الصين وأمريكا: حرب أم مشاركة أم احتواء؟
الصين وأمريكا: حرب أم مشاركة أم احتواء؟

في 24 من أيلول/سبتمبر 2021، أعلن قادة التحالف غير الرسمي الرباعي "نلتزم مجدداً بتعزيز النظام الحر والمفتوح القائم على قواعد القانون الدولي والذي لا يتزعزع بالإكراه، لتعزيز الأمن والازدهار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وما وراءهما" ولم يذكر القادة الصين باعتبارها الهدف الرئيسي لبيانهم، ولكن كان من الواضح جداً أن بكين كانت المستهدف الرئيسي،  

0:00 0:00
السرعة:
October 05, 2021

الصين وأمريكا: حرب أم مشاركة أم احتواء؟

الصين وأمريكا: حرب أم مشاركة أم احتواء؟

في 24 من أيلول/سبتمبر 2021، أعلن قادة التحالف غير الرسمي الرباعي "نلتزم مجدداً بتعزيز النظام الحر والمفتوح القائم على قواعد القانون الدولي والذي لا يتزعزع بالإكراه، لتعزيز الأمن والازدهار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وما وراءهما" ولم يذكر القادة الصين باعتبارها الهدف الرئيسي لبيانهم، ولكن كان من الواضح جداً أن بكين كانت المستهدف الرئيسي، وبالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام مصطلح المحيطين الهندي والهادئ بدلاً من آسيا والمحيط الهادئ هو أوضح مؤشر على أن الهند وأمريكا واليابان وأستراليا لن تتسامح مع التوسع الصيني في المنطقة.

وسرعان ما تبع اجتماع اللجنة الرباعية إعلان تحالف (أمريكا - بريطانيا - أستراليا) حيث أعلنت هذه الدول عن اتفاق عسكري جديد وعن الغواصات النووية المتجهة إلى أستراليا من بين بنود أخرى. وفي عام 2016، دخلت أمريكا وبريطانيا في تحالف عسكري مع اليابان، وإن كانت الغواصات النووية لليابان خارج القائمة، وقد استنكر الصينيون كلا التطورين بشدة. ووصفت الصين الرباعية بأنها "آلية تديم عقلية الحرب الباردة". وفيما يتعلق بـأوكوس، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان إن هذه الخطوة "تقوّض بشكل خطير السلام والاستقرار الإقليميين".

وعندما يُنظر إلى مثل هذه المناورات في سياق محور أوباما لاستراتيجية آسيا وحرب ترامب التجارية مع الصين، فإن هناك شعورا متزايداً بعدم الارتياح من أن أمريكا ربما تحركت أخيراً نحو المواجهة. وقد كتب إدوارد لوس في صحيفة فاينانشال تايمز عن اعتقاده أن أمريكا سوف تصطدم قريباً بالصين. وأكّد مراقبون آخرون أنها قد تبنت موقف احتواء الصين. وتشير براندز وبيكلي إلى أنه على مدى السنوات الخمس الماضية، انخرطت الولايات المتحدة في احتواء جديد للصين. ووفقاً للارسون فقد أعادت الولايات المتحدة إحياء سياسة الاحتواء من حقبة الحرب الباردة لوقف طموح كل من روسيا والصين. وفي الوقت نفسه، يمثّل جون إيكينبيري مجموعة صغيرة من المفكرين الذين يؤمنون إيماناً راسخاً بالتعاون مع الصين، ويتضمن هذا الإيمان دمج الصين في النظام الدولي القائم على سيطرة الغرب عليه.

وغالباً ما يتم ربط كلمات مثل الصدام والمواجهة بالحرب، لكن هذا مضلل ولا يعكس بدقة علاقات أمريكا مع الصين. وبشكل عام، فإنه يمكن تصنيف تفاعل الولايات المتحدة مع الدول إلى ثلاث مراحل: الحرب والاحتواء والمشاركة. وغالباً ما يبدو الانتقال من مرحلة إلى أخرى غير واضح، وعادة ما يستخدم المراقبون مصطلحات مثل صدام أو مواجهة لوصف علاقات الولايات المتحدة بدول معينة.

ومن بين المراحل الثلاث، تُفهم الحرب في أبسط مصطلحاتها على أنها عنف ترتكبه دولة ضد دولة أخرى. والاحتواء هو استيعاب الدول من خلال دمجها في النظام الدولي القائم على هيمنة الغرب، وبهذه الطريقة، ستسعى دول مثل روسيا والصين إلى دعم نظام الغرب القائم على الهيمنة حتى لو كانت هيمنة الغرب في النظام الدولي في حالة تدهور.

والاحتواء مفهوم يصعب فهمه لأنه معرّف بشكل غامض، فوفقاً لجورج كينان المهندس الرئيسي للمفهوم، فقد كان مفهوم الاحتواء يدور دائماً حول الحد من تأثير الأيديولوجية الشيوعية في جميع أنحاء العالم، وليس حول عسكرة السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وقد عبّر كينان في مذكراته عن أفكاره حول الاحتواء باعتباره "احتواءً سياسياً للتهديد السياسي". ويبدو أن الحكومات الأمريكية المتعاقبة قامت عن قصد بتجميل فكرة الاحتواء التي طرحها كينان لتشمل كبح جماح القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والتوسع الإقليمي والطموحات الأيديولوجية لأي دولة تُعتبر خطرة على مصالح أمريكا.

وبعد فترة وجيزة من الحرب العالمية الثانية، خاضت الولايات المتحدة حرباً مع الصين لمنع انتشار الشيوعية في شبه الجزيرة الكورية. وبعد عام 1953، انخرطت الولايات المتحدة في احتواء الصين للحد من تأثير الأيديولوجية الشيوعية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وشنت الولايات المتحدة حروباً بالوكالة مع السوفييت في أفريقيا والصين وفيتنام للحد من تأثير الشيوعية في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن الانقسام الصيني السوفيتي الذي أعقبته حرب حدودية استمرت 7 أشهر بين الدول الشيوعية الصديقة السابقة في عام 1969 مكّن الولايات المتحدة من إشراك الصين ببطء.

وبين أواخر السبعينات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حاولت أمريكا احتواء الصين في النظام الدولي. وكان ذروة هذا المسعى من خلال دعم أمريكا لانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. وبحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان يُنظر إلى الصين باعتبارها المنافس الاستراتيجي لأمريكا. ولو لم تشغل الحرب في أفغانستان والعراق بوش وأوباما، لكانت أمريكا قد انتقلت إلى الاحتواء الجديد للصين قبل ذلك بكثير.

لقد تخلّت أمريكا اليوم عن المشاركة لصالح الاحتواء أو الحرب الباردة الثانية، حيث تعمل الولايات المتحدة مع شركائها لتحدي البحرية الصينية في بحر جنوب آسيا، وهذا يجعل من الصعب على الصين حل نزاعات كوريا الشمالية وتايوان والأراضي مع جيرانها، ومن شأنه تقويض مبادرة "حزام واحد وطريق واحد" للصين في أوراسيا. ومن الواضح أنه منذ خمسينات القرن الماضي، أصبحت المواجهة الأيديولوجية لأمريكا في قلب صراعها مع الصين، وقد اتخذ هذا شكل الحرب والاحتواء والمشاركة التي طغى عليها الاحتواء الجديد. إنّ مراحل الحرب والاحتواء والاشتباك ليست خاصة بدولة بعينها، بل هي عامة ولكنها مدفوعة باعتبارات أيديولوجية، فمثلا تبنت الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة قاعدة الحرب ضد قريش، وقبل معركتي بدر وأحد، قام رسول الله ﷺ بغارات عدة على قريش بقصد التحريض على الحرب فقط. وقد تغيرت حالة الحرب مع قريش إلى حالة احتواء بموجب معاهدة الحديبية.

لقد أثّرت المعاهدة مع رسول الله ﷺ على تقليص نفوذ قريش بشكل كبير في شبه الجزيرة العربية من خلال شن الحرب على بعض القبائل والتعامل مع القبائل والدول الأخرى في وقت واحد تقريباً. وبعد أسبوعين فقط من توقيع المعاهدة، أزال رسول الله ﷺ سلطة قبيلة خيبر المتحالفة مع قريش. كما شجّعت المعاهدة رسول الله ﷺ على دعوة القبائل والدول المجاورة للجزيرة العربية إلى الإسلام علانية. لذلك، فإن التعامل مع القبائل والأمم الأخرى قلل بسرعة من قوة قريش وشجّع على انتشار الإسلام. واستمر الخلفاء من بعد رسول الله ﷺ في الجهاد، والالتزام بالدعوة إلى الإسلام أو العيش في ظل الإسلام والاحتواء من خلال معاهدات وقف إطلاق النار، وهذا مكّن من النمو السريع للإسلام، لذلك يجب على المسلمين ألا يظلوا متفرجين مكتوفي الأيدي يراقبون الاحتواء أو جدل الحرب في علاقات أمريكا مع الصين. وبدلاً من ذلك، يجب عليهم متابعة العلاقات بين الصين وأمريكا بدقة لتوقع نقطة التوتر القصوى بين البلدين ثم اغتنام الفرصة لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، فقد كان رسول الله ﷺ يتتبع بجدية أخبار الحرب بين الرومان والفرس عندما أقام الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المجيد بهاتي – ولاية باكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر