السياسي بلا خطوط عريضة كالذي يتسلق حبال الهواء
October 01, 2019

السياسي بلا خطوط عريضة كالذي يتسلق حبال الهواء

السياسي بلا خطوط عريضة كالذي يتسلق حبال الهواء

جرت العادة على أن لكل علم أو ثقافة أو فكر في ناحية من نواحي الحياة خطوطاً من خطوط عريضة أو قواعد معينة تركز فيها ويبنى عليها أبجديات الفهم في هذا العلم أو الثقافة أو الفكر. وبدون ذلك يكون الفهم عرضة للأهواء والرغبات، أو النزعات والعصبيات، ويدخل في الأفهام أمور كثيرة واعتبارات خطيرة لا علاقة لها بالحقائق والوقائع مما يلوث الأفهام فيضللها ويحيد بذلك الإنسان عن طريق الجادة.

وإن كان وضع القواعد والخطوط العريضة من الأمور المهمة في كل العلوم والثقافات ومجالات الحياة، كان الأمر أكثر أهمية وأشد وطأة في الأمور السياسية عن غيرها من مجالات الحياة والسبب في ذلك هو ديمومة التضليل والخداع الفكري للحقائق الذي يمارسه المستعمر والرأسمالي من أجل إبقاء مصالحه الاستعمارية مؤمنة وإبقاء فريسته من الدول المستعمرة مكبلة بالمخاوف والأوهام لتبقى تابعة له ومسوقة لرغباته وأطماعه.

ولتيسير الفهم نضرب مثالا من خارج السياسة لتوضيح هذه الخطوط العريضة أو القواعد التي هي ببساطة ركائز لترسيخ الأفهام وتيسير العلوم وضبطها..

تخيل كيف ستكون اللغة مثلا دون علم القواعد أو الشعر دون العروض... تخيل أن أحدهم يريد أن يتحدث دون أن يلحن مع أنه يجهل حقيقة أن الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب والحال منصوب وهكذا، تخيل حجم الأخطاء التي سيرتكبها عند الكلام أو حال إلقاء خطبة أو درس أو حال محاولته فهم نص وخصوصا إذا كانت النصوص متعلقة بالعقيدة أو الفقه أو... تخيل شاعرا يريد أن ينسج شعرا مع أنه يجهل علم العروض، وحتى لو كانت قريحته الشعرية بحراً لا ينضب. في أي قالب سيصب شعره إذا كان يجهل علم العروض الذي هو بمثابة أساسيات وهيكلا للشعر ونسجه وصياغته؟!

هذا الأمر يشبه إلى حد بعيد الفهم في أمور السياسة. ففهم السياسة له أصول وقواعد وإلا كان السياسي في تحليله وفهمه يتسلق حبال الهواء ويقود أمته وقومه إلى طريق الهلاك وإلى الهاوية. ذلك أن عمل السياسي له مردود كبير على الجماعة ككل، فعمله خطير متعلق برعاية شؤون أمته سواء مباشرة من ناحية تنفيذية أو محاسبة ومراقبة. فلا يجوز بناء الفهم السياسي والتحاليل ورعاية الشؤون دون خطوط عريضة تكون كحبال النجاة وكدعامات وكركائز وكمحطات للسير لخوض غمار وأخطار وتحديات الحياة التي تعيشها الأمة والشعوب بصورة آمنة ولاتخاذ مواقف حكيمة حال رعاية الشؤون وتحديد الأهداف ورسم الخطط واتخاذ أساليب العمل ووسائله.

بدون ذلك ينهار الفهم والعمل السياسي وتسير أمور رعاية الشؤون دون ضابط ودون معايير ويكثر التخبط بالأفهام والتذبذب بالآراء عند كل حدث أو عند سماع كل خبر. وهذا أمر لا يستقيم أبدا وخصوصا في السياسة التي تكاد تطال معظم جوانب الحياة وتتدخل في كافة شؤونها.

ولذلك لا بد للسياسي من اتخاذ خطوط عريضة تكون سر صنعته وأساس أفهامه وركنه الحصين أثناء شروعه في تحليل وبناء وفهم القضايا والأمور. هذه الخطوط العريضة يرجع إليها دائما ليستطيع أن يخرج بفهم دقيق واضح من بين كل أنواع التضليل والمغالطات التي يمارسها المستعمر والرأسمالي في الصحف والمجلات والتلفزيون والفضائيات ووسائل التواصل الإلكتروني وعن طريق أجهزة المخابرات وأوساط الفكر... إلخ. وبذلك تجد السياسي يعرف خفايا الأمور لا ظاهرها فقط ويستطيع أن يجمع المعلومات المفيدة واللازمة التي تعينه على الفهم الصحيح ونسج التحاليل السياسية السليمة وبالتالي رسم وكشف الخطط.

وينبغي ملاحظة فرق مهم جدا عند رسم الخطوط العريضة في السياسة: إن قسما كبيرا من هذه الخطوط العريضة يبنى على معلومات الواقع وفهم الآن، أي لفترة من الفترات فهي ليست قواعد صالحة لأي وقت وأي زمان، أما في العلوم الأخرى ونواحي الحياة الأخرى فهي على الأغلب ثابتة صالحة لمعظم الأوقات. أما الخطوط العريضة في السياسة فتتشكل لدى السياسي بسبب مواقف الدول وعلاقاتها سواء دوليا أو إقليميا أو محليا، وهذه المواقف والعلاقات دائمية التغير والتبدل ولذلك كان على السياسي دوام المتابعة والمراقبة لاستبدال الخطوط العريضة وحتى لا يبقى على قديمه وحتى لا تنهار أسس فهم الأحداث والقضايا لديه. فالعالم في تغير وتبدل والدول تبنى وتنهار والحكومات والولاءات تتغير وتتبدل، والأحلاف والتكتلات تتجدد وتتفكك وتضعف وتقوى، والصداقات والعداوات ليست دائمية ومستمرة، والمصالح تتغير وتتجدد، والموقف الدولي والصراع فيه متغير وإن كان ببطء، ولذلك كانت مداومة تجديد الخطوط العريضة في السياسة أمرا فائق الأهمية وبدون ذلك يصعب على السياسي دوام كيل الأمور بمكيالها الصحيح. وهذا عمل السياسي الرائد الذي لا يكذب أهله ولا يخدعهم بل يرعاهم حق الرعاية.

ومثال على الخطوط العريضة وكيفية فهم الأخبار المتضاربة حول حدث ما بواسطة هذه الخطوط العريضة العلاقة بين إيران وأمريكا.

إذا تابعنا معظم الأخبار في العالم عموما وفِي الشرق الأوسط خصوصا المتعلقة بإيران تجدها أطناناً من الأخبار المغلوطة والمضللة تدور حول إحدى هذه المواضيع:

١- أن العلاقة بين إيران وأمريكا هي علاقة عداء

٢- وأن الحرب قد تنشب بين الطرفين في أي لحظة وأن إيران مستعدة لخوض غمار هذه الحرب الضروس

٣- وأن إيران تقوم بالتمدد والتوسع في المنطقة استجابة للمذهب الشيعي الجعفري وأن إيران لها مشروع ورسالة في المنطقة

4- أخبار متعلقة بالبرنامج النووي الذي تهدد فيه إيران أعداءها من دول الخليج وكيان يهود

5- والعقوبات المفروضة على إيران

6- وأخبار متعلقة بحالة العداء بين إيران (وحزبها في لبنان) وكيان يهود

ولمحاولة رسم خط عريض بالنسبة لعلاقة إيران بأمريكا علينا أن نذكر بعض النقاط المهمة:

إن دور أمريكا في الثورة الإيرانية كان واضحاً منذ بداياتها، فخلال وجود الخميني في فرنسا في "توغل لوشاتو" زاره موفدون من البيت الأبيض وتم الاتفاق على تعاون الخميني مع أمريكا، وقد تحدثت يومئذ الصحف الأمريكية عن ذلك وعن الاجتماعات التي حصلت هناك... وقد كشف ذلك مؤخراً أول رئيس لإيران أبو الحسن بني صدر في تاريخ متأخر وبالضبط في 2000/12/1 مع قناة الجزيرة بأن موفدين من البيت الأبيض جاءوا إلى "توغل لوشاتو" في فرنسا حيث يقيم الخميني واستقبلهم يزدي وبازركان وموسوي وأرديبيلي... وكانت هناك لقاءات كثيرة بين الطرفين وأشهرها لقاء أكتوبر الذي جرى في ضواحي باريس ووقعت فيه اتفاقات بين جماعة ريغان وبوش وجماعة الخميني. حيث صرح الخميني بأنه على استعداد أن يتعاون مع أمريكا بشرط ألا تتدخل في شؤون إيران الداخلية". بعد ذلك عاد الخميني في 1979/2/1 على متن طائرة فرنسية ليحط في طهران، فضغطت أمريكا على شاهبور باختيار ليسلم الحكم للخميني وهددت قادة الجيش الإيراني إذا اعترضوا سبيل الخميني، ومن ثم أصبح الخميني هو المرشد وهو الحاكم، وتم إعداد دستور مثل الدساتير الموجودة في البلاد الإسلامية الأخرى وفق الأنظمة الغربية الرأسمالية، فدستور إيران فيه محاكاة للدساتير الغربية.

وأما مسألة المذهب الذي حددته كمذهب رسمي للنظام فلم تحدده كرسالة ومشروع تحمله، وهي لم تؤسس نظامها على هذا المذهب، ولم تضع دستورها على أساسه، وليست مواده مأخوذة منه، بل إن المواد الأساسية التي تتعلق بنظام الحكم والسياسة الخارجية وما يتعلق بالجيش والأمن مأخوذة من النظام الرأسمالي، فهي تشبه النظام السعودي الذي يستغل المذهب المنتشر في بلاد الحجاز "المذهب الحنبلي" ونجد لتحقيق مصالح النظام. غير أن إيران تستغل الناحية المذهبية لكسب الأتباع والمؤيدين لها أو المستعدين للعمل معها، وتثار لديهم النعرة العصبية المذهبية وبذلك يسهل استخدامهم لمصالحها الوطنية وليس لخدمة المذهب الجعفري أو خدمة الشيعة بدليل أنها لا تنصر الشيعة أو المذهب الجعفري إلا حيث المصالح الوطنية الإيرانية، وإذا كانت العلمانية تخدمها فتضع الإسلام والشيعة والمذهب وراء ظهرها،

ولا تهتم إيران بالناحية المذهبية إذا تعارض ذلك مع مصالحها الوطنية، فأذربيجان منذ أرادت أن تتحرر من قبضة الاتحاد السوفياتي في نهاية عام 1989 وقام الناس بكسر الحدود مع إيران للوحدة معها، وجرت لهم مذابح في بداية عام 1990 من قبل المهاجمين الروس الذين دخلوا باكو لمنع إقامة نظام غير تابع لهم هناك والإتيان بعملائهم من الشيوعيين القدامى إلى الحكم، ومع ذلك فلم تقم إيران بمساعدة أهل أذربيجان في وجه هذه الهجمة الروسية التي تنتهك حقوق المسلمين الذين أرادوا التحرر من النير الروسي ومن براثن الشيوعيين، مع العلم أن أغلبية سكان أذربيجان مسلمون من أتباع المذهب الرسمي لإيران. ولم تساعد أذربيجان في وجه الأرمن الذين ساندهم الروس في احتلال حوالي 20% من أذربيجان عام 1994 وهجروا أكثر من مليون أذاري من أراضيهم وما زال هذا الوضع المأساوي قائما هناك. بل إن إيران طورت علاقاتها مع أرمينا على حساب أذربيجان! ولم تكتف إيران بذلك بل دعمت تيارات ليست لها علاقة بالإسلام مثل تيار ميشيل عون أو حركات علمانية كحركة نبيه بري وغيرهما في لبنان من السائرين في ركاب أمريكا.

وأما مسألة البرنامج النووي فهي تراوح مكانها منذ سنين رغم أن كيان يهود بدعم وتشجيع أوروبي هدد أكثر من مرة عبر هذه السنين بضرب هذا البرنامج، إلا أن أمريكا وقفت في وجه كيان يهود ومنعته من تحقيق ذلك. وبالرجوع إلى الخلف قليلاً نجد أن واقع المحادثات النووية منذ بدايتها في عام 2003م هو أنّ أمريكا كانت تركز على العقوبات دون اتخاذ أي إجراء فعلي ضد المنشآت النووية، وأحبطت الاتحاد الأوروبي وأغضبت دولة يهود، وفي كل مرة يتم إجراء المحادثات تعرض أمريكا العقوبات الإضافية كحل للمسألة دون أي إجراء عسكري. وقد تدخلت أمريكا مراراً لتهدئة مخاوف يهود، فأمريكا تريد النظام الإيراني قائماً، وأن تبقى القضية النووية مثارة بحيث لا تصل إلى القنبلة النووية وفي الوقت نفسه لا تحسم نهائياً، بل تبقى كما قلنا بُعبعاً يخيف دول الخليج توطئة لاستمرار قوات أمريكا العسكرية في الخليج، بالإضافة إلى استغلال أمريكا لها في نصب الدرع الصاروخي في تركيا، وفي أوروبا الوسطى بحجة ردع السلاح النووي الإيراني والحماية منه! هذا فضلاً عن تبرير زيادة ميزانية وزارة الدفاع.

وإن ضرب إيران لأرامكو بنفسها أو عن طريق الحوثيين، ثم قيام أمريكا بفرض عقوبات الجديدة القديمة عليها يري بوضوح مدى أهمية إيران في لعب دور الفزاعة والبعبع لدول الخليج وأن أمريكا لا تستغني عنها لتنفيذ سياساتها في المنطقة.

أما بالنسبة لما يظهر من عداء على السطح بين أمريكا وإيران فيمكن أن يفهم كما يلي:

كانت الأجواء مشحونة، والرأي العام محشوداً ضد أمريكا قبل الثورة وبعدها، واعتبرت هي المسؤولة عن مآسي الشعب واتهمت بدعمها للشاه ولمظالمه ووصفت بأنها الشيطان الأكبر، ولذلك لم يستطع حكام إيران أن يعلنوا عن استئناف المحادثات بين الطرفين بشكل مباشر ومن ثم استئناف العلاقات الدبلوماسية، وبخاصة وأن اتصالات أمريكا بالخميني في باريس، وضغط أمريكا على الجيش الإيراني لكي لا يتدخل ضد ثورة الخميني... كل ذلك لم يكن سراً، ولهذا كان النظام الإيراني بحاجة إلى أحداث ساخنة مع أمريكا لإيجاد مبررات الجلوس معهم، فكانت حادثة الرهائن في السفارة الأمريكية في 1979/10/4 ما ترتب عليها قطع العلاقات الدبلوماسية بين إيران وأمريكا لتقوي من موقف الخميني وتضرب معارضيه وتغطي على حقيقة العلاقات بين الطرفين، وقد ذكرت فيما بعد مصادر أمريكية بأنها كانت مسرحية أمريكية مرتبة، وكذلك ذكر الحسن بني صدر في مقابلته مع الجزيرة المشار إليها أعلاه بأن "ذلك كان اتفاقا مع الأمريكيين ومن تخطيطهم وأنه قَبِل ذلك بعدما أقنعه الخميني به". وقد وقع الطرفان على ما عرف باتفاق الجزائر في 1981/1/20 وأفرج بموجبه عن الرهائن، وحصل ذلك في اليوم الذي تولى فيه الرئيس الأمريكي ريغان مقاليد الحكم في أمريكا، وقد اعترفت أمريكا ضمنيا بالنظام الجديد بقيادة الخميني عندما نص هذا الاتفاق على إلزام الطرفين بالاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون كل طرف والحفاظ على مصالح البلدين من خلال تعيين وتوكيل طرف ثالث ومن ثم إعادة 12 مليار من الدولارات التي طالب بها النظام الجديد من الأرصدة المجمدة لإيران..

وقد عمل الحكام في إيران منذ زمن على تهيئة الأجواء لاستئناف هذه العلاقات، مع أن الاتصالات السرية جارية بينهما والتعاون جار بينهما كما كشف المسئولون الإيرانيون أنفسهم، واستمروا على ذلك... وكأنَّ الإبقاء على هذا الوضع بين البلدين يفيدهما؛ حيث تظهر إيران كأنها معادية لأمريكا فتغطي على تعاملها وعلى سيرها معها ضمن مشاريعها الاستعمارية، وتكون عاملا مساعدا لتنفيذ تلك المشاريع، وتظهر أمريكا كأنها معادية لإيران وتعمل ضدها فتضبط الأوروبيين ويهود، وتخدع الرأي العام المعادي لإيران في أمريكا والغرب لتحقيق مصالحها في المنطقة. وقد اتُّهِم بعض الحكام الذين تولوا المناصب على أثر إعلان الجمهورية من قبل الإيرانيين بالعمالة لأمريكا مثل رئيس الجمهورية بني صدر فأُسقِط بسبب وجود تيار قوي معارض يومئذ للعلاقة مع أمريكا فعمل على إسقاطه. ولكن رئيس الجمهورية رفسنجاني وقد تكشفت حقائق عن علاقته بأمريكا مثل إيران غيت وإيران كونترا، ولكنه لم يسقط لأنه لم يعد مثل هذا التيار آنئذ موجودا. وقد تعاقب رؤساء جمهورية عديدون يوصفون أحيانا بالإصلاحيين والمعتدلين، وأحيانا بالمحافظين والمتشددين ولكن لم يشاهد تغير في السياسة الإيرانية رغم تشدد الخطاب أحيانا ولينه أحيانا أخرى، ويبقى عبارة عن أقوال لا تتبعها أفعال ولا تنطبق على الوقائع. وكذلك الموقف الأمريكي تجاه إيران لم يتبدل رغم تشدد الخطاب أحيانا من قبل الجمهوريين ووضعها في قائمة دول محور الشر أو لينها من قبل الديمقراطيين، ولكن لم تتخذ أمريكا تجاه إيران أية خطوات حاسمة وجادة. وعندما شكّل الرئيس الإيراني الجديد روحاني الحكومة قال: "إن حكومته ستتبنى في سياستها الخارجية منع التهديد والقضاء على التوترات" (رويترز 2013/8/12). واختار "محمد جواد ظريف لمنصب وزير الخارجية وهو سفير سابق بالأمم المتحدة تلقى تعليمه في الولايات المتحدة وكان مشاركا بشكل أساسي في جولات عدة من المفاوضات السرية لمحاولة التغلب على تدني العلاقات بين واشنطن وطهران" (رويترز 2013/8/12). وقد صرح روحاني بعد انتخابه بشكل أكثر صراحة عندما قال: "نحن لا نريد رؤية المزيد من التوتر بين إيران والولايات المتحدة. تخبرنا الحكمة أن كلا البلدين يحتاج لأن يفكر أكثر في المستقبل وأن يحاول الجلوس لإيجاد حلول لقضايا سابقة وإعادة تصحيح الأمر" (رويترز 2013/6/17). فرد عليه الرئيس الأمريكي أوباما قائلا: "تبقى الولايات المتحدة مستعدة للانخراط في محادثات مباشرة مع الحكومة الإيرانية بهدف التوصل إلى حل دبلوماسي يتعامل بشكل كامل مع قلق المجتمع الدولي حول برنامج إيران النووي" (المصدر نفسه)، ما يعني أن إيران تريد أن تنهي مرحلة سيرها السري مع أمريكا، وتبدأ بمرحلة السير العلني معها، ولكن بأشكال مختلفة حيث تظهر كأنها دولة مؤثرة إقليميا يجب إشراكها في قضايا المنطقة.

بالتالي تكون الخطوط العريضة بالنسبة لعلاقة إيران مع أمريكا كما يلي:

إن مسألة المذهب الذي حددته إيران كمذهب رسمي للنظام فلم تحدده كرسالة ومشروع تحمله، وهي لم تؤسس نظامها على هذا المذهب، ولم تضع دستورها على أساسه، وليست مواده مأخوذة منه، بل إن المواد الأساسية التي تتعلق بنظام الحكم والسياسة الخارجية وما يتعلق بالجيش والأمن مأخوذة من النظام الرأسمالي، فهي تشبه النظام السعودي الذي يستغل المذهب المنتشر في بلاد الحجاز "المذهب الحنبلي" ونجد لتحقيق مصالح النظام. وأما السياسة الخارجية لإيران فهي منسجمة مع المصالح الأمريكية في المنطقة، وكذلك في الشرق الأوسط الكبير والبلدان الإسلامية، فمثلاً قامت طهران بمساعدة واشنطن في تحقيق الاستقرار للاحتلال الأمريكي في العراق وأفغانستان على مدار العقد الماضي أو نحو ذلك، وقامت أيضاً عن طريق حزبها في لبنان لرسم المشهد السياسي في لبنان، وفي الآونة الأخيرة تعاونت للحفاظ على الهيمنة الأمريكية في سوريا من خلال دعم الأسد. وبالتالي، فإنّ إيران تعمل في أفغانستان وسوريا ولبنان والعراق لخدمة المصالح الأمريكية. أما خارج المنطقة فيمكن القول بأنّ أمريكا نجحت في استغلال سلوك إيران في الترويج لبرنامج الدرع الصاروخي الخاص بها وربط دول مجلس التعاون الخليجي في اتفاقات أمنية غير متوازنة، وكذلك بيع دول الخليج أسلحة بمليارات من الدولارات خوفا من إيران!

فإيران تسير مع أمريكا وهي تدرك معنى سيرها هذا وتعرف حدودها، فلا تتجاوزها ولو رفعت من نبرة الخطاب للتضليل أو للتغطية على الحقيقة كما حصل في فترة نجاد التي شهدت خدمة كبيرة لأمريكا في أفغانستان والعراق وسوريا، ولذلك فإن أمريكا ترى النظام في إيران خادماً لمصالحها بدرجة كبيرة حتى إن دوائر صناعة القرار في أمريكا لا ترى من داع للعمل على تغيير النظام، وهذا ما صرح به في 12 كانون الأول/ديسمبر 2008م، روبرت غيتس في مؤتمر

أمني دولي في البحرين حول العلاقات بين أمريكا وإيران وما يجب أن تكون عليه، وقال: "لا أحد يسعى إلى تغيير النظام في إيران... وما نحن بصدده هو إحداث تغيير في السياسات والسلوك، بحيث تصبح إيران جارة جيدة للدول في المنطقة، بدلاً من أن تكون مصدراً لعدم الاستقرار والعنف".

وإذا أضفنا أن إيران هي دولة تدور بالفلك وهي دولة ليست تابعة ولا مستقلة، نكون بذلك أحكمنا رسم الخط العريض لإيران وعلاقتها بأمريكا بصورة واضحة أنه لا يوجد علاقة عداء حقيقي بين إيران وأمريكا وإنما أن إيران تدور في فلك أمريكا ولا تستطيع أن تنفك عنه بأصغر القضايا في السياسة الخارجية الإيرانية وتنسق تنسيقا تاما معها وحتى لو كان على حساب إيران في بعض القضايا ويحرص الطرفان على إظهار حالة العداء إعلاميا فقط ليتمكنوا من تنفيذ مصالح أمريكا ولكسب ولاء الشارع الإيراني المسلم الذي يكره أمريكا، ومع أن هذا الأمر في تغير في محاولة من حكام إيران لإظهار العلاقة بين البلدين من السر للعلن لتغير الظروف (وأظن أنه قد لا يوجد بوادر للتغيير في هذه الخط العريض على المدى القريب).

هذا الخط العريض هو الذي يجعلك تفهم كل الأخبار المضللة والمغلوطة وتختار السمين منها والذي هو قليل جدا ويجعلك تطرح الغث منها الذي هو أطنان من الأخبار التي هي للاستهلاك الإعلامي والتضليل والمغالطة فقط. والأمثلة على الخطوط العريضة كثيرة ولكن كان مثال إيران لكثرة ما يدور حولها من أسئلة وأخبار وأطروحات ولإبراز أهمية الخطوط العريضة وأن السياسي بلا خطوط عريضة كالذي يتسلق حبال الهواء، فلا ركيزة ولا سند لما يقدمه من أفهام وتحاليل.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور فرج ممدوح

مراجع: جواب سؤال: واقع إيران بالنسبة للسياسة الأمريكية

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر