السقوط من الداخل
January 26, 2021

السقوط من الداخل

السقوط من الداخل

في 6 كانون الثاني/يناير 2021، اقتحمت مجموعة كبيرة من الأمريكيين، يُفترض أنها مجموعة مؤيدة لتفوق العرق الأبيض، مبنى الكابيتول هيل في واشنطن العاصمة للتعبير عن غضبهم من موافقة الكونغرس على فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2020.

أصر ترامب وأنصاره على أن الانتخابات الأمريكية حصل فيها تزوير نظمه الحزب الديمقراطي اليساري (على حد تعبير ترامب) ومنظمات الدولة العميقة النخبوية. واعتبر السياسيون والمعلقون والقادة في أمريكا بالإجماع تقريباً أن حدث 6 كانون الثاني/يناير هو هجوم عميق ومنظم على الديمقراطية. وكان ترامب لديه أقل من أسبوعين كرئيس في البيت الأبيض. ومع ذلك، باتت الدعوات لعزل ترامب من منصبه هدفاً ساحقاً وخطوة ضرورية لإقناع أمريكا والعالم بأن الديمقراطية آمنة وبصحة جيدة، وقد قام مجلس النواب بإجراء عزل ترامب وينتظر أن ينظر مجلس الشيوخ في قرار العزل لتثبيته أو رده. أما بايدن فقد تسلم زمام السلطة وتم تنصيبه رسميا يوم الأربعاء الموافق 2021/1/20، وفي خطاب تسلمه منصب الرئيس في أمريكا عبر بايدن عن حالة الاتحاد الأمريكي بقوله "اليوم أنصب رئيسا لدولة يمزقها الألم والانقسام والتوتر"، وقال "إن ما جرى يوم 2021/1/6 هو هجوم ساحق على الديمقراطية"، و"أننا مصممون على الحفاظ على ديمقراطية بنيناها منذ أكثر من 200 عام".

فهل الديمقراطية حقا آمنة وبصحة جيدة؟ أم أنها تتلاشى كنسيج شكل المجتمع في أمريكا خلال القرنين الماضيين؟

للإجابة على هذا السؤال، نحتاج إلى فهم جوهر الديمقراطية وصعودها كجزء لا يتجزأ من مبدأ ظهر بعد هزيمة الكنيسة في عملية ثورية وتطورية طويلة في أوروبا في العصور الوسطى. فقد أدت الثورة الفرنسية وتحول أوروبا من احتكار نصراني إلى انقسام بين الكنيسة والدولة إلى نشوء أربعة جوانب أساسية من الحرية، والتي تتجلى في حرية التعبير وحرية الملكية وحرية الحياة الشخصية وحرية العبادة. سمحت حرية الحياة الشخصية والعبادة للكنيسة بقبول الهزيمة بهدوء، والرضا عن الأفراد الذين يزورون الكنيسة، ودفع مستحقات العضوية من أجل الحفاظ على عمليات رجال الدين المتعلقة بالحفاظ على الكنيسة.

أما حرية التعبير فقد ولدت مفاهيم الديمقراطية الحديثة، حيث يتمتع الناس بحرية انتخاب ممثليهم، والذين يجب أن يكونوا أيضاً أحراراً في التشريع والحكم والحفاظ على الدولة. في جوهرها، أدت حرية التعبير إلى نشوء الديمقراطية كنظام حكم وقواعد حكم المجتمعات. وبالمثل، ولدت حرية الملكية مفاهيم الرأسمالية التي شكلت في نهاية المطاف نظام الاقتصاد والمال للمجتمع.

لكن المفارقة هي أن الديمقراطية والرأسمالية تحولتا إلى أفكار متعارضة ومتناقضة، وتحملان بطبيعتهما بذور الصدام بينهما. كانت الرأسمالية التي تغذيها الملكية الفردية للممتلكات، وتحكمها نظرية الندرة النسبية، لا بد أن تنتج ويتولد عنها أصحاب الثراء الفاحش، والذين تمكنوا من انتزاع الموارد بشكل أسرع، في وقت أبكر من الآخرين، وبكميات أكبر؛ ما أدى إلى ظهور أكبر فجوة شهدها التاريخ بين 1٪ من الناس يمتلكون أكثر من 70٪ من إجمالي الثروة في البلاد مقابل طبقة من الفقراء والجياع يعملون ليل نهار في خدمة شركات ومؤسسات الأثرياء من أجل لقمة عيش! وتمكن أقل من 1٪ من كبار الأثرياء وأصحاب الشركات الكبرى من امتلاك أدوات ووسائل التأثير والسيطرة مثل الإعلام والنوادي الخاصة والصناعات الرئيسية وما شابه. فأصبحت هذه المجموعة الصغيرة جداً تملك وتستحوذ على معظم الأدوات والوسائل والتي تمكنهم من التأثير على حرية التعبير وتوجيهها وأحياناً إخضاعها لـ99٪ من الناس. وبالتالي، أصبحت حرية التعبير كمفهوم عدواً أساسياً وحميماً لحرية الملكية وما نتج عنها من طبقة تتحكم في مفاصل الحياة في أمريكا وغيرها من الدول التي تطبق مبدأ فصل الدين عن الحياة وتتبنى ما ينتج عنه من أنظمة، والتي حرمت الجماهير العظيمة من حقوقها الأساسية في العيش والازدهار والحرية كما هو مفترض من المبدأ الرأسمالي الديمقراطي. في الوقت نفسه، أصبحت حرية الملكية والطبقة فائقة الثراء المتولدة عنها عدواً أساسياً وحميماً لحرية التعبير. في الجوهر، تحولت الأفكار الرئيسية لمجتمعات الديمقراطية/ الرأسمالية الجديدة إلى قوى متعارضة تقيم في صندوق واحد، يسمى المجتمع. ويشبه هذا الوضع الظاهرة الطبيعية والتي تشاهد داخل نواة الذرة في العناصر الطبيعية. حيث تعتبر البروتونات قوى متعارضة في شحناتها، ولكنها مجبرة على الوجود داخل حدود الذرة، والتعايش معاً من خلال قوة خارجية ضخمة غير عادية، والتي كانت وما زالت تنذر بانفجار هائل قد يحدث في أي وقت. هذه نظرة مبسطة للذرة والانفجارات الذرية والنووية المدمرة التي تحصل حين تفلت هذه الأجسام الصغيرة والتي تسمى البروتونات.

على غرار التركيب الذري، كان لا بد من وجود الديمقراطية والرأسمالية في الصندوق نفسه بالرغم من التناقض الطبيعي بينهما. فكان لا بد من وجود قوة غير عادية من أجل الحفاظ على وحدة المجتمع والاتحاد الأمريكي تحديدا بالرغم من التناقض الواضح والصريح لمكونات المجتمع الأساسية. ومضت هذه القوى والتي أصبحت تسمى فيما بعد الدولة العميقة أو القوى ذات التأثير أو ممثلي الشركات العملاقة أو فئة الواسب (البيض الأنجلوسكسون البروتستنت) تعمل بإحكام ومهارة للمحافظة على المجتمع ووحدة الاتحاد، والتأكد من عدم حدوث انفجار شبيه بالانفجار النووي. فعلى غرار القوى الخفية الوهمية التي تحافظ على وحدة واستقرار الذرة، كانت القوى التي تحافظ على سلامة واستقرار مجتمع (الرأسمالية-الديمقراطية) قوية ومخفية ومتسقة.

من الناحية الفنية، فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن القوة النووية الوهمية قابلة للكسر، وأن الانفجارات النووية حقيقة واقعة. وبالمثل، يمكن إخفاق القوى التي تمكنت دائما من الحفاظ على تناقض المد والجزر داخل المجتمع في أمريكا. نعم إنه من الممكن إجبار التناقض بين الأفكار المتعارضة على الوجود معا، لكنها أيضاً عرضة للانفصال والانقسام بل الانفجار، وذلك حين تفقد الغراء الذي يبقيها ملتصقة معاً. ولا بد أن نلاحظ أنه من الضروري الحفاظ على القوة الخارجية وباستمرار للحفاظ على الاستقرار داخل مجتمع يتشكل من أفكار متعارضة لأنه بدون ذلك فإن الانقسام والألم والتوتر هو النتيجة الطبيعية والتي عبر عنها بايدن في خطاب الرئاسة الأول.

لقد تمكنت أمريكا من الحفاظ على القوى الخارجية طوال الوقت للحفاظ على استقرار اتحاد تم بناؤه بأفكار متناقضة ومتعارضة ممثلة على السطح بالديمقراطية والرأسمالية، ومتجذرة في فكرة حرية التعبير وحرية الملكية. لقد اعتمدت عملية المحافظة على وحدة الاتحاد الفيدرالي الأمريكي على قبضة قوية متمثلة بأصحاب النفوذ وما تم التعارف عليه بأنسجة الدولة العميقة من خلال قوة أصحاب النفوذ وامتلاكهم الأدوات المناسبة، والتي استخدمت بشكل فعال الظروف الخارجية للنظام العالمي والسياسة العالمية. لقد تجذرت في ثقافة القوى المؤثرة الأمريكية أن محاربة عدو خارجي هي الطريقة الأكثر فاعلية للحفاظ على اتحاد مستقر لأمريكا. ولطالما تحدث المؤرخون في أمريكا عن استخدام أمريكا للحروب الخارجية سواء الساخنة منها كالحرب العالمية الثانية، وحروب كوريا وفيتنام والخليح، أو الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي سابقا.

واليوم، تبحث أمريكا بلا هوادة عن عدو يمكنها الاشتباك معه لمدة عقدين إلى ثلاثة عقود أو أكثر. والخيارات محدودة ولكنها ليست مفقودة تماماً وتتمثل بالإرهاب أو الصين أو روسيا أو خيارات جديدة لم نشهدها من قبل. فنحن اليوم نشهد ولأول مرة منذ 150 عاما ألسنة لهب أولية بسبب تنذر بتكسير الصندوق الذي كان يحوي في يوم من الأيام جميع القوى المتعارضة، ولا يمكن أن يكون هذا الانفجار أقل من انفجار نووي بمجرد أن تبدأ البروتونات في الانفصال عن نواة الذرة. فالانقسامات يمكن أن تكون مدمرة، بل يمكن أن تكون مدمرة بشكل كارثي كما عبر عن ذلك رئيس أمريكا الجديد بايدن. ويتطلب احتواء الانفجار المحتمل قوة أكبر بكثير من ذي قبل.

فهل تستطيع أمريكا أن تثبت مرة أخرى قدرتها على احتواء ثورة في طور التكوين؟ علينا أن نراقب بعناية وأن نكون في حالة تأهب.

﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. محمد جيلاني

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر