السلطان للأمة فلتعمل على استعادته
السلطان للأمة فلتعمل على استعادته

قطعت الأمة الإسلامية شوطا كبيرا في طريق التغيير واستعادة سلطانها، ويظهر ذلك في استعداد المسلمين أينما كانوا على أن يثوروا ثورات عارمة غاضبة على سياسات حكامهم عملاء الغرب الكافر وعلى قرارات أعداء الإسلام بقيادة أمريكا، فالأمة كالبركان الذي سينفجر في أية لحظة ليحرق الحكام وأسياد الحكام!

0:00 0:00
السرعة:
December 16, 2017

السلطان للأمة فلتعمل على استعادته

السلطان للأمة فلتعمل على استعادته

قطعت الأمة الإسلامية شوطا كبيرا في طريق التغيير واستعادة سلطانها، ويظهر ذلك في استعداد المسلمين أينما كانوا على أن يثوروا ثورات عارمة غاضبة على سياسات حكامهم عملاء الغرب الكافر وعلى قرارات أعداء الإسلام بقيادة أمريكا، فالأمة كالبركان الذي سينفجر في أية لحظة ليحرق الحكام وأسياد الحكام! فاليوم، جميع الحكام الطواغيت في بلاد المسلمين، وبدون استثناء، مهددون بالسقوط، فالمسلمون يلعنون الحكام علنا أحياء كانوا أم أمواتاً، ويفرحون عند مقتل أحدهم شر قتلة ويدعون بهلاك الطواغيت واحدا تلو الآخر، وما عليك إلا أن تتابع الأخبار والبرامج التفاعلية على الفضائيات ومواقع الإنترنت لتقرأ تعليقات أبناء الأمة التي تطالب بإسقاط الأنظمة الجبرية التي استولت على الحكم وفرضوا أنفسهم على الناس لعشرات السنين وجعلوا من بلاد المسلمين سجوناً ومعتقلات كبيرة لساكنيها!

أما الحكام فهم يلعنون شعوبهم أيضا! ومن شدة خوفهم من الناس فقد أسرعوا في خطاهم واجتهدوا أكثر في مهاجمة الإسلام وتمييع وتضييع قضايا الأمة المصيرية من فلسطين إلى سوريا والعراق ومصر والسودان - أينما تنظر - تجد أن الحكام سلموا البلاد والعباد إلى الغرب الكافر المستعمر وفرضوا القوانين الغربية العلمانية في دساتير هذه الدويلات وحاربوا الإسلام بحجة (الإرهاب) و(التطرف)! إن رعب الحكام فعلياً يظهر في زيادة الضغط على الناس بتضييق المعيشة عليهم وسلب ثرواتهم وجعلها في يد الكفار من مثل الرئيس الأمريكي ترامب الحاقد على الإسلام، أو نهبها وتبذيرها على ملذات الحياة وترفها في شكل يخت أو لوحة بملايين الدولارات كما فعل الأمير أمريكي الهوى محمد بن سلمان وتُرك الناس بدون رعاية طبية أو تعليم أو بيوت أو أكل أو شرب، وإن احتجوا عُذبوا وضُربوا واعتقلوا... إرهابا وقمعا بواسطة الشرطة والأمن والجيش الذي دائما ما سعى رويبضات الحكم سعيا حثيثا لشراء ولاءاتهم بالأموال فلا يستخدم أهل القوة قوتهم لحماية المستضعفين ولإسقاط هذه الأنظمة الجبرية الظالمة!

إن هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم في بلاد المسلمين علاقة غير صحية يجب أن تتغير! والحمد لله أن سقطات الحكام قد زادت من درجة الوعي عند أبناء المسلمين، كما زادتهم قوة في الإيمان باللجوء إلى الله تعالى والعودة إلى الإسلام الذي يحمل لهم جميع الحلول، وفي الوقت نفسه زادت في ضعف الحكام الذين يلعبون الآن في الزمن الضائع ويجلسون على سطح صفيح ساخن ينتظرون الدفعة الأخيرة التي ستلقي بهم من على عروشهم ليتذكرهم التاريخ على أنهم قتلة وجلادون يوجهون أسلحتهم إلى صدور شعوبهم ليسيطر عليهم أعداؤهم، فلقد يئس الحكام بعد قرابة قرن من قتل الأمة تماما وفشلوا مهما حاولوا في أن يترك المسلمون دينهم، وما بقي لهؤلاء الطواغيت الآن إلا الإسراع في تسجيل المزيد من المواقف الخيانية ضد الإسلام وضد الأمة الإسلامية - فإسراع الخطا ملاحظ لمن تتبع الأخبار - إن كان محمد بن سلمان آل سعود ابن أمريكا أو أردوغان حليف أمريكا الذي أعلن ولاءه لمصطفى كمال هادم الخلافة العثمانية، أو كان السيسي سفاح مصر، أو عباس سلطة أوسلو والتنسيق الأمني المقدس مع يهود في فلسطين، أو عبد بريطانيا ملك الأردن وبشار طاغية العصر في سوريا - خادم أمريكا - أضف إلى ذلك سقطات علماء البلاط المتكررة - إن كانوا شيوخ آل سعود في بلاد الحرمين الشريفين أو الأزهر في مصر - فهذا الإسراع نحو الهاوية الذي نراه في الأحداث المتلاحقة والمواقف المتخبطة تجاه قضايا المسلمين المهمة والمصيرية - وآخرها قرار إعلان القدس عاصمة ليهود بمباركة حكام العرب والعجم في بلاد المسلمين مع تجاهل غضب الله وغضب رسوله ﷺ وغضب المسلمين حول العالم لهذا القرار الجبان والأحمق - يثبت أن هؤلاء الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله تعالى في حالة احتضار بكل معنى الكلمة وأن زمن الحكم الجبري في نهاياته ويليه عهد الحكم بالإسلام في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة للمرة الثانية.

قال حذيفة: قال رسول الله ﷺ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللهُ إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللهُ إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللهُ إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ».

فهذه القرارات التي تتحدى الأمة وتتحدى عقيدتها الإسلامية نتيجتها استفزاز عقول ومشاعر الأمة الإسلامية لتتحرك بل ولتقفز إلى الأمام لتحقق أهدافها والنهضة من جديد، نهضة فكرية صحيحة، وهذا لن يكون إلا بالعمل للتغيير تغييرا سياسيا أساسه العقيدة الإسلامية ولتطبيق نظام الإسلام؛ فحياة المسلم تقوم على السياسة الشرعية وهي رعاية شؤونه اليومية بأحكام الله الشرعية حتى تستقيم الأمور بالعدل والطمأنينة والإيمان لجميع البشر. لكن على المسلمين أن يعوا بكل وضوح أن من يعمل لإسقاط الأنظمة الفاجرة إنما يعمل لإسقاط الحكم العلماني الرأسمالي الذي فرضه الغرب الكافر المستعمر على المسلمين بواسطة الطواغيت السفهاء، وأنه يعمل لإقامة نظام الإسلام خالصا لله، إلا أن التخلص من قيود الكفر ومن سلاسله لن يحصل إلا بمنشار الوعي الفكري القائم على أساس العقيدة الإسلامية والسير على منهج رسول الله ﷺ للوصول إلى إقامة الحكم بما أنزل الله تعالى بطلب النصرة من أهل القوة والمنعة، وهكذا تستعيد الأمة الإسلامية سلطانها المنهوب وتعمل على اختيار من يحكمها بالإسلام في دولة إسلامية مقوماتها مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فقط. ففي الإسلام السيادة في نظام الحكم للشرع وهذه القاعدة الأولى من قواعد نظام الحكم في الإسلام. أما بالنسبة للتنفيذ فواجب على جميع المسلمين أن يعملوا للعيش في ظل دولة إسلامية واحدة يحكمها حاكم واحد يطبق الشرع على المسلمين، وهكذا للأمة سلطان التنفيذ وليس التشريع، وكيفية التنفيذ تكون بأن يختار المسلمون من يرتضونه من بينهم ليحكمهم بشرع الله. بالتالي كانت قاعدة "السلطان للأمة" ثاني قاعدة من قواعد نظام الحكم في الإسلام. أما القاعدة الثالثة؛ خليفة المسلمين واحد، وعلى المسلمين أن يقيموا الخليفة، ويبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإنما يأخذ الخليفة السلطان بهذه البيعة وتُقام بها دولة الخلافة. هذه القاعدة من الخطورة والأهمية بمكان؛ بحيث يصل حكم التعدي عليها إلى درجة القتل! وها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤكد على ذلك بقوله "إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم" وقوله "من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا" وقوله للستة "من تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه". هذا هو سلطان الأمة الذي يجب أن تستعيده وإلا ضاعت جهودها ولم تخرج من أزمتها! فلقد آن الآوان أن تسقط الأنظمة الجبرية وأن تنصر جيوش المسلمين قضية الأمة المصيرية بأن تقوم بواجبها الشرعي تجاه العاملين للتغيير في إسقاط الأنظمة وتنصيب خليفة للمسلمين، وعلى الرويبضات أن يعترفوا بأن حربهم على الإسلام وعلى الأمة الإسلامية حرب خاسرة لأن السلطان سيصبح بيد الأمة ويجب عليهم أن يتنحوا جانبا ليفسحوا الطريق أمام خليفة المسلمين القادم قريبا بإذن الله تعالى.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة محمد حمدي – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر