السرجاني عضو الاتحاد العالمي يقتفي أثر معلمه الريسوني في صد المسلمين عن خلافة الإسلام والنكير على العاملين لها!
December 14, 2022

السرجاني عضو الاتحاد العالمي يقتفي أثر معلمه الريسوني في صد المسلمين عن خلافة الإسلام والنكير على العاملين لها!

السرجاني عضو الاتحاد العالمي يقتفي أثر معلمه الريسوني

في صد المسلمين عن خلافة الإسلام والنكير على العاملين لها!

إن من فتن هذا الزمان وقحط أيامه وسقيم أحواله وقهر رويبضاته وكيده بأهله، بَلِيَّتَنا بأقوام جاؤونا في أسماء العلماء وبأفعال أهل الجهل، إن ترى سيماهم تعُدُّهم في الناسكين وإن يقولوا تسمع منكرا من القول وزورا، حَسْبُهم من الجهل أن عَدُّوا ما ظفروا به من اطلاع على أوراق من كتب بحر الثقافة الإسلامية حَدّاً علميا وإجازة لأعلميتهم. والواحد منهم في غاية تحصيله حافظ لتلك الوريقات ضعيف الفهم سخيف التقليد، لا يعدو أن يكون جمعا من أوراق لكتاب هنا وآخر هناك، ناهيك عن آفة جمعه فليس بين شتات أوراقه مرجعية أو نسق، بل من هنا وهناك من مكة إلى أثينا إن تجاوزنا عفوا، والحقيقة التي تفرضها طبيعة مدرسة الاستعمار وتكوينه فيها وبمناهجها أن جمعه من أثينا ابتداء واقتباسا وتقليدا ثم تأتي بعدها مكة حشوا وتلفيقا، حتى كان الواحد منهم في العلم كالماء إذا كدر والزرع إذا خبث!

وقد طلع علينا في هذه الأيام العجاف نبت من ذلك النبت، وانفجر فينا ماء من ذلك الماء الكدر، فطفا على سطحه أحد صنائع ذلك الاتحاد العالمي الضرار بدويلة الفتنة قطر، أحد أعضاء مجمع مشايخ فريها وإفكها ونادي كيدها ومكرها "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" راغب السرجاني، مقتفيا أثر معلمه وشيخ فريه وإفكه الريسوني ليوهن عزم هذه الأمة ويكسر إرادتها في سعيها لاستئناف حياتها الإسلامية بإقامة خلافتها الراشدة على منهاج النبوة، ثم نهك أستار الحياء فسَفِه وطاش فاستنكر وأنكر سعي العاملين الأخيار لتحكيم شرع الله في أرضه بإقامة خلافة إسلامه العظيم.

ردّا على هذا الطيش والزيغ، ابتداء نقول كما أن الأعمال بخواتيمها كذا الأقوال بخواتيمها، فخاتمة القول هي زبدة وعصارة عقل صاحبه ومنتهى كلامه وهدف سهم بيانه وغايته ومبتغاه. لذا سنبدأ بما انتهى إليه السرجاني بقوله المسجل عبر شريطه "لن يُجمع المسلمون تحت راية واحدة تجمعهم جمعا بقائد واحد وشعب واحد"، ويضيف "ويترتب على ذلك أنه لا داعي مطلقا لتضييع دماء المسلمين وأوقات المسلمين وطاقات المسلمين في حروب تهدف إلى جمع المسلمين تحت راية واحدة"، ويضيف "أما الخلافة على منهاج النبوة التي تجمع كل المسلمين وتكون على القرآن والسنة لا تكون إلا في الزمن الأخير زمن المهدي وعيسى عليه السلام"، ثم يأتي بمحصلة جهده فيقول "لا مانع من وجود دول إسلامية قوية تعيش جنبا إلى جنب في نوع من السلام والوئام والتعاون والمحبة وكل دولة لها حكمها ومُلْكها وتعيش حسب طريقتها..."، ويضيف "لا يمنع من توحيد المسلمين اتحادات منطقية معقولة مقبولة على غرار الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي أو تعاونات اقتصادية وتكتلات اجتماعية"، وينهي كلامه بالقول إن كل ما استنتجه واستخلصه هو "رؤية طرحها لنا رسول الله ﷺ كي نستفيد منها لأن عقولنا عندما تشط وتفكر بدون الرجوع إلى القرآن والسنة تتخذ قرارات تؤذي أكثر مما تحقق الفائدة، لأنك ضللت بسبب ابتعادك عن تأويلات الرسول ﷺ للمستقبل أو تنبيهاته للمستقبل أو فهم القرآن"!!

وللتأسيس لهكذا طيش وزيغ فكري مهّد السرجاني لنتيجة جده وكده ومعاناته في تزهيد المسلمين في إقامة أمر دينهم عبر طريقة وسنة نبيهم ﷺ خلافة على منهاج النبوة، بمقدمة انتحل منها ما سماه قاعدة "كلما تقدم الزمان تدهورت الأحوال" وأن "هذا الشر مستمر"، فهو لا ينقضي ولا يتغير، ولإسناد مسلّمته وقاعدته ساق لها روايتين؛ ما رواه الزبير بن عدي قال: "أتينا أنس بن مالك رضي الله عنه فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج فقال: اصبروا فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ﷺ". أما الرواية الثانية لإسناد مسلّمته وقاعدته فهي خبر رفع العلم، واستدل له بحديث عن شقيق قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى فقالا: قال النبي ﷺ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَأَيَّاماً يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ».

وبناء على الروايتين أسند وأسس وقعد. ثم أتى إلى الغاية التي التمس لها كل هذه الحجاح وهو تأويله لبشارة النبي ﷺ من حديث حذيفة بن اليمان «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، فاستخلص التالي:

* "حالة التدهور هذه لا تنبئ بوجود خلافة على منهاج النبوة قبل زمن المهدي وعيسى عليه السلام".

* "رفع العلم الشرعي وقبض العلماء وقلة العلم لا يؤهل الناس لقيام خلافة على منهاج النبوة قائمة على القرآن والسنة، لا الحكام ولا العلماء ولا الشعوب نفسها ستقبل هذا الأمر بشكل سلس طبيعي لاختفاء العلم الشرعي أو قلة العلم".

* "اصبروا: كلام في منتهى العمق والأهمية ونحن بحاجة له وبمنتهى الدقة لفهمه".

* "لن يجمع المسلمون تحت راية واحدة تجمعهم جمعا بقائد واحد وشعب واحد" حتى "لا يحبط المسلم لعدم حدوثه".

* "ويترتب على ذلك أن لا داعي مطلقا لتضييع دماء المسلمين وأوقات المسلمين وطاقات المسلمين في حروب تهدف إلى جمع المسلمين تحت راية واحدة... فلن يحصل".

* "ولا مانع من وجود دول إسلامية قوية تعيش جنبا إلى جنب في نوع من السلام والوئام والتعاون والمحبة وكل دولة لها حكمها ومُلْكها وتعيش حسب طريقتها... لا يمنع من توحيد المسلمين اتحادات منطقية معقولة ومقبولة على غرار الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة العالم الإسلامي أو تعاونات اقتصادية وتكتلات اجتماعية".

ثم تكلف وتعسّف الاستنتاج بأن ما تأوله واستنتجه واستخلصه هو حسب قوله "رؤية طرحها لنا رسول الله ﷺ كي نستفيد منها، لأن عقولنا عندما تشط وتفكر بدون الرجوع إلى القرآن والسنة تتخذ قرارات تؤذي أكثر مما تحقق الفائدة، لأنك ضللت بسبب ابتعادك عن تأويلات الرسول ﷺ للمستقبل أو تنبيهاته للمستقبل أو فهم القرآن".

تعقيبا نقول: من غرائب هذا الزمن بل من معضلاته، ولسنا ندري كيف يتأتى لمن لا يكون له الفقه وأصوله واللغة وعلومها والاجتهاد وملكته أن يكون فقيها مجتهدا، فضلا أن يعترض وينتقد ويرد آراء جهابذة الفقه المجتهدين، وفي أي أمة وملة تجد مثل هذا، وهل كل من عرف الحساب عرف منه الجبر وتعقيدات خوارزمياته والهندسة ودقيق حساباتها وتصاميمها؟! ولكنه زمن القاعد المتكئ على أريكته يحدث الناس أن من جدول ضربه استخلص واستحدث لهم جبره وخوارزمياته وأنشأ لهم هندسته الخاصة وتصاميمه!

حقيق العقل الناقص كالعين المريضة ترى الأشياء على غير حقيقتها معيبة معلولة، علما أن الأشياء صحيحة لا عيب فيها، ثم ينتهي ذلك العقل الناقص بصاحبه إلى العلم الناقص، فمتى تناول شيئا من دقائق الفكر أو الفقه إلا انتهى إلى الحكم بأن فيه عجزاً أو ضعفاً أو اضطراباً.

إلا أن أمر السرجاني أقبح وأخطر من عقل ناقص راودته خاطرة فكرية فطاش وزلّ وجانَب الصواب، بل هي الخطيئة سيقت في ثوب الخاطرة.

أولا ليكن معلوما أن من أنطق السرجاني لنسف بشارة "الخلافة على منهاج النبوة" وفرض الفروض وتاج ما أوجب الدّيان على المسلمين وعظيم أجر وثواب العاملين لها، وسَوْق الخسارة وقبيح معصية الركون إلى الظالمين والقبول بعيشة الجاهلين، هو عينه الذي أنطق جارية قطر قناة الجزيرة عبر برنامج ضلالها وإضلالها المستحدث "موازين" وحلقته الأخيرة حول الخلافة وصاحب الصناعة والبضاعة حزب التحرير، وقبلها حلقة "العلاقة بين العلماء والسلطة"، وسيرا على عادتها في استبدال الضلال بالبيان والباطل بالحق أوكلت لرخيص خدمتها تهوين أمر الخلافة والعاملين لها، وقبلها تسويق فرية وكذبة الأزمة التاريخية بين العلماء والحكام على شاكلة أزمة الكنيسة مع مفكري أوروبا، تمهيدا في خبث مكرها لتسويق العلمانية وفصل الإسلام عن حياة الجماعة كحل للأزمة. فالخلافة وصاحب دعوتها هي الفكرة التي أقضّت مضاجع ساسة الغرب ودوائره الفكرية بل وحرك ضدها همج ووحوش عساكره، وهي التي أفزعت وقطعت قلوب أذنابه فأخرجوا أقنانهم من جحورها لعلها وعساها في هوانها وذلتها بعود قشها تقلع الطود الأشم.

فما كان حديث السرجاني وبرنامج موازين وموضوع كليهما الخلافة صدفة أو مصادفة، فالزمن السياسي لا يؤمن بالصدف، ولكنه تصميم الماكر الخبيث نفسه من وراء الستار، وما السرجاني وقناة الجزيرة عبر برنامجها موازين إلا حطب ووقود لمحرك ماكينة كيده وخبيث مكره.

يا صاحب الخاطرة والتسجيل هي السياسة حدثناك بها، فإن كنت تدري فتلك خيانة لأمانة الدين، وإن كنت لا تدري فالخيانة أقبح وأشنع. أما عن ذلك البناء الفكري المتهافت لتلك الخاطرة والحديث عن فرض الفروض وتاجها الخلافة، عجبا يا زاعماً قراءة التاريخ والنظر في الوحي ما قرأت إذ قرأت وما نظرت إذ نظرت فلا تاريخا أبصرتَ ولا وحيا فقهت. شتان بين فقه يراد به ومنه خلاص أمة ومرضاة رب العالمين، فيطلب من مظانّه وتستنبط أحكامه من أدلة وحيه، متحكمة ناظمة للعقول متسلطة على الهوى قاهرة للنفوس لسان الحال معها سمعنا وأطعنا، وبين تقرير لنتيجة أُعدَّت سلفا وسيق لها البحث والموضوع، تُنتقى وتُجتزَأُ وتُنْخل لها الأدلة ويُنتحل لها الفقه. فالأول فقه مجرد من الهوى والغواية، أما الثاني فهو التلفيق عين الهوى والغواية.

أن تقرر ما زعمته قاعدة وسنة لا تبديل ولا تغيير لها لإسقاطها إسقاطا على الخلافة والعمل لها، ثم تأتي بروايتين لا تعلم لهما معنى لتتأول لهما فهمك لإسناد زعمك، فاعلم أن الوحي حاكم والعقل تبع له، وما العقل إلا أداة لفهم النص وليس لاتخاذ النص قنطرة لتمرير آراء المرء وأهوائه فذلك هو عين التلفيق. فالفقه في عرف المتشرعين مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفروعية بالنظر والاستدلال، ويعني كذلك العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية. والخلافة والعمل لها هي من صلب موضوع الأحكام الشرعية، وفقهها لا يكون إلا بالنظر في الأدلة للاستدلال بها لاستنباط الأحكام المتعلقة بها. أما أن تأتي بالحكم والنتيجة وتسوق لها الأدلة لإسنادها وتبريرها فتلك آفة المتفيقهين.

فمتى انتفى الدليل كل الدليل المتعلق بالنازلة وانتفت معه أدوات النظر والاستدلال من أصول فقه وفقه بالنصوص وعلوم لغتها صار الفقه على طريقة السرجاني جدالا وسجالا وشغبا، فلا حاجة إلى اطلاع ولا فكر ولا أصول ولا فقه ولا لغة ولا علم باستنباطات وفقه المجتهدين الأعلام ولا تحقيق ولا تمحيص، فلا عليك إن أصبح العامي فقيها والقصّاص مؤرخا والعشّاب طبيبا حاذقا، إذ حسْبُه من العلم أن يجعل من تخرصاته علما ويذيع في الناس أن ما تأوله هو "يقين الغيب" بل ويزيد "ورؤية طرحها لنا رسول الله ﷺ" فينسب عقيم تخرصاته وسقيم تأوله للشرع عبر ادعائه أنها رؤية الهادي ﷺ!

شتان بين اعتراض الغُمْر المقلد الفاقد لأصول الفقه وملكة الاجتهاد وبصيرة الفقيه، وبين استبصار المجتهد المالك للآلة وعلومها الغواص المستنير في بحور الوحي ولغته الذي لا تعوزه أداة الفهم ولا يلتوي عليه أمر من أمره.

لسنا نجد مثالا على سقيم فهم السرجاني وركيك عبارته، ففي انتحاله لقاعدة ديمومة الفساد نسف حقيق السنة الثابتة شرعا سنة التدافع والتغيير، يقول المولى سبحانه: ﴿...وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وفي سقيم تأوله لحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن الخلافة على منهاج النبوة نسف فرض الفروض وتاج فروض الإسلام الذي به يقام أمر الدين كله ودونه الجاهلية العمياء والضلالة السوداء، بل في طيشه وزيغه استنكر وأنكر السعي لإقامة تاج الفروض خلافة الإسلام مستقر ومستودع أحكامه.

حقيق كيف يعرف باب المخرج من جهل باب المدخل، وكيف يعلم المصادر من جهل الموارد! يا هذا، الخلافة قبل أن تكون جمعا من الناس تحت راية فهي رئاسة عامة للمسلمين جميعا في الدنيا لإقامة أحكام شرع رب العالمين، وحمل هداية الإسلام لغير المسلمين. ومن عظيم أمر الخلافة ألحقها علماء الأصول بمسائل أصول الدين فكانت من أبوابه (الإمامة/الخلافة)، قال إمام الحرمين في الإرشاد "الكلام في الإمامة ليس من أصول الاعتقاد والخطر على من يزل فيه يربى على الخطر على من يجهل أصلا من أصول الدين"، ومعناه وإن لم تكن الخلافة من أصول الاعتقاد فالزلل فيها خطره بمثل خطر الزلل في أصول الدين لبالغ أهميتها. يقول الإمام الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية "أما بعد فإن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيما خلف به النبوة، وحاط به الملة وفوض إليه السياسة ليصدر التدبير عن دين مشروع وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلا عليه استقرت قواعد الملة وانتظمت به مصالح الأمة...". وقال صاحب الفقه على المذاهب الأربعة "اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على أن الإمامة فرض وأنه لا بد للمسلمين من إمام يقيم شعائر الدين وينصف المظلومين من الظالمين، وعلى أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان لا متفقان ولا متفرقان".

عجبا لمن يجادل حقيقة الخلافة بجمل ركيكة باطلة المعنى والمفهوم! ولكنها العقول الضيقة المعتلة سحقها الواقع وأفسدها تقليد السوء، ونزع بها قربها والتصاقها بأنظمة الجور والفجور شر منزع، حتى استنزفتها بوائق أنظمة الضرار واستهلكتها غوايتها فشربوا من كأس ذلتها وخنوعها وعمالة حكامها، فصاروا نقيض ما يَدَّعُون وعكس ما يزعُمون، وبالجملة خذ أفعالهم فسمها غير أسمائها وانحلها غير صفاتها، ومن كذب الألفاظ على المعاني ألقابهم علماء ومصلحون وهم حقيقة نقيض العلم والإصلاح.

ترى الواحد منهم يرى بعينه المريضة وعقله السقيم أحكام رب العالمين فلا يرى في الخلافة إلا مسيرة ألف ميل تحت نار حارقة في صحراء مقفرة مغبرة، ولا يرى فيها تحكيما لشرع الحكيم العليم ونورا من أنوار رب العالمين وخلاصا ونجاة من تيه جاهلية كفرة الغرب الملاعين. بل أقبح وأشنع أن يرى السعي لتحكيم شرع رب العالمين وما كانت الخلافة على منهاج النبوة إلا طريقة وسنة وسيرة نبيه ﷺ، فلا يرى في هذا السعي إلا هدرا لدماء وأوقات وطاقات المسلمين!

حقيق أنى لمن سفه عقله أن ينقض أصلا فقهيا راسخا بسفاهة وسخافة استشراقية إفرنجية ركيكة متهافتة. اعلم أن السعي لخلافة الإسلام هو ديدن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم والفطاحلة الأعلام من فقهاء الإسلام، قال الصديق رضي الله عنه في خطبته حين مات رسول الله ﷺ وولي الخلافة من بعده: "ألا إن محمدا قد مات ولا بد لهذا الدين من يقوم به"، وقال عمر رضي الله عنه: "لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة". ويقول الهيثمي في الصواعق المحرقة: "اعلم أيضا أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن الرسول ﷺ"، وقال الجرجاني: "نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين وأعظم مقاصد الدين"، ويقول ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية: "يجب أن يعرف أن ولاة الأمر للناس (كناية عن الإمامة والإمام) من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها". وجاء في كتاب الإسلام والخلافة لصاحبه ضياء الدين الريس "إن علماء الإسلام قد أجمعوا كما عرفنا فيما تقدم على أن الخلافة أو الإمامة فرض أساسي من فروض الدين بل هو الفرض الأول أو الأهم لأنه يتوقف عليه سائر الفروض وتحقيق المصالح العامة للمسلمين، لذا أسموا هذا المنصب الإمامة العظمى... وهو إذا رأي كبار المجتهدين الأئمة الأربعة والعلماء أمثال الماوردي والجويني والغزالي والرازي والتفتازاني وابن خلدون وغيرهم وهم الأئمة الذين يأخذ المسلمون عنهم الدين".

يترك كل فقه فقهاء المسلمين الأعلام ليأتيك بكلامه الأجوف، فما يجدي التكلف والتعسف في العبارة مع خلو الكلام من فقه ومعنى؟! عجبا لعقل يزعم الرجوع إلى القرآن والسنة ثم يسعى لنسف أعظم سنة وأجل أوامر الجليل في السعي لتحكيم شرعه في أرضه! وكأنك بالسرجاني قرأ وما قرأ خلافة على منهاج النبوة وما فقه أن منهاج النبوة هو طريقة وسنة الرسول ﷺ، أوَيكون التأسي بالرسول ﷺ إماتة لسنته؟! أم تراه يحسب "على منهاج النبوة" نوعا من زجل الكلام وبديع أساليب البيان وبابا من أبواب بلاغة العدنان ﷺ، وما فقه أن الهادي ﷺ مبلّغ عن رب العالمين ما شرع لعباده من أحكام للتعبد بها، قبل أن يكون بلاغة وبيانا وجوامع الكلم.

عجبا لا ينتهي من هذه العقول كيف تعقل! يأتيك الواحد منهم في صفة الناسك الورع مستبطنا سوأة تشوهه المعرفي وانحرافه الفكري، وفي تناقض صارخ فاضح يأتيك بسطر مؤمن ينقضه سطر كافر، كقوله "لأن عقولنا عندما تشط ونفكر بدون الرجوع إلى القرآن والسنة"، ثم ينقض غزله بدعوة المسلمين لاتباع طرائق الغرب والرضا بأنظمة الكفر والتعايش مع الذل مفصحا ومصرحا "لا يمنع من توحيد المسلمين اتحادات منطقية ومعقولة ومقبولة على غرار الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي"، فيجهد في تزهيد المسلمين في السعي لتحكيم شرع رب العالمين بإقامة خلافة إسلامهم، ويكد في نسف كافر للبشارة وسوق آثم للخسارة أن اركنوا معشر المسلمين لرويبضاتكم واستنسخوا طرائق الكفرة المستعمرين، وعن ضنك عيشكم فاصبروا حتى يوم الدين، فرويبضاتكم ومن ورائهم الكافر المستعمر هو قدركم، ودويلات الضرار الوطنية التي خط حدودها وسدودها ودساتيرها الكافرُ المستعمر لتمزيقكم وشرذمتكم وذهاب ريحكم هي نصيبكم، بل غلبته شقوته في مخالفة جهابذة الفقهاء فأتى بقبيح اعتراضه زاعما لنفسه نظرا ولغيره من أعلام الفقهاء شططا "لأن عقولنا عندما تشط"، وفي زعم استقامته على القرآن والسنة وورعه الزائف دعانا إلى صراطه الأعوج إلى اتباع طرائق الغرب وصنائعه فينا كاتحاد المسلمين على غرار الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

سحقا كيف يكون الاعتراض على الجهابذة الأعلام بقول أراذل الأغرار!

قبح الله مناصب السفالة ومراتب السوء وشهادات الزور ودريهمات غمست في دراهم السحت لأنظمة الجور والفجور يبيع بها المرء دينه، ثم يزيف حقائق الشرع ويكذب على التاريخ ويدعي معرفة ديوانه ووقائعه وأحداثه وسننه، وما هو إلا قاصّ احترف القص واللصق دون تمحيص أو تدقيق لسند أو متن.

سل التاريخ كيف كانت أوروبا حتى صارت اتحادا أوروبيا، سل التاريخ كيف كانت شعوب أمريكا حتى صارت الولايات المتحدة الأمريكية من المحيط إلى المحيط، سل التاريخ كيف كانت روسيا القيصرية حتى صارت دولة الاتحاد السوفياتي على مساحة 22,4 مليون كلم مربع، شملت حدودها أغلب منطقة أوراسيا وشكلت 15% من يابسة الكرة الأرضية تحيط بها ثلاثة محيطات، عدد ساكنتها 293 مليون نسمة يتوزعون على 120 قوما وعرقا ولغة.

ها هو التاريخ يا قصاص التاريخ، أوَيحق للينين الشيوعي أن يقيم دولة شيوعية على أساس مادية وشيوعية ماركس الفاسدة الباطلة، دولة بحجم الاتحاد السوفياتي على اختلاف عرقيات شعوبها وتناقض مذاهبهم مع اصطدام الشيوعية بمللهم ونحلهم وفطرتهم، ولا يحق لأصحاب الوحي وحقيق الحق والعدل وخير أمة أخرجت للناس صاحبة الرسالة والشهادة أن تستن وتتأسى بالرسول الهادي محمد ﷺ وتستجيب لأمر ربها في تحكيم شرعه والانقياد لشريعته والاستسلام لسلطانه بإقامة خلافة إسلامه، وهي الأمة التي صنعها الوحي فصهر شعوبها في بوتقته فجعلها نسيجا فريدا في نسجه وتماسكه، واصطفاها لحمل الرسالة والشهادة على الناس فأودعها ختم وحيه وحقيق ويقين كلام الله لخلقه، فأنعم عليها بإسلامه وجعل قدرها أن تسود وتقود، فأسكنها خير أرضه وجعل لها موقعا استراتيجيا فريدا يتوسط الأرض من إندونيسيا شرقا حتى المغرب غربا، لاختصار مسافة وزمن وصول نور الإسلام إلى الحيارى وعطشى الهداية من الأمم الأخرى، وجعل بأيديها أقفال بحار الأرض ومفاتيحها (مضيق ملقا، مضيق هرمز، مضيق البوسفور، مضيق باب المندب، قناة السويس، مضيق جبل طارق) لتسيطر وتهيمن حقا وعدلا، ونزع عنها هَمَّ الدنيا وشُغْلها فما صُنِعت لوظيفة الأرض بل صُنعت على عين بصيرة لوظيفة السماء لهداية الخلق، فكفاها هَمَّ الدنيا فأغنى أرضها من عطائه حتى فاضت ثرواتها على العالم (النفط والغاز والذهب والفضة والنحاس والحديد والكوبالت والليثيوم والفوسفات والمعادن النادرة)، وجعل سِنَّها من سن شبابها وطاقَتها في فتوتهم وقوتهم وعزمهم وإقدامهم فهي لا تشيخ ولا تشيب فتعداد المسلمين اليوم 1,9 مليار مسلم جلهم من الشباب. كل هذا يا سرجاني ليس لتكون هذه الأمة جمعا هملا في ذيل الأمم تستجدي قوتها ويتعسفها الرويبضات بطيشهم وسفههم، ولا لتكون جمعا متناقضا من دول الضرار على شاكلة اتحادك الأوروبي الذي تتقاذفه وتتنازعه مصالح دوله الاستعمارية حتى أضحى حال القوم تهارش كلاب وتطاحن وحش على نهب العالم واستعماره. بل قدر هذه الأمة أن تكون وحدة واحدة؛ خلافة على منهاج النبوة تحت راية إمام واحد أو لا تكون، شاء من شاء وأبى من أبى بعز عزيز أو بذل ذليل، خلافة يعز الله بها الإسلام ويذل بها الكفر.

قُتِلَت هذه الأنفس التي تذل لأحقر من في الأرض رويبضة حقير عميل خسيس، ولا تنفر وتثور إلا على السماء والربانيين من أهل الأرض، قُتِلَت هذه العقول التي كل همها فينا هو ركسنا إلى مستنقع هذه الجاهلية الآسن وواقعها القذر المتعفن.

فليعلم الأقنان وأسيادهم أن هذا الدين دين الله وقد أحاطه القوي المتين بحفظه، ومن حكمته في حفظه أنه متى رمانا الكافر عبر أذنابه بمتهوك أو متزندق أو مغفل يكيد لهذا الدين ويمكر بأهله إذ بالناس أشد التصاقا بدينهم وأبلغ ما كانوا دفعا واندفاعا واستماتة في الذود عنه، وإذ بالدين أقوى ما كان في نفوسهم وأثبت. ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر