الصراع في اليمن بين أذناب بريطانيا وأتباع أمريكا، إلى أين وصل؟ الجزء الثاني
July 14, 2019

الصراع في اليمن بين أذناب بريطانيا وأتباع أمريكا، إلى أين وصل؟ الجزء الثاني

الصراع في اليمن بين أذناب بريطانيا وأتباع أمريكا، إلى أين وصل؟
الجزء الثاني


استكمالا للجزء الأول والذي ذكرنا فيه مراكز القوى المؤثرة في البلد، ومن هي الجهة التي لها اليد الطولى فيها الآن، وقد تطرقنا للجيش... وفي هذا المقال سوف نتطرق لقوى ثانية وهي:


2- القبائل:


للقبائل في اليمن تأثير كبير في الدولة، وكانت تُعد قوة مؤثرة تستند إليها السلطة الحاكمة لأن الكثير من مشايخ القبائل هم من ضمن الحكام في البلد ولكن هذه القوة التي تمثلها القبيلة في استناد السلطة عليها مرتبطة بشخص شيخ القبيلة لا بأبناء القبيلة كلهم على وجه الحقيقة، لأن أبناء القبيلة يتبعون للشيخ تبعية مبنية على أعراف وتقاليد وبالتالي من يخرج على هذه الأعراف فإنه يصبح منبوذا من أهل القبيلة وهذه الأعراف منها ما هو من الإسلام ومنها ما هو من الجاهلية


أولاً: هناك عوامل ساعدت في إيجاد هذا الاتباع:


1. الأعراف


2. الجهل، حيث تم تجهيل أبناء القبيلة بشكل متعمد بعدم توفير التعليم وصرفهم نحو العمل في الجيش وحُراس (مرافقين) لشيخ القبيلة.


3. الصلاحية التي أعطتها الدولة لشيخ القبيلة مثل جعل الناس يرجعون إليه في كل أمر، فأمره نافذ فأصبحت سلطته في القبيلة أقوى من سلطة الدولة، حيث جعلت الشيخ غير محاسب أمام الدولة إذا ظلم أو أخذ حقاً من حقوق الناس، ووفرت له الدولة مالاً وميزانية شهرية أو غضت الطرف بل وسمحت له أن يتلقى أموالاً من أطراف خارجية وبالذات من أمراء آل سعود الذين كانوا يعطون مشايخ القبائل أموالاً بشكل مستمر.


وبالتالي بسبب هذه التعبية لشيخ القبيلة يمكن لأي طرف شراء ولاء القبيلة بأكملها وبجميع مقدراتها عن طريق استمالة شيخ القبيلة، وهذه الاستمالة تتم عن طريق شرائه بالمال وتأمين مصالحه، إلا القليل القليل منهم والذين حاربهم النظام دون هوادة فقتل من قتل منهم وحارب من حارب عن طريق تشجيع أحد أبناء عمومة الشيخ لصناعته كبديل.


ثانياً: الرابطة التي تربط القبيلة بالدولة:


عملت الدولة منذ ثورة 1962م في الشمال ضد المملكة المتوكلية بدعم أمريكي عن طريق عبد الناصر، حيث عملت على تأسيس وزارة شؤون القبائل والتي كان المشايخ عن طريقها يتلقون المال، وبالتالي بدأ إفسادهم بالمال منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.


كان للإنجليز السبق في ربط مشايخ القبائل بهم عن طريق عبد العزيز آل سعود وركزوا على كبار المشايخ وهم شيخ مشايخ بكيل وشيخ مشايخ حاشد وهم على التوالي سنان أبو لحوم وعبد الله الأحمر.


وبالتالي تم إفساد المشايخ بشكل وقح بالمال، وهذا الدور قام به الإنجليز بشكل خاص فقد ظل كثير من المشايخ يستلمون إتاوات من حكام آل سعود، ومن ثم أتى صدام حسين ودعم كثيراً من المشايخ بالمال ولحقه القذافي، وكل هذا بترتيب من الإنجليز، وإضافة إلى أعمال الهالك علي صالح حيث سار على هذا النهج، وسار على هذا معظم الأحزاب المنضوية تحت الرابطة الوطنية حيث كانت تشتري المشايخ بالمال، فأصبحت الرابطة التي تربط القبيلة بالدولة في اليمن العمالة للإنجليز المبنية على الرابطة المصلحية (المال)، لأن الإنجليز بأساليبهم الماكرة استطاعوا أن يربطوا المشايخ بهم ارتباط عمالة بعد أن دفعوا لهم الأموال واستمروا في تأمين وصول المال لهم سواء عن طريق صالح أو آل سعود أو صدام أو القذافي.


ثالثاً: واقع القبائل:


القبائل القاطنة في المناطق الشمالية والشرقية تأثيرها أكبر من بقية القبائل بسبب قربها من العاصمة مركز الحكم، ويمكن ترتيبها:


1. قبائل حاشد ويتركز معظمها في محافظة عمران وحجة وصنعاء.


2. قبائل بكيل ويتركز معظمها في صنعاء وعمران وحجة والمحويت والجوف.


3. قبائل مذحج ويتركز معظمها في ذمار ومأرب.


ويتمثل تأثيرها بسبب سيطرة أبنائها على المناصب العسكرية في الدولة، وارتباط مشايخها الكبار ارتباط عمالة مع الكافر المستعمر وبعضهم إضافة إلى أنه من الحكام في البلد استغل نفوذه وأصبح من رجال المال والأعمال، ومعظم أبنائها مجندون في الجيش فأصبح للقبيلة تأثير عليهم، وامتلاكها لأسلحة خفيفة ومتوسطة وبعض القبائل تمتلك سلاحاً ثقيلا.


القبائل القاطنة في الوسط والجنوب:


في المناطق الوسطى يكاد يختفي دور القبيلة لأسباب عدة منها الأعمال التي قامت بها الدولة لإنهاء دور القبيلة بهذه المناطق، أما المناطق الجنوبية فعمل الإنجليز عند احتلالهم لعدن وأيضا الحزب الاشتراكي من بعدهم، عملوا على إنهاء دور القبيلة تماما في الجنوب، وظلت موجودة بشكل مؤثر نوعا ما في محافظة شبوة وأبين والضالع.


خلاصة هذه النقطة أن مشايخ القبائل في البلد يعتبرون من الوسط الإنجليزي وظلوا خلال حكم عملاء الإنجليز للبلد جداراً قوياً يتكئ عليه الحكام العملاء المرتبطون بالإنجليز.


رابعاً: وضع القبيلة بعد ثورة شباط/فبراير 2011م: كيف تغيرت الخارطة القبلية؟


إن أهم نقطة سوف نتكلم عنها هي دخول أمريكا اليمن بخط المواجهة على الأرض عن طريق الحوثيين، حيث قامت بالتالي:


1. حاولت شراء كثير من مشايخ القبائل وبدأت بالمقربين من الأسر الهاشمية أو ممن له صلة قرابة بهم، حيث قامت بإرسالهم للضاحية الجنوبية في لبنان، ومن هناك بدأ الربط المالي.


2. بعد أيلول/سبتمبر 2014م عند دخول الحوثيين صنعاء أسروا بعض المشايخ، وهرب الكثير منهم وخصوصا من كان مرتبطاً بحزب الإصلاح.


3. بعد آذار/مارس 2015م عاصفة الحزم المشؤومة، تغلغل الحوثيون في الوسط القبلي وخصوصاً الموالين لحزب المؤتمر.


4. بعد كانون الأول/ديسمبر 2017م مقتل علي صالح، هرب وسُجن ودُجّن كثير من المشايخ الموالين لحزب المؤتمر.


والخلاصة:


ضعف دور الإنجليز في الوسط القبلي في المناطق الشمالية التي يسيطر عليها الحوثيون حالياً، وزاد تأثير أمريكا عن طريق الحوثي للأسباب التالية:


1. دخول الحوثي صنعاء وعاصفة الحزم وقتل علي صالح ضرب الوسط القبلي، منهم من قُتل ومنهم من سُجن ومنهم من دُجن ومنهم من هرب، خرج أبناء عبد الله الأحمر شيخ مشايخ حاشد مطرودين مع بقاء كبيرهم صادق الأحمر لا حول له ولا قوة والآن هو معزول في بيته، وخرج شيخ مشايخ بكيل خارج البلد، وابنه سبأ هرب من سطو الحوثي إلى الإمارات، وهذا الأمر أوجد فراغاً يعمل الحوثيون ليل نهار على ملئه.


2. أعمال الحوثي الإجرامية والمدروسة التي يقوم بها أخافت المشايخ مثل القتل والاختطاف والإخفاء القسري وتفجير منازلهم، وآخر مثال مشايخ منطقة حجور في حجة حيث أعدموا المشايخ ثم فجروا منازلهم.


3. عمل الحوثي خلال هذه الفترة على إحلال المشرفين الأمنين التابعين لهم محل مشايخ القبائل.


4. يعمل الحوثي على صناعة مشايخ موالين له، على سبيل المثال أوجدوا ما يسمى مجلس التلاحم القبلي وأيضا عملوا مؤتمرات عدة باسم حكماء اليمن يدعى فيها مشايخ القبائل، وتم تعيين كثير من المشايخ الجدد الموالين لهم في مجلس الشورى.


ولكن أمريكا وعن طريق الحوثيين تحتاج إلى وقت طويل لتصفية الوجود الإنجليزي في الوسط القبلي وصناعة وسط قبلي موالٍ لها لأسباب عدة، أهمها أننا اليوم على مشارف نهاية الحكم الجبري ونحن في مرحلة «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة» وطريقهم طويلة لأن عملاء الغرب يعملون لإيجاد دولة لأحزابهم وليس دولة للأمة وبالتالي فإن أي منصب في الدولة يجب أن يكون من حزبهم ولن يسعفهم الوقت إن شاء الله للوصول لهذه النقطة.


وأخيراً: يجب أن يدرك مشايخ القبائل أنهم صاروا دُمى بأيدي المتصارعين العملاء وأن سيرهم في هذا الطريق قد أوردهم وأهاليهم ورجالهم موارد الهلاك في الدنيا والآخرة، وعليهم أن يدركوا أن المال الذي يبحثون عنه ويمدون أيديهم للحصول عليه سوف يرديهم الهلاك، فليعتبروا مما حصل للكثير منهم، وعليهم أن ييمموا طريقهم نحو تطبيق شرع الله وأن يعملوا مع العاملين المخلصين لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي يعمل لها حزب التحرير، والكثير منهم يعرف حزب التحرير جيداً فقد أوصل الحزب رسالته للكثير الكثير منهم ولا زلنا نحمل لهم هذا الخير، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.


...يتبع الجزء الثالث


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الهادي حيدر – اليمن

الجزء الأول (1)

الجزء الثالث (3)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر