاعة فائقة.

وقد ابتليت الأمة في هذا الزمان بعلماء مَلَك الخوف قلوبهم، وأنفوا الشجاعة، وأحبوا الخنوع، فلا تركوا الأمة تُقدِم على محاسبة الحكام، ولا قادوها إلى ذلك. بل إن قام فرد أو حزب بمحاسبة هذا الحاكم وقف هؤلاء «العلماء» في وجههم ورموهم بأقوالهم الممجوجة بوجوب طاعة الحاكم والصبر على أذاه، وعدم رمي النفس في التهلكة، وهم من بعد ذلك يكيلون المدح والثناء والدعاء لهذا الحاكم، وأصبحت الأمة بين فكين: الحكام وأعوانهم من الأجهزة الأمنية، والعلماء وفتاويهم.

وقد عمل الحكام يساندهم في ذلك أسيادهم الغربيون على بثِّ الجُبْن السياسي عند المسلمين، وحرمانهم من تلك الشجاعة السياسية حتى يضمنوا بقاء الأوضاع على حالها وحتى لا يتمكن المسلمون من اقتعاد مكانتهم بين الأمم وحمل الخير إلى الناس كافة. وقد قام هؤلاء الحكام بقتل وتعذيب وسجن ونفي كل من يقوم بمحاسبتهم وبيان الحق لهم. فالبعثيون في العراق أعدموا كثيراً من المسلمين وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز البدري. وقام العابث مجرم ليبيا بقتل 13 مسلماً أمام حشد من الطلبة والمدرسين وما كان ذنبهم إلا بيانهم ومناقشتهم له بأن السنة النبوية -التي ألغاها القذافي- هي مصدر من مصادر التشريع كالقرآن الكريم. وما قام به ضباط الإجرام في مصر الكنانة من إعدام العشرات وعلى رأسهم سيد قطب. وما قامت به كل الأنظمة الاخرى من مجازر وإرهاب تقشعر لها الأبدان ولا يتسع المقام لذكرها. وأرهبوا الناس ونشروا الرعب والخوف من مثل أن السلطة تعلم كل شيء، وأفقروا الناس وسلبوا خيرات البلاد وكأن الناس عبيد لهم والدولة مزرعة لهم ولأولادهم. ولم يكترثوا بفقير أو مسكين أو أرملة أو طفل صغير، فالمهّم هم وأطماعهم وأن تتحقق رغباتهم، وقد كَرَّسوا المثل القائل «أنا ومن بعدي الطوفان». وقد نشروا بين الأمة أمثالاً وأقوالاً غريبة، مثل «اليد لا تلاطم مخرزاً» و «ضع رأسك بين الرؤوس» وما كل ذلك إلا لجعل الأمة تقبل بالأمر الواقع. وقد قاموا بتوظيف «علماء» جُلَّ همّهم هو ترويض وتطويع الأمة وتركيعها لهذا الحاكم. ففي بلاد نجد والحجاز مثلاً، كان استقدام العمال والخدم الكفار لا يجوز، وبين عشية وضحاها أصبح استقدام الجيوش الأجنبية واجباً وجائزاً ! وتجد في أوزبكستان «علماء» يقفون للدفاع عن كريموف حاكم البلاد الذي يحكم بالكفر، ويسجن ويقتل المسلمين علناً وبالآلاف. وتجد في مصر والأردن «علماء» نصبوا أنفسهم لتبرير اتفاقيات الخيانة، وحماية كيان يهود وتجويع المسلمين في غزة. وتجد في بلاد الشام من يقف ويمدح نظام الخزي والعار القاتل لعشرات الآلاف من المسلمين.

ولم يسلم المسلمون في بلاد الغرب من مرض الجُبْن السياسي، ولم يتحلوا بالشجاعة السياسية، مع أن المفروض أنهم يعيشون في ظل أنظمة ديمقراطية تتغنى بالحرية وباتساع الصدر للمحاسبة. فالدول الغربية تريد من المسلمين الاندماج في المجتمعات وأن يصبح المسلمون مواطنين أوروبيين أو أمريكيين ولكن بدين إسلامي كما هو حال المواطن الأمريكي المسيحي أو اليهودي أو غيرهم، أي بمعنى أن يصبح المسلمون يقومون بالعبادات ولكن حكمهم وفكرهم عن الأشياء والأفعال لا يستند إلى الإسلام، ويصبح الإقدام على الفعل من عدمه قائماً على المصلحة أو المنفعة تماماً كما هو حال الرأسماليين. وقامت جمعيات ومنظمات تعمل على أساس الدمج. وبدل أن يكون عملهم هو الحفاظ على المسلمين والدفاع عن حقوقهم جميعها وتبيان كيفية العيش في بلاد الغرب، والمحافظة على الهوية الإسلامية والالتزام بأحكام الإسلام في نفس الوقت، جبنوا وخافوا وبعدوا عن التحلي بالشجاعة والإقدام.

وكانت الطامة الكبرى بعد أحداث 11/9، فأصبح المسلمون مذنبين حتى تثبت براءتهم، وأخذت الدول الغربية تعمل على إثارة الخوف والرعب، وتُظهر المسلمين أنهم خطر ومنهم مجرمون وقتلة، وهذا سهَّل على الأنظمة الحاكمة في الغرب جرَّ المسلمين نحو الانخراط والانصهار في هذه المجتمع. وخرج على الناس من انعدمت الشجاعة عنده بفتاوى مثل العمل مع المخابرات والدخول في الجيش والمشاركة في الانتخابات وغيرها واعتبار ذلك «واجباً شرعياً». وقد جبنت المؤسسات والمنظمات -في أميركا- الداعية إلى «أمركة» المسلمين عن ذكر ما يتعرض له المسلمون في العراق أو الشيشان أو الصومال، ولا يجرؤون على ذكر مذابح حصلت للمسلمين في العراق مثلاً، مثل حادثة القتل في بغداد عام 2007م التي سربها موقع «ويكي ليك» مع أن الأمريكان أنفسهم رفضوا ذلك واستقبحوه. ومن الغريب المبكي أن يصل الجُبْن بمحامٍ مسؤول في «جمعية إسلامية» أن يتولى الدفاع عن أحد ناشري الرسوم الكرتونية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم. ولم تقم المنظمات بالدفاع عن المسلمين المتهمين من قِبل الدولة الأميركية بالإرهاب إلاّ في حالات خاصة. ولم تقم مثل تلك المنظمات بمحاسبة الرئيس الأميركي -الذي انتخبوه- في كثير من القضايا التي تهم المسلمين مثل فلسطين أو وعوده بالانسحاب من العراق أو إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان. أو تغيير التعامل مع المسلمين، وتغيير الرأي العام تجاههم.

إن الجُبْن السياسي مرض عضال إن استشرى في الأمة أدى بها إلى السكوت عن المطالبة بحقوقها وانحدر بها إلى الدرك الأسفل بين الأمم. وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور عن السكوت والمحاسبة، حيث قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ قَوْمًا ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» (مسند أحمد). فأيُّ مصيبة وأي حال أسوأ مما فيه الأمة الآن؟! لقد حان الوقت لأن تكف الأمة عن هذا الجُبْن، وآن الأوان أن تنفض الأمة عنها ثوب الذل والخنوع فتتحلى بالشجاعة والإقدام، فتدافع عن حقوقها، وتبين مطالبها دون خجل أو تُقية.

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن