الصراع في اليمن بين أذناب بريطانيا وأتباع أمريكا إلى أين وصل؟  الجزء الأول (1)
July 03, 2019

الصراع في اليمن بين أذناب بريطانيا وأتباع أمريكا إلى أين وصل؟ الجزء الأول (1)

الصراع في اليمن بين أذناب بريطانيا وأتباع أمريكا إلى أين وصل؟

الجزء الأول (1)

إن دول الاستعمار لا يهمها إلا مصالحها فهي تتحرك بناء على هذه المصالح فكان من الطبيعي أن تغزو العالم وتزرع عملاء مرتزقة من أهل البلاد ليكونوا خدماً لها مقابل بقائهم في السلطة وهي تسندهم حتى إذا انتهى دورهم بحثت عن البديل ورمتهم في قارعة الطريق إما قتيل أو سجين أو شريد مهين...

اليمن هي إحدى الدويلات في بلاد المسلمين التي يحكمها عملاء للغرب، وهؤلاء الحكام يستمدون قوتهم من الغرب الكافر وليس من الأمة فهم موظفون وليسوا حكاماً.

احتلت بريطانيا عدن عام 1839م وخرجت منها بجيشها في 1967م وكان سبب خروجها هو الرأي العام الذي أوجدته أمريكا والاتحاد السوفيتي حول الاستعمار القديم وإعطاء الشعوب الاستقلال، إضافة إلى قيام أمريكا بتحريك رجالها مثل عبد الناصر الذي قام بتحريك جيش مصر في دعم الثورات ضد المستعمر القديم بريطانيا وفرنسا، ولكن بريطانيا لم تخرج من جنوب اليمن مكتوفة الأيدي بل سلمت الحكم للجبهة القومية الموالية لها، وتركت جيشاً من العملاء في الشمال والجنوب سياسيين ورجال مال وأعمال ومفكرين وفعاليات مؤثرة.

ظلت أمريكا تحاول أخذ اليمن حيث حاولت في الجنوب بعد 1963م عن طريق جبهة التحرير ففشلت، ثم استمالت في السبعينات الرئيس سالم رُبيع ولكن الإنجليز قتلوه، وفي الثمانينات استمالت الرئيس علي ناصر فحدثت حرب في 1986م بينه وبين رجال الإنجليز فخرج من عدن طريدا واستقر به المقام في سوريا أيام الهالك حافظ أسد عميل أمريكا، أما في الشمال بعد ثورة 1962م التي ساندها عبد الناصر ضد المملكة المتوكلية دخلت القوات المصرية وكان أول رئيس تحت رعايتهم عبد الله السلال، وفي بداية السبعينات استولى إبراهيم الحمدي على الحكم وكان من رجال أمريكا فاغتاله رجال الإنجليز، ثم في 1994م استمالت عميل الإنجليز علي سالم البيض الذي كان رئيس الشطر الجنوبي ولكن بعد الوحدة بين الشطرين 1990م تحت رعاية الإنجليز أصبح نائب الرئيس علي صالح، حيث أوعزت له أمريكا إعلان الانفصال وفك الارتباط خصوصا عندما بدأت العلاقة تسوء بينه وبين علي صالح بسبب أن صالح كان يقصي جناح علي سالم، فنشبت الحرب بينهما وانتهت بهزيمة علي سالم وسيطرة الماكر صالح على اليمن. وأنجح محاولاتها عن طريق حركة الحوثيين، فقد كانت ثورة شباط/فبراير 2011م فرصة كبيرة لظهور الحركة في ساحات التغيير فظهروا بقوة، ومن ثم دعمتهم أمريكا عن طريق المبعوث الأممي جمال بن عمر، فدخلوا مؤتمر الحوار الوطني وحصلوا على تمثيل يفوق حجمهم الحقيقي، وقبل توقيعهم على مخرجات الحوار انقلبوا عليه لأن المخرجات لم تعط أمريكا مرادها، مع العلم أن مخرجات الحوار هي مخرجات علمانية سافرة فضحت كل من شارك فيها وخصوصا أصحاب العمائم واللحى، ولكن الحوثي لم ينقلب على المخرجات من منطلق شرعي بل من منطلق مصلحي وإلا فهو شارك في كل اللجان التي صاغت هذه المخرجات المتهافتة، وفي أيلول/سبتمبر 2014م دخل الحوثيون صنعاء، عندها قسم الإنجليز أذنابهم إلى فريقين علي صالح وجزء من حزب المؤتمر ينخرط مع الحوثيين، والفريق الثاني عبد ربه منصور هادي والبقية الباقية من حزب المؤتمر إضافة إلى حزب الإصلاح، وأثناء هذا تم توقيع اتفاق السلم والشراكة بين الفرقاء عملاء الإنجليز وعملاء الأمريكان، ولم تلتزم به جماعة الحوثي، كل هذا ما كان ليحدث لولا:

1-    دعم أمريكا الكبير للحوثيين وقد ازداد تأثير أمريكا في اليمن بعد هلاك عبد الله بن عبد العزيز العميل الإنجليزي وصعود عميل أمريكا سلمان بن عبد العزيز في السعودية.

2-    ضعف الإنجليز دولياً أمام أمريكا، وانعكس هذا الضعف على عملائهم في البلد بالذات المؤتمر والإصلاح، بالرغم من كثرتهم ولكنهم كانوا أمام الحوثي أذلاء صاغرين أقزاما، سربلتهم العمالة بالخزي والعار، يعملون من تحت الطاولة.

ثم زادت قوة الحوثي بعد 2015/3/26م عندما بدأت عاصفة الحزم التي ضربت عملاء الإنجليز وحولت الحوثي من معتدٍ على الدولة ومؤسساتها في نظر الناس إلى معتدًى عليه، التف الناس حوله باسم الدفاع عن الوطن...

هذه المقدمة كان لا بد منها حتى تتضح الصورة، وسوف نتحدث على مراكز القوى المؤثرة في البلد ومن هي الجهة التي لها اليد الطولى فيها الآن:

أولاً: الجيش:

ظل الجيش تحت سيطرة ونفوذ رجال الإنجليز ولم يستطع الأمريكان اختراقه، وقد عمد الأمريكان إلى محاولات عن طريق عمل تأهيل للجيش بالدورات العسكرية ثم عمدوا إلى تأسيس ودعم إنشاء جهاز الأمن القومي في عام 2002م ودعم قوات مكافحة (الإرهاب)، وكانت تواجه هذه الأعمال بمكر من رجال الإنجليز الذين كان يرميهم علي صالح ليظهروا الولاء للأمريكان وهم في حقيقتهم إنجليز، حدث تصدع وخلاف بين رجال الإنجليز بعد 2006م حيث بدأ علي صالح الرئيس في ذلك الوقت بتهيئة الأجواء لجعل ابنه أحمد خليفة له، فجن جنون علي محسن الأحمر والشيخ حميد الأحمر، وعلي محسن من أخبث رجال الإنجليز وله تأثير على مشايخ القبائل وإضافة إلى أنه محسوب على حزب الإصلاح، وكان يشغل قائد الفرقة الأولى مدرع والمكون من 23 لواءً، وتعتبر القوة الثانية بعد قوات الحرس الجمهوري، حيث كان علي محسن يطمع أن يتولى الحكم بعد علي صالح وهذا الذي أدى إلى وجود خلاف بينهم، عمل علي صالح على تقوية قوات الحرس الجمهوري التي يقودها نجله أحمد علي صالح المكونة من 17 لواء، وعمل على إضعاف الفرقة الأولى مدرع حيث أشركها بالحروب مع الحوثي من 2004م إلى 2010 على فترات متقطعة.

وسوف نلخص الحالة التي وصل لها الجيش:

1-    الخلافات بين رجال الإنجليز في وسط الجيش أدى إلى إضعافه وسهولة اختراقه أو تفكيكه، وكان السبب الرئيسي في هذه الخلافات هي الأطماع اللامحدودة للهالك علي صالح رجل الإنجليز الماكر.

2-    هيكلة الجيش حيث حرصت أمريكا على أخذ هذا الملف لغرض اختراقه وإضعاف نفوذ الإنجليز، ثم عملت على تشتيت القوات وتغير مسمياتها ودمجها، ولم تنجح في إبعاد نفوذ الإنجليز ولكن أضعفته نوعا ما وذلك بإبعاد القيادات السابقة المرتبطة ارتباط ولاءٍ ونسب برجل الإنجليز علي صالح.

3-    دخول الحوثيين صنعاء وتحالف علي صالح معهم، حيث مكنهم من دخول المعسكرات فنهبوا السلاح وحملوا الكثير منه إلى معقلهم صعدة، وقد كان يخيل إليه أنه بإشارة منه سوف يعيد السلاح. وصل الرجل إلى مرحلة من الثقة المفرطة بنفسه والتي أوقعته جثة هامدة بين أيديهم.

4-    عاصفة الحزم حيث ركزت على تدمير معسكرات الحرس الجمهوري التابعة لعلي صالح، وأيضا استهداف قادة الحرس وخصوصا عندما ضربت القاعة الكبرى التي كان فيها عزاء، وقتل فيها قرابة 500 شخص كان معظمهم من حزب المؤتمر وقادة الجيش من الصف الأول والذي كان علي صالح يدير البلد بهم.

5-    تفرق الجيش القسم الأول ظل تحت سلطة الحوثي الظالم وانخرط معه في القتال ضد التحالف واقتنع بأفكار الحوثي بسبب الدورات الثقافية المركزة التي تقوم بها الحركة الحوثية، والبعض قاتل مع الحوثي ليس قناعة ولكن لغرض الحصول على أموال خصوصا بعد توقف صرف الرواتب وهؤلاء يمكن تصنيفهم أنهم ليسوا مضموني الولاء للحوثي. والقسم الثاني من الجيش ذهب ليقاتل مع التحالف المجرم منهم من ذهب مع علي محسن في مأرب وما حولها وهؤلاء أغلبهم من الفرقة الأولى مدرع أو من حزب الإصلاح وهؤلاء لا زالوا إنجليز، والبعض ذهب للقتال في الشريط الحدودي مع مملكة آل سعود والدعم والتسليح مباشر عن طريق أمراء آل سعود وهؤلاء سوف يتم استقطاب جزء منهم للعمل مع الأمريكان عن طريق آل سعود، والجزء الأخير من هذا القسم ذهب للقتال مع الشق الآخر للتحالف مع الإمارات وانضم لقوات طارق صالح في الحديدة وهؤلاء تحت مظلة الإنجليز. والقسم الرابع والأخير هم المخلصون الذين أدركوا أن هذه الحرب لا تخدم الإسلام ولا المسلمين وأن أدوات الصراع عملاء للغرب الكافر.

هذا هو واقع الجيش في اليمن، ومن خلال النقاط أعلاه يلاحظ ضعف نفوذ الإنجليز على المستوى الذي كان عليه من قبل، وقوي فيه نفوذ الأمريكان ولكن لم يصل إلى مستوى قوة الإنجليز بعد ولكنه في تقدم مستمر، ولوحظ أن الجيش هو الأداة الفاعلة في الصراع، وسوف نظل ندعوهم إلى التوقف عن تنفيذ مخططات الغرب والعمل لنصرة دينهم، فإلى متى يظلون ينفذون إما مخططات أمريكا أو مخططات الإنجليز؟! حري بهم أن يدركوا ويعوا على هذا الصراع الذي قتل أبناءهم وجوّع أهليهم وأغضب ربهم وجعلهم يعيشون حياة ضنكا، فإلى العمل لنصرة العاملين المخلصين لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي يعمل لها حزب التحرير.

يتبع الجزء الثاني...

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الهادي حيدر – ولاية اليمن

الجزء الثاني (2)

الجزء الثالث (3)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر