السلطان الحقيقي لا يوهب ولا يمنح وإنما ينتزع ويؤخذ عنوة
September 11, 2023

السلطان الحقيقي لا يوهب ولا يمنح وإنما ينتزع ويؤخذ عنوة

السلطان الحقيقي لا يوهب ولا يمنح وإنما ينتزع ويؤخذ عنوة

منذ غياب الخلافة الراشدة عن الوجود بعد مقتل الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والسلطان ينتزع ويؤخذ بالقوة. حتى صار الحال كقاعدة في السياسة ومفهوم ثابت وراسخ. فبعد خلافة الراشدين رضوان الله عليهم تشبث الأمويون بالحكم - باستثناء الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رحمه الله - ولم يتركوه إلا بحد السيف، بل بمجزرة سطرها التاريخ بدماء الأمراء من بني أمية، وأما العباسيون فكان الحال أن تنازعوا الحكم فيما بينهم وصار انتزاع السلطة سنة بين خلفائهم منذ اقتتال الأمين والمأمون ولدي هارون الرشيد رحمهم الله جميعا، إلى أن جاء المغول وقتلوا الخليفة المستعصم وانتزعوا الحكم من المسلمين.

واختفت الخلافة لفترة من الزمان حتى عادت من جديد في مصر على يد السلطان الظاهر بيبرس لما أعاد الخلافة ولو بصورة شكلية لأحد أفراد السلالة العباسية الذين كانوا قد فروا من المغول واستقروا بمصر. فعادت الخلافة ولو بشكل رمزي للعباسيين مع أن الحكام الفعليين كانوا المماليك والسلاجقة، ثم العثمانيون إلى أن تنازل الخليفة العباسي الأخير في مصر عن الخلافة للسلطان العثماني سليم الغازي رحمهم الله جميعا. ولقد كان السلطان سليم الغازي فعليا هو المدافع والمنافح عن الإسلام والمسلمين وكان الخليفة العباسي عبارة عن رمز فقط دون أي سلطة حقيقية.

وهذا يري بوضوح أن الخلافة أو السلطان أو الحكم منذ ذهاب الخلافة الراشدة كان ينتزع ويؤخذ بالقوة للأسف، وهذا الأمر كان يتكرر ويحصل كلما كانت الدولة الإسلامية ضعيفة أو غير راشدة. وأما إذا كانت الخلافة راشدة فإن انتقال الحكم من خليفة إلى آخر يكون بطريقة سلمية حضارية راقية تسمى البيعة، حيث يختار المسلمون خليفتهم الذي يشاؤون بالرضا والاختيار شريطة أن يكون ملتزما بشرع الإسلام بوصفه دستوراً طبعا.

وقد يجادل البعض فيقول: حتى في الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية كانت البيعة شرطاً ليصبح الخليفة القادم خليفة شرعيا. وهنا نقول نعم ولكن كانت هناك إساءة في التطبيق في هذا الأمر، حيث يكون الخليفة قد تعين واختير بصفة ولي العهد وكانت البيعة تتم كإجراءات تكميلية بعد موت الخليفة. فالحكم كان في بوتقة العائلة الواحدة وإن كان يتم في نهاية المطاف بصورة بيعة.

ولذلك فقد كان الحكم الأموي والعباسي والعثماني خلافة ولكن هذه الخلافة لم تكن راشدة. وعليه فبغياب الخلافة الراشدة بعد الخلفاء الأربعة الأوائل رضوان الله عليهم أجمعين صار الحكم والسلطان يُنتزع ويؤخذ بالقوة. هكذا كان يتم تبادل السلطة للأسف. وزاد الأمر تعقيدا بعد أن هدمت الخلافة العثمانية عام 1924م. فمنذ أن قسمت الدولة العثمانية على يد المستعمرين إلى قرابة ستين كيانا، انتشرت ظاهرة تسلم الحكم والسلطان عبر انقلابات عسكرية وترسخت فكرة تداول السلطة عبر استخدام القوة والعنف، وما نشهده اليوم في بعض الدول الأفريقية هو خير مثال على ذلك، فتسونامي الانقلابات في أفريقيا متواصل، وكان آخرها في الغابون. وطبعا كل هذه الانقلابات هي انقلابات لصالح المستعمرين الذين تنازعوا السلطان في هذه الكيانات بعد غياب الخلافة الأخيرة "الخلافة العثمانية" عام 1924م.

إن واقعنا اليوم هو أن أمتنا الإسلامية مسلوبة السلطان والقرار السياسي، فالسلطان والقرار السياسي بيد الدولة المستعمرة لهذا الكيان أو ذاك. ورغم أنه تجرى انتخابات في بعض الكيانات كتركيا مثلا أو تونس أو المغرب ويجري تسليم سلميّ للسلطة، إلا أن هذا التسليم هو تسليم من سلطان يحكم بالكفر إلى سلطان آخر يحكم بالكفر أيضا، وكلا السلطانين السابق واللاحق يسيران في الحكم وفق إرادة مستعمري هذه الكيانات، ولو أجريت انتخابات وكانت هذه الانتخابات نزيهة فهي لذر الرماد في العيون ولغرض زركشة الأنظمة المستبدة العميلة التي أنشأها المستعمرون بعد هدم الخلافة العثمانية. هذه هي الحقيقة المرة، فالسلطان والقرار السياسي والدستور هي بيد المستعمرين ولكن بنسب تتفاوت من كيان لآخر.

والأمة اليوم مقسمة ومشرذمة في هذه الكيانات وبين حدودها. ورغم ذلك فهي تسعى وترنو لاسترداد سلطانها واستعادة قرارها السياسي والسيطرة على شرايين الحياة ومصادر القوة والثروة في هذه الكيانات. إلا أن المستعمرين قد أحكموا الخناق وضيقوا سبل استرداد الأمة لسلطانها منهم، فهم يحبطون كل محاولة تحرك تقوم بها الشعوب الإسلامية لاسترداد ولو شيء بسيط من سلطانها ولو بصورة ارتجالية وغير منظمة كما حصل في ثورات الربيع العربي، فسرعان ما التف المستعمرون على حراك الشعوب المسلمة وأحبطوا تحركهم ووأدوا ثوراتهم وأعادوا إنتاج الأنظمة التي كانت موجودة في تلك الكيانات بأشكال ومسميات أخرى ولكن بالمضمون الاستعماري نفسه، وخير مثال على ذلك مصر وتونس.

إن إدراك أن هذه الكيانات وتلك الأنظمة خيوطها الدستورية والأمنية والدفاعية والاقتصادية والسياسية بيد المستعمرين، والمستعمرون لا يسمحون بتسليم السلطة بصورة سلمية من يدهم إلى يد غيرهم، بمعنى أن دول الاستعمار لا ولن تمنح أو تهب الحكم والسلطان لمن لا يريد أن يبقى تحت قبضتها وتحت قرارها وإرادتها السياسية، فهذه الدول لا يمكن أن تهب أحداً الحكم والسلطان لمن يريد أن يحكّم الدستور الإسلامي بدل دساتيرها الاستعمارية، ولن تهب هذه الدول الاستعمارية السلطان في هذه الكيانات لمن يريد أن يكون مستقلا عنها في قراره السياسي وأمنه واقتصاده وثرواته.

وهذا كله يعني أن إعادة الخلافة إلى الوجود من جديد لا يمكن أن تتم عن طريق صندوق الانتخابات الآن، فهذا ضرب من الخيال، بل إن الخلافة التي هي بمعنى السلطان لا يمكن أن تعود بطريقة سلمية ودية، بل لا بد لهذا السلطان أن يؤخذ بالقوة ولا بد أن تنتزع الأمة سلطانها من يد أعدائها انتزاعا، وغير ذلك يكون ارتماء جديدا في أحضان المستعمرين ومضيعة جديدة للثروات والطاقات، وحركة وحراكاً جديداً مصيره الوأد والاحتواء على يد المستعمرين من جديد.

ولذا فإن الطريقة الوحيدة اليوم لاستئناف الخلافة والسلطان الحقيقي للأمة هو بانتزاع هذا السلطان وأخذه بالقوة من يد المستعمرين، هذه هي الحقيقة التي يجب أن يدركها كل العاملين في حقل التغيير من حملة الدعوة في عصرنا الراهن.

ولفعل هذا الأمر هناك طريقان لا ثالث لهما:

الطريق الأول: أن تقوم الأمة بعلمائها وأحزابها ومفكريها بإقناع المخلصين في الجيوش أن ينقلبوا على المستعمرين والحكام وأن يسلموا السلطان للأمة من جديد، أي أن يقوم هؤلاء بالانقلاب لصالح الإسلام والمسلمين ويسلموا السلطة لمن يرون أنه جدير بتطبيق الشرع وقيادة الدولة على خطا الرسول ﷺ والخلفاء من بعده. وهذا الطريق بحاجة لجهود جبارة لإقناع بعض الضباط والقادة في الجيش للتمرد على المستعمرين والانقلاب عليهم وعلى حكامهم الذين وضعوهم في هذه الكيانات.

وهذا الطريق حسناته كثيرة: فهو الطريق الأسلم والأكثر حقنا للدماء والثروات والطاقات والبلاد. كما أنه الطريق الأكثر منعة وثباتا للحكم الجديد القادم؛ فهو قائم على جيش البلاد نفسه وأبنائه وأهل القوة فيه، وبالتالي فإن الخلافة التي ستأتي ستكون منيعة ومدعومة وثابتة من الجيش ككتلة واحدة دون حاجة لخطر تفتت الجيش ودخوله في صراعات كبيرة قد تضعفه وتنهك قواه، الأمر الذي سيؤثر على الخلافة القادمة قوة وضعفا. إلا أن هذا الطريق قد يكون طريقاً شاقاً ومضنياً، فقد يحتاج إقناع بعض أبناء الجيش المتنفذين عقودا أو قرونا من الزمان بسبب أن المستعمرين يخشون من استئناف الخلافة، ولذا فإنهم شديدو المراقبة للجيوش وكثيرو التغيير والتبديل في قاداتها وضباطها، ما يجعل استمالة بعضهم وبقائه في القيادة والمناصب المهمة في الجيش أمراً صعباً.

وأما الطريق الثاني: فهو أن تقوم الأمة بعلمائها وأحزابها ومفكريها بإقناع قبيلة متنفذة فيها أو مليشيا متنفذة مسلحة فيه - طبعا إن وجدت - بالقيام باسترداد السلطان من يد المستعمرين والحكام الذين وضعوهم والجيش الموجود. وهذا ممكن في الدول المبنية بشكل قبلي، حيث إنه قد تكون هناك قبيلة كبيرة ولها وزنها وقدرتها المادية والعسكرية بحيث يمكنها التغلب على الجيش النظامي وأخذ السلطة منه ثم مبايعة خليفة وتسليمه السلطة بشرط الحكم بكتاب الله وسنة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، كقبيلة آل الأحمر في اليمن، أو قبائل البشتون في باكستان مثلا... وكل ذلك من باب القدرة إذا توفرت طبعا، «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».

وهذا الطريق قد يكون أسرع في إنجاز المهمة فقد لا يحتاج لعقود من الزمن، فالأمر يبدأ في القبيلة نفسها وينتهي بها، فإقناع قادة القبيلة المتنفذة أمر أيسر وأسهل من إقناع قادات في الجيش ذوي مشارب وأنساب مختلفة، كما أن المستعمرين ليس لهم الدالة نفسها على القبيلة مقارنة بدالّتهم على الجيوش ومراقبتهم الحثيثة لها. وأما مساوئ هذا الطريق فهي أن استخدام القبيلة لانتزاع السلطان من المستعمرين قد يوقع البلاد في حرب بين القبيلة المتنفذة وبين جيش البلاد وتقع البلاد والعباد في صراع دموي مرير وطويل الأمد يوشك أن يدمر البلاد والعباد والثروات ويبقي البلاد بعد أن يضعف جيشها مدة أطول تحت سيطرة المستعمرين. ولذا فهذا الطريق قد يكون أسرع إنجازا للهدف من الطريق الأول المذكور أعلاه ولكنه طريق أكثر خطرا من الطريق الأول وأكثر سفكا للدماء إذا لم يتم العمل والترتيب بصورة حذرة جدا وبدراسة فائقة.

وهذان الطريقان اليوم متاحان للأمة أن تطرقهما لانتزاع سلطانها من يد المستعمرين ومن يد الحكام الذين وضعهم المستعمرون في البلاد العربية والإسلامية، وهذا ما يسمى في السيرة النبوية بطلب النصرة من أهل القوة والمنعة للحصول على السلطة والوصول للحكم وتطبيق شرع الله وإقامة الخلافة الإسلامية. وهذه طريقة رسول الله ﷺ في الوصول للحكم والسيطرة على شرايين الحياة ومصادر القوة والثروة في المدينة المنورة. فقد طرق ﷺ باب أهل القوة والمنعة لإحداث التغيير المنشود. وسمي النفر من أهل القوة الذين ساق الله على يدهم النصر لنبيه في المدينة بالأنصار، اللهم أرض عنهم واجزهم عنا وعن الإسلام خير الجزاء فقد حموا ومنعوا الرسول عليه الصلاة والسلام والمهاجرين بكل ما يملكون وساق الله النصر على يديهم.

وخلاصة الأمر أنه يجب إدراك حقيقة مهمة وهي أن السلطان ينتزع انتزاعا من يد المستعمرين، وأن أي الطريقين سلكت الأمة لانتزاع سلطانها فهي محقة وجادة في عزمها، وهي طرق مشروعة وكلاها بحاجة لحذر وتدبير وترتيب، وسلطان الأمة يجب أن يعود لأمتنا بأي ثمن، ولا يجوز أن يبقى سلطان الأمة بيد الكافرين والمستعمرين. وأما خرافة تداول السلطة بالطرق السلمية والانتخابات أو إصلاح النظام من داخله ومشاركته حكم الكفر، فهذه خدعة جديدة قديمة من خدع المستعمرين وهي سذاجة من قبل العاملين للتغيير وتمنٍّ على المستعمرين، فالحكم والسلطان لا يوهبان ولا يمنحان وإنما يؤخذان عنوة. ولا يمكن حدوث هذا الأمر دون كسب تأييد ودعم أهل المنعة والقوة في المجتمع.

نسأل الله أن ييسر للأمة الإسلامية قريبا أنصاراً جدداً من أبنائها على شاكلة الأنصار من الصحابة الكرام ييسروا طريق رشد وخلافة راشدة ودار عز وتمكين بفضله وكرمه ومنته وتوفيقه.

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فرج ممدوح

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر