السودان: ظلمات الاتفاق الإطاري  أم نور الدستور المنبثق من كتاب الله وسنة رسوله؟
September 18, 2025

السودان: ظلمات الاتفاق الإطاري أم نور الدستور المنبثق من كتاب الله وسنة رسوله؟

السودان: ظلمات الاتفاق الإطاري

أم نور الدستور المنبثق من كتاب الله وسنة رسوله؟

ليس غريبا أن يعلم كل متابع للمشهد السياسي في السودان أن هذه الحرب كانت بترتيب وإشراف أمريكي قذر وخبيث لتحقيق أجندتها وكسر شوكة منافسيها الأوروبيين، خاصة عملاء بريطانيا المدنيين، فهذه الحرب ترعاها أمريكا فهي لعبتها اللعينة. وأكبر شاهد أن تصريح إطالة أمد الحرب كان على لسان وزير الخارجية الأمريكي بلينكن. وإطالة هذه الحرب ليست للحسم ولا حفظ الدماء وإيقاف الخراب الذي أهلك البلاد والعباد، وإنما هو كرٌّ وفرّ، ومحاولات لفرض الرؤية السياسية التي تضمن وتحفظ مصالح أمريكا في البلد.

وتصريحات أمريكا الأخيرة لفرض السلام وإنهاء الحرب ليست لحفظ الدماء ولا وقف سفكها أو خوفاً على السودان وكرامة أهله وأعراضهم، فهذا آخر ما يفكر فيه المستعمر، إنما هو من باب إحلال السلام بالقوة لتحقيق أمرين: الأول فرض هيبة أمريكا وإثبات نفسها كدولة أولى في العالم، فتوقف الحرب متى شاءت وتأذن باستمرار الحرب حين تريد. والثاني: الحفاظ أيضاً على مصالح أمريكا في كل العالم ومنه السودان، فالحرب التي أشعلتها لإقصاء نفوذ الأوروبيين، ستوقفها حين تضمن حفظ هذه المصالح بالرؤية السياسية التي تفرضها هي. وفي جميع الحالات: دمار للسودان وضنك لأهله، سفك دماء واستباحة كرامات ونهب خيرات.

وهذا الواقع ليس غريباً ولا مستهجناً، بل هو الأمر الطبيعي في ظل النظام الرأسمالي. فأيُّ دولة في العالم اليوم في ظل هذا المبدأ الفاسد يهنأ أهلها برغد العيش؟ أي دولة يعيش فيها الإنسان مكرماً آمناً على نفسه وماله وعرضه ودينه وكرامته دون أن تنهب أمريكا أو غيرها ثرواته وتحاصصه فيها وتضيق عليه عيشه؟ لكن المضحك المبكي أن تأتي لتنفيذ سياسات أمريكا حكومة باسم حكومة الأمل، رئيس الوزراء فيها هو مسؤول سابق في الأمم المتحدة!

أي أمل وهذه الحكومة ورسالتها "تحقيق الأمن والعيش الرغيد والرفاه للشعب" تنوي تحقيق هذه الأهداف بنظام الحكم العلماني الديمقراطي نفسه، الذي ظل يطبق، منذ دخول قوات الكافر المستعمر كتشنر إلى السودان سنة 1898م وحتى اليوم، وقد فشل فشلاً ذريعاً فلا أمناً حقق، ولا عيشاً رغيداً ضمن ولا رفاه للشعب جلب، بل هي ظلمات بعضها فوق بعض من ضنك إلى ضنك، من فصل الجنوب والحرب الدامية التي استمرت سنوات أيام البشير إلى الحرب بين البرهان وحميدتي ومحاولات فصل دارفور وبينهما عشرات آلاف المظلومين ونهب لخيرات البلد وتدمير للبنية التحتية.

تخرج التصريحات السياسية بين أطراف الصراع تتناوش على حصص في حكومة هجينة، تكنوقراط أو سواها، على منصب أو مقعد في حكومة لا تملك إلا تنفيذ إملاءات أمريكا، واختلافات على حقوق المهمشين أو الاستحقاقات الوزارية.. شعارات شتى وتسمع جعجعة ولا ترى طحناً. فكل هؤلاء الوزراء وكل الساعين للتصدر للمشهد السياسي الذي تصوغه أمريكا إنما يسعون لمطامح شخصية وجاه دنيوي، يصدرون للشعب المكلوم شعارات براقة عن الأمل والعيش الرغيد وغيرها، ولا تجد فيهم واحداً يملك خطة واضحة ومشروعاً مفصلا للنهوض بالسودان وتعميره وحفظ دماء أهله وكراماتهم.

لا تجد من الأحزاب السياسية غير الصادق الذي لا يكذب أمته؛ حزب التحرير، من يملك مشروعاً مفصلاً واضحاً ينبثق من عقيدة أهل هذا البلد الطيبين، مشروع كفيل بإنهاء الصراعات الدموية وإنقاذ السودان من صراع الدول الطامعة السياسي؛ لأن حزب التحرير حزب سياسي غايته استئناف الحياة الإسلامية، فهو بكل وضوح يقدم فكره ومشروعه للساحة، ويخاطب الأمة وقواها الحية لتتبنى هذا المشروع وتنصره فيطبق ويكون فيه عز الإسلام وأهله.

مشروع معروض للأمة وأعد له رجاله الذي يحملون الإسلام فكرة وطريقة، وهو معلوم ليس مجهولا، وقابل للمناقشة بالحجة والدليل الشرعي، والحزب يضمن للأمة بتطبيق مشروعه المستنبط من كتاب الله وسنة رسوله أن تنتهي مآسيها وتنعتق من استبداد أمريكا وأوروبا وغيرهما. وله رجال يحملون همَّ نهضة أمتهم لا همَّ مناصبهم، ويعلمون أن رعايتهم للأمة وتطبيق شرع الله هو فرض سيُحاسبون عليه أمام الله، لا تشريف في مجالس الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

الفرق بين حكومة الأمل ومشروع الاتفاق الإطاري أو غيره مما تعده أمريكا للسودان، وبين مشروع الدستور الذي أعدَّه حزب التحرير للأمة، كالفرق بين الظلمات والنور.

أهل السودان يريدون حكومة تعالج مشكلاتهم، وترتقي بحياتهم إلى مستوى عيش الإنسان، من خلال ضمان إشباع حاجاتهم الأساسية للفرد (المأكل والملبس والمسكن)، وضمان إشباع حاجات الجماعة الأساسية (الأمن، التعليم، والعلاج)، وما يقتضيه ذلك من توفير المياه النقية والكهرباء والبنية التحتية؛ من شبكات اتصالات وطرق وجسور وغيرها، وما يقتضيه كل ذلك من إيقاف نهب ثروات البلاد، ورد أموال الملكيات العامة إلى أصحابها، وعمدة ذلك كله إنما هو اقتلاع نفوذ الكافر المستعمر من بلادنا. هذا هو الذي يوجد الأمل عند أهل السودان، وهو ما لا تستطيع حكومة كامل إدريس تحقيقه. لأنها بكل بساطة تطبق العلمانية التي أثبتت فشلها في كل أنحاء العالم وعلى كافة الصعد. مبدأ يتبنى عقيدة فصل الدين عن الحياة والتنكر لحق الخالق في التشريع، فيجعل إشباع الفرد لملذاته وحاجاته هي الغاية وهي الهدف وهي سبيل السعادة، ويجعل البقاء للأقوى، ومعيار النجاح فيه هو زيادة المكتسبات الفردية بأي طريق ولو كان يضر الآخرين، فإن القانون لا يحمي المغفلين، ويكدس الثروات بيد قلة قليلة تستحق امتلاكها لأنها الأذكى والأقدر على تملكها دون أن يعبأ بالمستضعفين أو الفئات الأقل حظاً.. همُّ الدولة فيه هي الحفاظ على مستوى إنتاج مناسب ومستوى اقتصادي مرتفع يضمن هيبتها وهيمنة ذوي المصالح فيها. مبدأ لا قيمة للفرد فيه إلا بقدر ما يحقق من مصالح للطبقة العليا. مبدأ يبيح انتهاك حرمات الشعوب ونهب خيراتهم ويبيح تبرير هذه الجريمة باسم حقوق الإنسان ونشر الحريات!

فالأنظمة الديمقراطية تفرِّخ المجرمين، بل تصنع الإجرام، وترعى الفساد، بسبب ضعف العقوبات عندهم، فهم يظنون أنهم أرحم بالناس من خالقهم، وليس بعد الكفر ذنب.

أما الأمل الحقيقي للسودان فلن يكون إلا في ظل الإسلام الذي يعتنقه أهل السودان، عقيدة وأنظمة حياة كاملة إلى قيام الساعة، يقول سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسلام دِيناً﴾، هذا الإسلام هو الحق، والأمل لا يولد إلا في ظل الحق. وعندما يصبح نظام الخلافة قائما، فيولد الأمل في حياة كريمة في ظل الإسلام، للآتي:

 أولاً: فور إعلان قيام دولة الخلافة يعلن الخليفة إبطال العمل بالدستور الوضعي، والبدء مباشرة بتطبيق الدستور الإسلامي المستنبط من الكتاب والسنة، وسيقطع بذلك يد الغرب الكافر ويرفض أي تدخل خارجي.

ثانياً: سيبدأ الخليفة فوراً في تعيين المعاونين والولاة، ويشرع فورا في علاج مشكلات الرعية، بعيداً عن أية محاصصات، فالسلطان شرعاً للأمة، وليس لمن يحمل السلاح ويتخابر مع الخارج. وسيقوم بتقريب أهل العلم والتقوى والخير، وهو بذلك يرسم هوية الأمة الحقيقية.

ثالثاً: ستنهي الخلافة أي اتفاقيات باطلة اقتصادية أو سياسية مع الخارج، وينهي نهب الغرب لثروات البلد فيتخذ من ثروة الأمة الفكرية والمادية، سلماً ترتقي به لتكون الدولة الأولى في العالم كما كانت من قبل.

رابعاً: سينهي الخليفة أي وجود لأي أوكار تجسس من الخارج، فعمل السفارات والبعثات الدبلوماسية يقتصر على نقل الرسائل بين الخليفة ودول الخارج فقط، لا التدخل في الشأن السياسي للبلد ولا التجول فيه ونهب ثرواته. وسيعمل على ضمان رعاية حقوق أهل الذمة أياً كان اعتقادهم أو عرقهم حسب أحكام الشرع، فينهي بذلك ملفات المهمشين والتمييز العنصري والطائفية. فالإسلام كفيل بإعطاء كل ذي حق حقه.

خامساً: سيجعل خليفة المسلمين القوة المسلحة في الدولة قوة واحدة، يرأسها هو، ويوقف عبث صناعة مليشيات جديدة مع كل صباح جديد، بل والأنكى والأمر، أن بعضها يتم تدريبها في دول خارجية! ثم ننشد أملا وحياة كريمة، تحت ظلال هذه القوى المسلحة المتعددة!

سادساً: ستوظف الخلافة كل طاقاتها الإعلامية لنشر رسالة الإسلام وعدله وصدقه للناس، وتنشر الثقافة الإسلامية في الدولة فترعى العلم والعلماء وتحرص على إنهاء أي مظهر لا يرضي الله من فكر أو ثقافة دخيلة، فيبقى المجتمع الإسلامي مجتمع إخاء ورحمة وتعاون على البر والتقوى، وإلى جانب ذلك فهي بتوفير الحاجات الأساسية للفرد والمجتمع وإعادة الملكيات العامة وملكية الدولة كلٌّ لأصحابه، وإنفاق المال في مستحقه الذي أوجبه الله، ومع تطبيق الحدود والعقوبات الشرعية تضمن مجتمعاً آمناً ينعم أهله بالأمن والأمان وينشغل فيه أهله بالبناء والرقي الفكري والسياسي وحمل الإسلام، لا بتجميع قوتهم أو قتل بعضهم بعضا ونشر الفساد والفوضى.

هذا غيض من فيض أحكام الإسلام، عندما نقدمها مشروعاً للأمة يمكنها أن تبعث الأمل في حياة كريمة، ويوم توضع موضع التطبيق والتنفيذ، ستنقلب حياتنا رأساً على عقب فيتبع الأمل عملاً ينقلنا إلى اقتعاد ذرى المجد كما كنا من قبل، وما ذلك على الله بعزيز.

يقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.

#أزمة_السودان           #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي في حزب التحرير

بيان جمال

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر