الصراع القبلي في السودان علاجه بالخلافة
July 03, 2022

الصراع القبلي في السودان علاجه بالخلافة

الصراع القبلي في السودان علاجه بالخلافة

أكد زعيم من قبيلة القمر بغرب دارفور مقتل 117 شخصاً من قبيلته في اشتباكات مع قبيلة الرزيقات العربية، مستمرة منذ الأسبوع الماضي، وحرق 14 قرية كلياً بولاية غرب دارفور غربي السودان. وقال إبراهيم هاشم الزعيم القبلي لقبيلة القمر غير العربية عبر الهاتف من محلية كلبس في غرب دارفور، إن قتلى القمر حتى الآن 117 وتم حرق 14 قرية من قرانا ولدينا عدد من الأشخاص مفقودون. (البيان الإماراتية 2022/6/14).

وأفادت صحيفة مداميك الإلكترونية في 2022/6/11م، بتجدد اشتباكات قبلية في مدينة أبو جبيهة بجنوب كردفان، بين قبيلتي الكنانة والحوازمة، قتل فيها 6 أشخاص على الأقل، وأصيب حوالي 15 أسرة، وأن الأحداث بدأت عقب اغتيال أحد المواطنين برصاص، نفذ على أثره ذووه هجمات للثأر. وبحسب الإندبندنت عربية في 2022/06/15م، خيم التوتر على مدينة كسلا شرق السودان، في أعقاب مقتل ثلاثة أشخاص برصاص الأجهزة الأمنية أثناء محاولتها تفريق مجموعات في حي مكرام الذي تقطنه إثنية البني عامر. وتجددت الاشتباكات القبلية في أحياء مكرام وكادقلي بين النوبة والبني عامر، بسبب اتهامات متبادلة بالسرقة. وشهد هذان الحيان خلال أيار/مايو الفائت نزاعات مسلحة أودت بحياة اثنين، أحدهما سائق عربة الوالي الذي كان يحاول تهدئة الموقف، ما قاد السلطات لإعلان حظر تجوال مؤقت.

هذه الصراعات المتجددة بين القبائل في أطراف السودان المختلفة، ما إن تنتهي حتى تندلع مرة أخرى بصورة أشد من قبل! فما هي الأسباب؟ ومن وراء تغذية هذه الصراعات المتجددة؟ وما هو السبيل لعلاجها؟

إن ظاهرة الاصطفاف على أساس القبيلة، والانحياز للجماعة على أساس العرق الذي ينتمي إليه الإنسان، ليتقوى به ويسعى من خلاله إلى المطالبة بحقوقه، بل ونيل المناصب القيادية أو الإدارية، هو مظهر من مظاهر الضعف الفكري، وغياب هيبة الدولة المنوط بها رعاية شؤون الناس. فالرابطة القبلية أي القومية، هي رابطة فاسدة لأنَّها رابطةٌ قَبَلِيَّةٌ ولا تصلحُ لأنْ تربُطَ الإنسانَ بالإنسانِ حين يسيرُ في طريقِ النهوضِ. ولأنَّها رابطةٌ عاطفيَّةٌ تنشأُ عنْ غريزةِ البقاءِ، فيوجَدُ منْهَا حبُّ السيادةِ. ولأنَّهَا رابطةٌ غيْرُ إنسانِيَّةٍ، إذْ تُسَبِّبُ الخصوماتِ بينَ الناسِ على السيادةِ، ولذلكَ لا تصلحُ لأنْ تكونَ رابطةً بينَ بني الإنسانِ. فهي تفرق ولا تجمع، وتوقع العداوة بين الناس، بل بين أبناء القبيلة الواحدة على الزعامة، لذلك كان الناس في حاجة إلى رابطة صَحيحة لِرَبْطِ بَنِي الإنسانِ في الحياةِ هيَ رابطةُ العقيدةِ العقليَّةِ الَّتي ينبثقُ عنْها نظامٌ. وهذهِ هيَ الرابطةُ المَبْدَئِيَّةُ.. التي تحدد الحقوق والواجبات وتنظم العلاقات بين جميع أفراد المجتمع ومكوناته، وكان لا بد أن نفرق بين القبيلة كمكون بشري، والقبلية كمفهوم وسلوك بمعنى الانحياز للقبيلة والدفاع عنها ظالمة أو مظلومة دون اعتبار للحق أو الباطل.

فقد ذم الإسلام الدعوات القبلية والعصبية، روى أبو داود أن رسول الله ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ»، وقال رسول الله ﷺ: «وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى قَالَ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَا سَمَّاهُمْ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». وعن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: «لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ».

إن الإسلام قد حرم هذه النداءات العصبية، ومنع الارتباط بها، والنظرة على أساسها، وأوجد رابطة جديدة تقوم على أساس العقيدة الإسلامية؛ أخوة الإسلام. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقال رسول الله ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ». وقد استمرت الأخوة الإسلامية طوال عهود الخلافة، حتى عمدت بريطانيا إلى ضرب رابطة العقيدة الإسلامية التي كانت تجسدها دولة الخلافة إلى روابط جديدة ابتدعتها القوى الاستعمارية في اتفاقية سايكس بيكو، يقول أورمس غو وزير المستعمرات البريطاني في 1938/1/9م: "إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على الإمبراطوريات أن تحذره وتحاربه، وليست إنجلترا وحدها هي التي تلتزم بذلك بل فرنسا أيضاً. ومن دواعي فرحنا أن الخلافة الإسلامية زالت ولقد ذهبت، ونتمنى أن يكون ذلك إلى غير رجعة... إن سياستنا تهدف دائما وأبدا إلى منع الوحدة الإسلامية، أو التضامن الإسلامي، ويجب أن تبقى هذه السياسة كذلك... إننا في السودان ونيجيريا ومصر وبلاد إسلامية أخرى شجعنا، وكنا على صواب، نمو القوميات المحلية فهي أقل خطرا من الوحدة الإسلامية".

واليوم نشهد تمزيق السودان والبلاد الإسلامية على أسس جديدة؛ تتمثل في تقسيم المقسم في سايكس بيكو كما جاء مخطط برنارد لويس الملقب بسياف الشرق الأوسط، حيث قدم هذه الخطة في عام 1980م، وتمت مناقشتها في جلسة سرية في الكونغرس الأمريكي عام 1983م، وهي تهدف إلى تقسيم العراق وسوريا والسعودية واليمن، وقد ألحق بها السودان، وما فعلته أمريكا بفصل الجنوب الذي فتح شهيتها لتفتيت باقي السودان على الأسس القبلية والجهوية نفسها خير شاهد.

كتاب "القبائل وتشكيل الدولة في الشرق الأوسط" للكاتبين فيليب خوري، وجوزيف كوستنر، يتحدث عن "إعادة تقسيم الشرق الأوسط وذلك على أسس قبلية أو طائفية أو إثنية". أما مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة، فنشرت دراسة تتحدث عن "السيطرة على ميزان القوى في الشرق الأوسط على المدى البعيد"، حيث ترى الدراسة أن الحل يكمن في "إعادة بناء دول عربية جديدة تتمحور حول العائلات والقبائل". وفي مقال نشر في دورية آرمز فورسيس (القوات المسلحة) الأمريكية في حزيران/يونيو  2006م تحدث عن "تعديل حدود سايكس بيكو غير العادلة. وقد وصفت خارطة جديدة يتم تقسيم خمس دول هي العراق، وسوريا، والأردن، والسعودية، وإيران، إلى 14 دولة، وأن الحدود ظلت تتغير عبر القرون ولم تكن ثابتة أبدا، ونقول حقيقة قذرة نتعلمها من تجربة خمسة آلاف سنة من التاريخ، وهي أن أعمال التطهير العرقي تنجح في تغيير الحدود".

أما آفي ديختر مدير الأمن الداخلي لكيان يهود فقد قال في محاضرة عام 2008م عن دارفور: "السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه يمكن أن يصبح دولة إقليمية منافسة لمصر والعراق والسعودية، كان لا بد أن نعمل على إضعاف السودان، وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة، وهذا ضروري لدعم وتقوية الأمن القومي (الإسرائيلي)، أقدمنا على إنتاج وتصعيد أزمة دارفور لمنع السودان من إيجاد الوقت لتنظيم القدرات استراتيجياً، إن استراتيجيتنا التي ترجُمت على الأرض في جنوب السودان سابقاً وفي غربه حالياً، استطاعت أن تغيّر مجرى الأوضاع في السودان نحو التأزم والتدهور والانقسام. وأصبح من المتعذر الآن الحديث عن تحوّل السودان إلى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية".

وهذه الأهداف تكتسب الآن فرص التحقق في دارفور، فالاقتتال القبلي الذي يجري هو صناعة الدول الاستعمارية؛ بريطانيا، وأمريكا، وكيان يهود عامل مساعد لهم في مخططاتهم الشيطانية. أما المخرج فهو الالتفاف حول مشروع الخلافة الجامع للأمة بمختلف قبائلها وإثنياتها وأعراقها، وإن حزب التحرير يقدم للأمة مشروعاً عملياً في دستور من 191 مادة تعالج كل قضايا البلاد، من أزمة الحكم والاقتصاد والتعليم والأمن والإدارة، والمطلوب من الأمة هو أن تؤيد هذا المشروع، وتعطي قيادتها لحزب التحرير، وعلى الجيش أن ينصر هذا المشروع ويمكّنه من الحكم، فيقضي بذلك على النفوذ الاستعماري بشقيه الأمريكي والبريطاني.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله حسين

منسق لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان

#بالخلافة_نقتلع_نفوذ_الكافر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر