الصراع بين القادة العسكريين والمدنيين في السودان  تحركه الدول الاستعمارية من أجل مصالحها!
October 07, 2021

الصراع بين القادة العسكريين والمدنيين في السودان تحركه الدول الاستعمارية من أجل مصالحها!

الصراع بين القادة العسكريين والمدنيين في السودان

تحركه الدول الاستعمارية من أجل مصالحها!

أعلنت الحكومة السودانية، الثلاثاء 2021/9/21م، السيطرة على محاولة انقلابية فاشلة، قام بها عدد من ضباط الجيش، فيما أكدت المؤسسة العسكرية السودانية القبض على 40 ضابطا لمشاركتهم في الانقلاب، وقال نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، "إن انشغال السياسيين بالصراع على المناصب كان سببا في محاولات الانقلابات العديدة خلال الفترة الانتقالية"، فيما أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان أن "السياسيين والأحزاب في البلاد منشغلة بالمناصب الوزارية ولا يتم الحديث عن الانتخابات". من جانبها، اعتبرت قوى الحرية والتغيير، الانتقادات التي وجهها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو إلى القوى السياسية، تشكل تهديدا لما يسمى بالانتقال الديمقراطي في البلاد، وطالبت "بضرورة الإسراع بإصلاح الأجهزة العسكرية والأمنية وتنقية صفوفها، وتنفيذ اتفاق جوبا لسلام السودان لا سيما تنفيذ بند الترتيبات الأمنية". وقد أدى هذا الوضع لخروج بعض المؤيدين في 2021/9/30م لمساندة الحكومة المدنية. وقد أكد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك أن هناك صراعاً واضحاً وجلياً بين مكونات الحكم في السودان، العسكريين والمدنيين، مما دفعه لطرح مبادرة في 22 حزيران/يونيو الماضي، تضم 7 محاور، هي: إصلاح القطاع الأمني والعسكري، والعدالة، والاقتصاد، والسلام، وتفكيك نظام الثلاثين من حزيران/يونيو (نظام عمر البشير) ومحاربة الفساد، والسياسة الخارجية والسيادة الوطنية، وتشكيل المجلس التشريعي.

والمعلوم أن الصراع بين السياسيين المدنيين، والقادة العسكريين في السودان قديم متجدد، تقوده سفارات الدول الاستعمارية خاصة أمريكا وبريطانيا، حيث تدعم أمريكا القادة العسكريين المرتبطين بها، وتدعم بريطانيا القادة المدنيين.

والمعلوم كذلك أن أغلب الانقلابات في بلاد المسلمين وراءها أمريكا، حيث يقول صاحب كتاب "لعبة الأمم" مايلز كوبلاند ضابط المخابرات المركزية الأمريكية الذي اعترف أنه صنع جمال عبد الناصر قال: "لا بد أن ندخل لهذه البلاد عن طريق الانقلابات".

وقد أنشأت أمريكا حركة الضباط الأحرار التي ينتمى إليها الرئيس الأسبق النميري المرتبط بأمريكا، مع التأكيد على أنه ليس كل العسكر في السودان مرتبطين بالسفارات الأجنبية خاصة الأمريكية، فإن من القيادات العسكرية رجالاً أتقياء مخلصين لدينهم ولعقيدتهم ولأمتهم، إلا أن الصراع مع المدنيين تقوده قيادات لها ارتباطات بالسفارة الأمريكية ووزارة خارجيتها. فمنذ النميري كانت أمريكا هي الراعية للعسكر الانقلابيين ومنهم البشير، الذي اعترف في برنامج "قصارى القول" على قناة روسيا اليوم في 2017/11/21م أنه تلقى تدريبات على يد المخابرات المركزية الأمريكية عندما كان قائداً لسلاح المظلات أثناء حكم الرئيس نميري، وأكد في لقاء مع موقع سبوتنيك الروسي في 2017/11/25م أن أمريكا هي وراء فصل الجنوب، وأنها تريد تقسيم السودان إلى 5 دول، حيث قال: "الانقسام هذا كان بضغط وتآمر أمريكي والخطة هي تدمير السودان وتقسيمه إلى خمس دول، هذه هي الخطة الأمريكية". وأكد ذلك وزراء الخارجية في عهد البشير، حيث قال غندور يوم الخميس 2017/04/13م: "إن فصل الجنوب كان في الأساس مؤامرة، لكننا قبلنا بها، ويرون الآن نتائج". وقال وزير الخارجية الدرديري محمد أحمد في برنامج "حوار" مع قناة فرانس 24 بتاريخ 2018/11/21م: "ساعدنا أمريكا في حل أكبر معضلة في المنطقة وهي مشكلة جنوب السودان".

وقد كان القائم بالأعمال الأمريكي كوتسيس موجوداً في ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش، يلتقي بمن شاء، ويحاور، ويقدم الطعام، ويلتقط الصور، بالرغم من أن المناطق العسكرية محرم على الأجانب دخولها. لكنه في يوم الأحد 2019/4/14م، التقى حميدتي بالقائم بالأعمال الأمريكي بالخرطوم، ستيفن كوتسيس، بالقصر الرئاسي بالخرطوم، حيث أطلعه حميدتي على التطورات بالبلاد، والأسباب التي أدت إلى تشكيل المجلس العسكري الانتقالي. (الأناضول 2019/9/15م)، كما التقى البرهان المبعوث الأمريكي للسودان، دونالد بوث، الاثنين 2019/7/15م، بالقصر الجمهوري، وتناول تطور المباحثات بين "المجلس العسكري الانتقالي" و"قوى الحرية والتغيير" للتوصل لاتفاق لتشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية. (موقع آر تي الروسي). وفي يوم الأحد 2020/2/2م اتصل وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو بالبرهان، وأكد المجلس السيادي أن رئيسه تلقى دعوة رسمية من بومبيو عبر الهاتف لزيارة أمريكا، وأن البرهان قال إنه سيلبي الدعوة قريبا. (الجزيرة نت)، وفي يوم الاثنين 2020/2/3م، أعلن مكتب رئيس وزراء كيان يهود أن نتنياهو التقى البرهان في عنتيبي بأوغندا، وأنهما اتفقا على بدء حوار من أجل "تطبيع العلاقات" بين البلدين. (بي بي سي).

وفي يوم الثلاثاء 2020/2/4م، عقد مجلس الوزراء السوداني اجتماعا طارئا لمناقشة لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، بنتيناهو، في أوغندا. وقال فيصل محمد صالح، وزير الثقافة والإعلام، في بيان: "لم يتم إخطارنا أو التشاور معنا في مجلس الوزراء بشأن هذا اللقاء، وسننتظر التوضيحات بعد عودة السيد رئيس مجلس السيادة". (بي بي سي)، و"نفت الخارجية السودانية أي علم لها بهذا اللقاء"، (الجزيرة نت 2020/2/3م)، وفي يوم الاثنين 2020/11/30م، اتصل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، بالبرهان وبحثا تطورات الوضع في إثيوبيا، حسب بيان لمجلس السيادة. وأعرب بومبيو، عن تقدير بلاده لاستضافة السودان اللاجئين الإثيوبيين رغم الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي يشهدها. (الأناضول). ونشرت صحيفة الانتباهة في 2020/4/28م، تقريراً بعنوان: "السودان: بومبيو يهاتف البرهان سياسة الابتزاز الأمريكي، والدفع إلى حافة الهاوية". وفي يوم 2020/10/26م، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالا بعنوان: "أمريكا تكافئ السودان على ثورته بالابتزاز"، جاء فيه أن ابتزاز الولايات المتحدة الأمريكية للسودان من أجل التطبيع مع (إسرائيل) يرقى إلى مستوى التنمر على دولة لا يتوقع أن تقيم (إسرائيل) معها العديد من العلاقات التجارية أو الدبلوماسية. وفي 2019/12/13م، نشرت الغارديان مقالة أخرى بعنوان: "إذا انهار الحكم المدني بالسودان فواشنطن تتحمل المسؤولية"، كتبها أليكس دي وال المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي بجامعة تافتس الأمريكية، وكان مما جاء في المقالة: (أنه إذا انزلق اقتصاد السودان إلى الانهيار التام وفشلت حكومته المدنية، فإن هذا الانهيار سيُكتب عليه "صنع في أمريكا").

أما ارتباط المدنيين في الحكومة العسكرية فبيِّنٌ وواضح: فقد طلب حمدوك بإيعاز من السفير البريطاني عرفان صديق من الأمم المتحدة؛ هذه الأداة الاستعمارية، بعثة لإدارة شؤون البلاد، بتفويض كامل يضع السودان تحت وصاية المستعمرين، فقد جاء في الخبر: "طلب رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، السبت، من مجلس الأمن الدولي التفويض لإنشاء بعثة سياسية خاصة من الأمم المتحدة تحت الفصل السادس لدعم السلام" (سودان تريبيون الاثنين 2020/2/10م). ونشرت صحيفة القدس العربي بتاريخ 9 شباط/فبراير 2020م: "ينبغي أن تشمل ولاية البعثة المرتقبة كامل أراضي السودان، وتقديم الدعم التقني في وضع الدستور والإصلاح القانوني والقضائي، وإصلاح الخدمة المدنية، وقطاع الأمن وبناء قدرات قوة الشرطة الوطنية". وقد وافق مجلس الأمن على ذلك وحدد بعثة سماها يونيتامس، كما سمت حكومة حمدوك منسقاً للتعامل مع هذه البعثة، فقد جاء في الخبر: "كوّن السودان آلية وطنية للتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة السياسية (يونيتامس)، التي سوف تبدأ مهامها في الأول من يناير المقبل، وسمى السفير عمر الشيخ منسقاً للبعثة. ووافق مجلس الأمن الدولي في 3 يونيو الجاري، على إنشاء بعثة سياسية في السودان لدعم قضايا الانتقال والسلام، استجابة لطلب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك" (سودان تريبيون 2020/7/5مويوم الخميس 2021/1/21م وصل وزير الخارجية البريطاني، دومينيك راب، إلى الخرطوم في أول زيارة من نوعها للسودان منذ أكثر من عقد، اليوم الخميس، لإبراز دعم المملكة المتحدة للانتقال الديمقراطي والحكومة المدنية. وأوضح بيان صحفي للسفارة البريطانية بالخرطوم أن وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب وصل الخرطوم لإبراز دعم المملكة المتحدة للانتقال الديمقراطي والحكومة المدنية في أول زيارة من نوعها للسودان منذ أكثر من عقد، وقد اشترط وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، على الحكومة الانتقالية اتخاذ إجراءات اقتصادية دقيقة أبرزها "ترشيد تحرير" سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار. ذات الأمر الذي ناقشه مساعد وزير الخارجية الألماني للشؤون الإفريقية فيليب أكار مان مع الحكومة السودانية. (2020/1/24مونشرت صحيفة التيار، الأربعاء 2021/1/27م، "قال السفير البريطاني: تعويم الجنيه الحل الوحيد لاستقرار الجنيه السوداني". ونشر موقع تاق برس 2021/1/26م: "سفير بريطانيا المثير للجدل (عرفان صديق) يودع السودان بحزمة من الوصايا والمطلوبات أبرزها تعويم الجنيه". وقد تقاطرت الوفود الأوروبية: وصل وزير خارجية فرنسا الخرطوم 2021/9/16م والتقى حمدوك وصرح بدعم الحكومة المدنية. (الراكوبة). وزير خارجية ألمانيا هايكوماس قال في 2019/9/8م: أكد دعمه للحكومة الانتقالية. (الأناضول). وفي 2019/10/15م قال رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي (فان دن دول): "الاتحاد يعلن تجهيز حزمة دعم للمرحلة الانتقالية في السودان".

لقد ظهرت الآثار الكارثية لهذا الصراع بين القوى الاستعمارية (أمريكا وبريطانيا) وأدواتهما المحلية من السياسيين المدنيين المرتبطين بالإنجليز، والقادة العسكريين المرتبطين بالأمريكان، على البلاد، حيث أبعد الحكم بما أنزل الله وجعلت السيادة لغير شرعه سبحانه، وسُلب سلطان الأمة وحرمت من أن تختار من يحكمها عن رضا واختيار ببيعة شرعية تعقد لخليفة يقيم الدين ويسوس الأمة بالإسلام، نعم لقد أصبح الحكم حكراً على السفارات الأجنبية وعملائها، وساءت حياة الناس وعم التدمير الممنهج كل مناحي الحياة؛ في التعليم، والصحة، والأمن، مع بيع لثروات البلاد للشركات الرأسمالية التابعة للدول الاستعمارية.

ولن يتوقف هذا الصراع إلا إذا قطع أهل السودان حبال المستعمرين التي يرتبط بها عملاؤهم في الداخل، ولن تفعل ذلك إلا دولة الإسلام الخلافة الراشدة التي هي فرض من الله سبحانه، ووعد بالفتح والتمكين، وبشرى من النبي ﷺ بأنها عائدة راشدة كالأولى بإذن الله رب العالمين، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد جامع أبو أيمن

مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر