السياسة...؟
November 09, 2010

السياسة...؟

قيل لأحدهم وقد وضع عَلَمين على قميصه (أحدهما لدولة غرّبية والآخر لدولة عربية)، لماذا تضع هذين العلمين على قميصك؟! فأجاب مندهشاً، وما الضرر في ذلك؟! فقيل له ألا تعلم بأن مثل هذا الفعل حرام؟ فقال وكيف ذلك؟! قيل له، أما العَلَم الأول فهو رمز الظلم والقتل والإستعمار واستباحة دم المسلم ونهب خيراته، وأما الآخر فهو رمز الإنفصال والإنقسام عن جسم الأمة ورمز الفرقة و الوطنية والقومية، فلا يجوز موالاة أحدهما أو كليهما. فقال آخر كان يقف بجواره وما لنا وللسياسة؟ وما علاقة الدين بالسياسة؟ فلنضع السياسة على جانب والدين على جانب آخر.


إنّ مثل هذه العبارات تطفوا على السطح عادة عندما يخوض الناس في حديث سياسي ما، ويعلّلون ذلك بقولهم إنّ السياسة هي المكر والكذب والدهاء والخديعة، وهذه الصفات بعيدة كل البعد عن مفهوم الدين الذي يتصف بالرحمة والصدق والأمانة والخير والسلام والمحبة، فكيف للدين الذي يدعو الى الصفات الخُلقية الرفيعة أن يكون له علاقة بالسياسة البعيدة كل البعد عن القيم الأخلاقية؟ فالجمع بينها جُرم فاحش. ولذلك فإن السياسة لا علاقة لها بالدين، وعليه لا بد من فصلهما عن بعضهما البعض.


وهناك عبارات أخرى نسمعها بين الفينة والأخرى على الفضائيات أو نقرأها في الصحف والمجلات على ألسن من يُسمَّون بالمفكرين السياسيين، من مثل أن السياسة فنّ الممكن أو الرضا بالأمر الواقع، وبناءً عليه لا تستطيع الأمة أن تكون سياسية لا من قريب ولا من بعيد، لأنه لا يوجد لها إمكانيات مادية أو فكرية كي تفرض أمرها أو تغير واقعها، بل إن الإمكانيات كلها محتكرة في يد الغرب، والأمة لا تملك إلا أن ترضى بالأمر الواقع وتسير حسبه، فالواقع الآن، وعلى سبيل المثال، يفرض على الأمة الإذعان للغرب وشروطه، والقبول والتسليم باحتلال أرض فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها. وعليه فإن الأمة لا تستطيع أن تكون فاعلة في الموقف الدولي بل خاضعة له.


فما هي حقيقة هذه المقولات وما هو واقعها؟ وما هو التعريف الحقيقي للسياسة؟ وما هي نظرة الإسلام للسياسة؟ وهل حقيقة أن الإسلام ليس له دخل بالسياسة؟. ففي هذا المقال سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات من وجهة نظر الاسلام.


جاء في لسان العرب لإبن منظور: «والسَّوْسُ: الرِّياسَةُ، يقال ساسوهم سَوْساً. وسَاس الأَمرَ سِياسةً: قام به. والسِّياسةُ: القيامُ على الشيء بما يُصْلِحه. والسياسةُ: فعل السائس. يقال: هو يَسُوسُ الدوابَّ إِذا قام عليها وراضَها، والوالي يَسُوسُ رَعِيَّتَه». فالسياسة في اللغة، هي القيام بالأمر ورعايته، سواء كان هذا الأمر متعلقاً بالإنسان أم بالحيوان أم بغيره.


أما السياسة في الإصطلاح الشرعي فإننا نستطيع استخلاصها من حديث الرسول «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» رواه البخاري. أي أن الأنبياء هم من كانوا يسوسون ،أي يقومون برعاية شؤون بني اسرائيل وأمرهم، وأن من يقوم برعاية أمر الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم الخلفاء فأًمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطاعتهم لأن الله سائلهم عما استرعاهم.


فالسياسة من منظور الإسلام هي الرعاية والمسؤولية والقيام على شؤون الناس بما يُصلحهم حسب أحكام الإسلام وشريعته، وهذا ما يقرره حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يرويه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قَالَ أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». وعليه فإن السياسة في الإسلام هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً. أي تطبيق أحكام الإسلام على الناس في داخل دولة الإسلام تطبيقا كاملا شاملا لجميع مناحي الحياة، وهذا ما يسمى بالسياسة الداخلية في الإسلام، وحمله الى العالم لتطبيقه على الناس، وهذا ما يسمى بالسياسة الخارجية في الإسلام. فالإسلام يفرض على المسلمين العيش بحسب أحكامه وقوانينه أي يفرض عليهم العمل بالسياسة، لأن فيه من الأحكام ما يُصلح شأن البشر في كل زمان ومكان، وعليه فإن الإسلام دين سياسي من الدرجة الأولى، فالرسول وصحابته من بعده والخلفاء كانوا سياسيين من الطراز الأول، لأنهم طبقوا الإسلام في الداخل وحملوه لهداية البشر في الخارج.


وبناءً على ذلك فان السياسة فرض، فقد فرضها الله على الحاكم وجعلها مسؤولية في عنقه يحاسب عليها يوم القيامة، ولقد فرض الله كذلك على المسلمين العمل في السياسة، أفرادٍ وجماعات وأئمة وعلماء، عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحاكم اذا قصّر في حكمه أو إذا خالف حكما شرعيا. فلا ينبغي لعالم أو إمام أن يجبن ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا رأى ظلم الحاكم يقع على الرعية، ولا يحق للحركات والأحزاب الإسلامية ولا أئمة المساجد غض البصر عما يحدث للأمة من قتل وسفك دم دون التعرض له وبيانه للناس وتوعيتهم عليه. إنه لمن المبكي أن ينشغل أئمة المساجد في الحديث عن الإنخراط في الإنتخابات والذوبان في المجتمعات في الوقت الذي تُقصف فيه الباكستان وأفغانستان، وفي الوقت الذي تتعرض فيه السودان الى جريمة الإنقسام. قال الله تعالى: ) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران 144). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «...ثُمَّ قَالَ كَلَّا وَاللهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا» رواه أبو داوود.


ولم تقتصر السياسة على الحُكّام بل فرضها الله سبحانه وتعالى على الرجل فهو يعمل بالسياسة في بيته برعايته شؤون البيت، فلقد أوجب الشرع عليه تأمين المأكل والملبس والمسكن لمن يعول، كما أن المرأة تعمل في السياسة لأن الإسلام فرض عليها رعاية شؤون البيت الداخلية وهي مُحاسبة على ذلك، وحتى العبد يعمل في السياسة لأن الله فرض عليه رعاية شؤون مال سيده وهو محاسب على ذلك.


وعليه فإن العبارات التي ذ ُكرت سابقا لا علاقة لها بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد، وهي تخالف مفهوم السياسة في الإسلام، ولقد وضعها الغرب جزءاً من غزوه الفكري للأمة الإسلامية من أجل تمييع مفهوم السياسة الحقيقي عند المسلمين.


أما مقولة أن السياسة هي الكذب والخداع، فان هذه المقولة تعود الى النظرية الميكافيلية، والميكافيلية هي مبدأ سياسي ابتدعه الفيلسوف الإيطالي ماكيافيلي المتوفي عام 1527م ودَوَّنه في كتابه الأمير. ويقضي هذا المبدأ بإيثار الغشّ والخداع والمراوغة والتسويف وسوء النية والدهاء والأنانية في تحقيق الأهداف المنشودة، دون إقامة أي اعتبار إلى مبادئ الدين والأخلاق، على أساس أنّ الغاية تبرّر الوسيلة.


فهذه التعريفات أوجدها سياسيو الغرب بداية من أجل تبرير ما يقومون به من ظلم للبلاد وللعباد، ومن ثم قاموا بغرسها في نفوس أبناء الأمة الإسلامية كي يصرفوا عنهم الفهم الحقيقي للإسلام بأنه نظام حياة متكامل، وبالتالي لا يعملوا على إيجاده في واقع الحياة، لانه بعيد عن خُبث السياسة ومكرها، ودهاء السياسيين ومراوغاتهم.


وأما مقولة أن السياسة فن الممكن، فإن الغاية منها هو جعل الأمة تُقرّ وتقبل بالأمر الواقع والإنهزامية. فهي لا تمتلك الإمكانيات الفكرية والمادية لتغيير واقعها الى الأحسن، وبالتالي يجب أن تبقى في ذيل الأمم، وأن كل محاولة للتغيير والنهوض بالأمة وإعادتها الى مجدها وعزها حتما ستؤول الى الفشل، وبالتالي فإن نهضة الأمة وتغيير حالها ضرب من الخيال لا يستطيع أحد مهما كانت قوته تحقيقها.


والرد على كل من يتشدق بهذه المصطلحات الغربية الغريبة، هو أن العقيدة الإسلامية عقيدة سياسية، فمنها انبثقت سياسة داخلية لم يوجد مثلها في التاريخ، فكان منها النظام الإجتماعي الذي حدد العلاقة بين الرجل والمرأة ورعاها أدق رعاية، و حافظ من خلالها على النسل والنسب، فحرم الزنى واللواط والإختلاط وأمر بصلة الرحم وبر الوالدين، فكان هذا النسيج الإجتماعي المتماسك. وكانت السياسة الإقتصادية المُثلى التي عالجت المشكلة الإقتصادية علاجا ناجعاً، بحيث فرضت نظاما اقتصاديا في توزيع الثروة كفل لكل فرد اشباع حاجاته الأساسية ومكّنته من تحقيق أعلى مستوى من الرفاه فقضت على الفقر والعَوَز، فكانت أحكام الزكاة والملكيات، وأحكام الأراضي والبيوع والشركات، وكان تحريم الربا والغبن والإحتكار. كما جاء الإسلام بنظام حُكم فريد من نوعه جعل الحاكمية فيه لله وحده، والسيادة للشرع، والسلطان للأمة، فكانت أحكام البيعة وأحكام عزل الخليفة، وكانت أحكام الولاة وعزلهم ومحاسبتهم. وأما على صعيد السياسة الخارجية التي جُعِلت الغاية منها نشر الإسلام للعالم فكانت أحكام الجهاد وأحكام الصلح والهدنة وحسن الجوار وكانت أحكام العلاقات الدولية.


إن أحكام الإسلام وأفكاره سياسيةً وليست ضربا من الخيال كما يدّعي مُروجو الفكرالغربي، بل هي حقيقية وواقعية تم تطبيقها على مدار عشرات العقود، وهي وحدها القادر على تغيير واقع الأمة إلى الأحسن، بل إن الأمة إذا ما طبقتها فإنها ستكون الفاعل الوحيد في الموقف الدولي، وستكون لها القدرة على وضع القانون الدولي حسب سياسة الإسلام والتي ستُخضع العالم له. أوَ بعد هذه السياسات والأنظمة يبقى من يقول أن السياسة بعيدة عن الدين وأن لا علاقة للإسلام بالسياسة؟!.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير- الأستاذ أبو أسيد جزاه الله خيرا

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن