الصراع الإنجلو-أمريكي على اليمن مستمر  ولن ينهيَهُ إلا الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة
October 21, 2020

الصراع الإنجلو-أمريكي على اليمن مستمر ولن ينهيَهُ إلا الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة

الصراع الإنجلو-أمريكي على اليمن مستمر

ولن ينهيَهُ إلا الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة

تصاعدت حدة الأعمال العسكرية في اليمن بين طرفي الصراع بشكل غير مسبوق مع مطلع النصف الثاني من العام 2020م، فلماذا هذا التصعيد وما وراءه؟

للإجابة على هذا التساؤل لا بد أن نستعرض الآتي:

1-   حشد الحوثي كل القوات الموالية له من جميع الجبهات واتجه بها صوب محافظة مأرب النفطية ليقاتل قتال المستميت، فقد بلغت حصيلة القتلى والجرحى من الحوثيين منذ مطلع آب/أغسطس وحتى 10 تشرين الأول/أكتوبر 2020م حسب تقرير لوزارة الدفاع التابعة لهادي 1900 فرد وذلك للسيطرة على مأرب.

ومن جانب آخر كشف مصدر عسكري فيما يسمى بالجيش الوطني عن تحولات وصفها بالخطيرة في سير المعركة مع قوات الحوثي بمحافظة مأرب، وأضاف المصدر أن قوات الحوثي تتقدم بشكل سريع باتجاه مدينة مأرب وحقول صافر في ظل مساندة محدودة من طيران التحالف، وقال محذراً بأن سقوط مأرب بيد الحوثيين سيكلف التحالف الكثير وسيتم الكشف عن كل الأوراق على مستوى وسائل الإعلام المحلية والخارجية. (التغيير نت 2020/9/8م).

2-   أما السعودية فقد اتخذت قرارات عدة؛ منها ما هو في قيادة التحالف، ومنها تعيينات في محافظة عدن عن طريق هادي، وقد تزامنت هذه القرارات مع محاولة الحوثيين السيطرة على محافظة مأرب.

فتغيرات قيادة التحالف كانت كالتالي:

-     صدر قرار بإحالة الأمير فهد بن تركي قائد القوات المشتركة للتحالف للتقاعد والتحقيق بشبهة الفساد المالي، والحقيقة هي أنه من الجناح التابع للإنجليز في العائلة المالكة، وكذلك ابنه الأمير عبد العزيز أقيل هو الآخر عن منصبه وأحيل للتحقيق مع والده. وعلق محمد علي الحوثي على هذه القرارات في تغريدة على حسابه في موقع "تويتر": "جید عزل تركي.. إن كان ذلك القرار من أجل إیقاف الحرب" 2020/8/31م.

-     تعيين مطلق الأزيمع قائداً لقوات التحالف المشترك، وبهذا عاد التحالف العسكري بين السعودية والإمارات، بعد نحو عام من الجمود إثر إعلان سحب أبو ظبي قواتها من العاصمة المؤقتة عدن، حيث عقد مطلق الأزيمع، اجتماعاً مع قائد القوات البرية الإماراتية صالح العامري كُرس لمناقشة "سير العمليات العسكرية بدعم الجيش الوطني اليمني"، وفقا لوكالة "واس" الرسمية، وكما يبدو فإن الهدف من هذا التغيير هو احتواء الأعمال التي تقوم بها الإمارات.

-     إحياء تنفيذ اتفاق الرياض الموقع بين عملاء الإنجليز؛ الانتقالي وهادي، وبناء على هذا الاتفاق تم تعيين محافظ لعدن ومدير أمن، وقد حصل التلكؤ في استلام أحمد الحامدي لمهامه مديرا لأمن عدن وهو محسوب على هادي حيث رفض الانتقالي تغيير المدير السابق شلال شائع، وقال السفير السعودي لليمن آل جابر في منشور بصفحته على مواقع التواصل "إنه ناقش مع محمد الحامدي المعين بقرار جمهوري أصدره هادي بموجب اتفاق الرياض مديرا لأمن عدن لفرض الأمن والاستقرار في عدن". والحقيقة أن إحياء اتفاق الرياض وراءه السعودية لتحقيق هدفين؛ الأول هو إعادة الانتقالي تحت جناح هادي الذي هو بحكم الأسير في مملكة آل سعود وبالتالي ضرب عملاء الإنجليز، وفي المقابل تقوية المجلس الأعلى للحراك الثوري بقيادة حسن باعوم عميل أمريكا وجعله هو الممثل الوحيد لأهل الجنوب بعدما سحب المجلس الانتقالي الموالي للإنجليز البساط من تحت قدميه، والهدف الآخر هو إشغال عملاء الإنجليز فيما بينهم وصرفهم عن المعارك في مأرب.

3-   إن هذه الأعمال المتصاعدة التي يقوم بها عملاء أمريكا في اليمن ليست من أجل أهل اليمن كما يزعمون، بل جاءت هذه التصعيدات قُبَيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فترامب يريد أن ينهي فترة رئاسته الأولى بإنجاز وذلك بتوسيع نفوذ أمريكا في اليمن وبالذات في المناطق الحيوية ومنها محافظة مأرب بعدما نجح في وقف تقدم عملاء الإنجليز في محافظة الحديدة الساحلية شريان الحياة للحوثيين عن طريق اتفاق السويد.

أما الطرف الآخر بريطانيا فقد حركت سفيرها لليمن مايكل آرون ليعيد ترتيب أوراقها في مواجهة عملاء أمريكا لوقف اجتياحهم لمأرب، ولكن بدأت كعادتها في سياستها بالمسايرة والمكر، ويمكن أن نحصر أعمالها بنقاط عدة:

1-   تحريك البريطاني مارتن غريفيث مندوب الأمم المتحدة لليمن والسعي من أجل إيقاف الحرب، وقد ناقش المجتمعون في الاجتماع الوزاري حول اليمن والذي عقد افتراضيا على هامش أعمال الدورة 75 للجمعية العامة للأمم المتحدة، ناقش الإحاطات التي قدمها الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى اليمن والحاجة الملحة إلى وقف التصعيد العسكري وإحراز تقدم سياسي في اليمن، مؤكدين دعمهم الكامل للمبعوث الخاص، مارتن غريفيث.

2-    ناشدت بريطانيا عبر سفيرها جماعةَ الحوثيين بوقف هجومها على محافظة مأرب، وحمّل آرون جماعة الحوثي مسؤولية استمرار الحرب في اليمن التي تسببت في مقتل الآلاف من اليمنيين دون مبرر. إلا أن هذه المناشدة جاءت لتكشف المستور وتؤكد حقيقة الصراع في اليمن وذلك من خلال الرد على هذه المناشدة، حيث قال القيادي في جماعة الحوثيين محمد البخيتي في تغريدة على "تويتر"، مقتبساً تغريدة للسفير البريطاني لدى اليمن مايكل آرون "السلام يعني وقف الحرب بشكل شامل ودائم ولكن الشيطان الذي يتحدث باسم السلام يرفض ذلك ويصر على استمرار العدوان والحصار على اليمن". وأشار إلى أن من وصفه بـ"الشيطان"، "يطلب وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار في الجبهة التي بدأ يخسر فيها لكي يتسنى له إعادة ترتيب صفوفه". (المهرة بوست 2020/8/30م)، وذلك في إشارة إلى المعارك الدائرة في محافظة مأرب شمال شرق اليمن.

3-   تخفيف الضغط عن مأرب وذلك بتحريك بقية الجبهات ومنها جبهة الحديدة بقيادة طارق صالح ليزيد من الضغط على الحوثيين، وتم ذلك عبر تواصل السفير مايكل آرون عبر اتصال إلكتروني أجراه بمحافظ مأرب سلطان العرادة قال فيه: "يجب على الحوثيين أن يوقفوا هجومهم غير الإنساني على مأرب الآن"، مشدداً على ضرورة التعامل بجدية مع مساعي المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث. (المهرة بوست 2020/8/25م). وقد أعقب هذا التواصل توقيع قبائل مراد كبرى قبائل مأرب واليمن الأحد 13 أيلول/سبتمبر "وثيقة شرف" (أهدرت فيها دم كل من عمل على تسهيل دخول مليشيا الحوثي لمديرياتها ومناطقها في محافظة مأرب)، وبهذا التعهد القبلي قطعت الطريق أمام اختراقات السعودية لما يسمى بالجيش الوطني، وفتح الجبهات الأخرى.

والخلاصة: يحاول الحوثيون ومن ورائهم أمريكا عن طريق السعودية وإيران أخذ محافظة مأرب النفطية للوصول إلى منابع النفط، وتستميت ما تسمى بالشرعية (حزب الإصلاح ومؤتمر الخارج) في الدفاع عن محافظة مأرب ومن ورائهم بريطانيا.

وهكذا سيظل أهل اليمن يكتوون بنار الصراع الإنجلو - أمريكي في بلادهم، فإلى متى تبقى بلاد المسلمين ساحة صراع للدول الكافرة المستعمرة؟! إلى متى يستمر الصراع بين بريطانيا وأمريكا على النفوذ في اليمن؟! إلى متى يتصارعان بأدوات محلية وإقليمية؟! إلى متى يبقى أهل الإيمان والحكمة يراقبون الصراع الجاري كأن البلاد ليست بلادهم؟!! ألا يتحركون بحق وينتفضون بصدق؟!! ألا يعملون مع العاملين لإقامة دولة الإسلام الخلافة الراشدة ومن ثم يحق الحق ويزهق الباطل، وتنزوي تلك الدول الكافرة المستعمرة إلى عقر دارها إن بقي لها حينئذ عقر دار؟!

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الاستاذ : سليمان المهاجري – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر