السيسي... وفصل متأخر في حرب الرأسمالية على الإسلام
January 13, 2015

  السيسي... وفصل متأخر في حرب الرأسمالية على الإسلام


تفاجأت الأمة الإسلامية مرة أخرى من أحد حكامها المؤتمنين، افتراضا، على كرامتها وحسن رعايتها ومحضها النّصح، بما لا يُعهد من أمثالهم تجاه شعوبهم، فيطلع عليها "الثعلب" وقاتل الآلاف من أهل مصر، عبد الفتاح السيسي، في ثياب الواعظين، ليقرر أنَ على أمة الإسلام أن تتوب وتعدل عن السعي إلى قتل سبعة مليارات من البشر من غير المسلمين، لتنفرد وتستأثر بالعيش وحدها في هذه الدنيا بقوله حرفيا: "إنها بتعادي الدنيا كلها.. بتعادي الدنيا كلها، لدرجة أن الواحد وستة من عشرة مليار هيقتلوا الدنيا كلها إلًي فيها سبعة مليار عشان يعيشوا همه". ولخوفه على هؤلاء المستهدفين، بزعمه، يدعو الأزهريين إلى تبني فكر جديد يمنع المسلمين من ذلك، ويشهد الله عليهم توكيدا لرأيه وموقفه. وهنا يحق التساؤل: هل أن السيسي يصدر في رأيه هذا عن إرادة حرة؟ أم هل تراه من الحكام الذين تسلٌموا السلطة في بلدانهم بعقد مراضاة واختيار، عقده مع الشعب المصري؟ ألم يكن، حين قال كلامه ذاك، يرنو ببصره وعقله نحو أمريكا صاحبة الشأن في مصر وربيبتها دولة يهود وهو يخاطب رجال الأزهر، حتى يشاركوه جرم خيانة الله ورسوله والمؤمنين؟ لقد طالبهم بتجديد الخطاب الديني وتصحيح صورة الإسلام، فهل هكذا تنشأ الأفكار وتؤسس التحولات المبدئية؟ أيحتاج الأمر إلى مجرد طلب من حاكم لحاشية تأتمر بأوامره فتصنع له فكرا على المقاس؟ أإلى هذا الحد تبلغ جرأة الرويبضات على أمة كريمة كانت زهرة الدنيا ومحط أنظار البشر؟


فالدولة الإسلامية؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، دولة هذه الأمة الذي يفتري عليها الأفاكون، ويسعون إلى مسخ فكرها، وقد تحملت منذ نشأتها، على أساس عقيدة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، مسؤولية نجدة الإنسانية، بقيادة ساسة ورجال دولة أفذاذ وباقتدار وجدارة وتخليص الشعوب من الظلم والقهر ورفعها إلى مستوى التكريم الذي فطرها الله عليه مما عرض هذه الدولة وبحكم سنن الحياة، إلى محاولات قوى الردة لمنعها من أداء رسالتها، بالأعمال المادية، إقليميا في محيط نشأتها، أو دوليا بالحروب الصليبية وهجمات المغول، فاستطاعت التفوق على الأعداء ورد كيدهم ومكرهم ومضت تنير صفحات التاريخ، برسوخ الإيمان لديها بعقيدتها وبرسالتها في الحياة وقوة الفعل عندها لقرون عديدة، نعمت البشرية في ظلها بالأمن والعدل... إلا أن عوامل الضعف التي طرأت عليها في فهم قوة الطاقة الكامنة في مبدئها وجمودها أمام الأحداث المتجددة، جعلها تُهاجَم من قبل أعدائها فكريا، في محاولة لحرفها عن خط سيرها ومسخها عن طبيعتها للقضاء عليها وإنهاء وجودها، فكان من الممكن والحال هذه، فهم أسباب استسلام رجال الفكر فيها والطبقة المثقفة ثقافة غربية أمام الهجمة الفكرية الزاحفة من أوروبا، والانهزام أمام قوة سطوة سحر العلوم الحديثة ونظم الحكم في البلاد الغربية، معرضين، جهلا أو عجزا، عن المعالجات الشرعية التي يفرضها الإسلام لكل قضايا الحياة.


أما اليوم وأمام إفلاس المبدأ الديمقراطي الرأسمالي، الذي يدعونا السيسي وأضرابه إلى الخضوع له، وأمام انكشاف خطره على الإنسانية وعجزه على معالجة قضايا الإنسان المعاصر، وتتالي الأزمات التي يمسك بعضها برقاب بعض جراء تطبيق نظمه وأحكامه، ورفض البشرية المتنامي للخضوع لسطوة ووحشية هذا المبدأ اللاإنساني، وأمام وعي الأمة الإسلامية على ذاتها وعلى رسالتها في الحياة، واستعادة قدرتها على تقدير الأشياء بميزان الإسلام، وأمام تعلق القلوب بأحكامه ومعالجاته ونزع يدها من طاعة هؤلاء الحكام الذين نصبهم زبانية الرأسمالية العالمية على الرقاب، أمام كل هذا نجد الغرب قد دفع بسلاحه هذا، المفلول، وعن طريق أحد أتعس عملائه الموتورين، وهو في الحقيقة دليل آخر على فشل هذا الغرب وفراغ جعبته من أن يجد حكاما أكفاء يؤدون عنه أفكاره وينفذون أمره. ومع كل ذلك نسأل السيسي ولا ننتظر منه جوابا وإنما بعض نصيحة لمن قد تنفعه النصيحة.


أين وجد السيسي الشواهد، في فكر هذه الأمة الإسلامية أو في تصرفاتها أنها قتلت أو تعمل على قتل الناس أو إبادة الشعوب؟ وهل حدث مثل ذلك في تاريخها الطويل؟.


وهنا حق لنا التساؤل أيضا:


ـ هل الأمة الإسلامية هي التي ارتكبت فظائع وأهوال محاكم التفتيش؟

ـ أم تراها هي التي أفنت سكان القارتين الأمريكيتين ولم تبق منهم إلا أنفارا غيبتهم الجبال والغابات وهم اليوم في أرض آبائهم أهون من الغريب؟


ـ هل الأمة الإسلامية هي التي ساقت الملايين من الأفارقة مكبلين بالحديد وهجرتهم قسرا من بلدانهم وسخرت، لذل العبودية، من نجا منهم من القتل أو الغرق في مياه المحيط؟


ـ أم تراها هي التي أفنت عشرات الملايين من الناس في الحربين العالميتين الأولى والثانية وأزالت مدينتين من الوجود بأفظع أنواع أسلحة الدمار؟


ـ هل كل هذا، وغيره أكثر وأغرب، من صنيع الأمة الإسلامية؟ أم هل هو من صميم فكرها وثقافتها؟ أليس كل ذلك، وغيره أكثر وأغرب، من صنيع الملة التي تدعونا إلى الاقتداء بهم؟ أليسوا هم أصحاب الجُحر الذي نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دخوله معهم؟


ـ أم ترانا، يا سيسي، نحن أبناء الأمة الإسلامية، ها قد زرعنا شركاتنا تنهب اليوم النفط من حقول الولايات المتحدة الأمريكية، وتستولي على ثرواتها من مناجم فحمها الحجري، أم نحن الذين نستبيح الأرض والعرض في قارات الدنيا؟


ـ أم تراكم يا من تسلطتم على رقابنا قد أعددتم مخابراتكم لإعداد الخطط لرد كيد الأعداء عنا، وتجهزون الجيوش لرد الاعتبار لكرامتنا بعد الهزائم التي أذللتم الأمة بها فخافتكم الدول العظمى وأعدت لكم عدتها؟


ثم إنك طلبت من "علمائك" الذين لم يجرؤ أحد منهم أن ينصحك فيردك إلى رشدك، أن يقدموا للعالم، وأنت تقصد أوروبا وأمريكا حصرا، صورة مشرقة عن الإسلام، فأي صورة تعني حتى يرضوا عن شرع رب العالمين؟


- أتعني بكلامك قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 46]


ـ أم تعني بكلامك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة يوم الفتح «...اذهبوا فأنتم الطلقاء...» أم قوله: «...ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها...»؟


ـ أم قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه يوم ولي الخلافة..."لست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم..."؟


ـ أم قول عمر الفاروق رضي الله عنه وهو ينصف مظلوما اعتدى عليه ابن واليه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..."؟


ـ أم موقف ذي النورين عثمان رضي الله عنه من البغاة عليه بعدم قتالهم لأنه يرى أن ذلك لا يحل له شرعا حتى لو قتلوه؟


ـ أم موقف علي بن أبي طالب من الخوارج، أي جماعة معارضة باصطلاح اليوم، وقد حملوا السلاح في وجه الدولة، وقبوله ثلاثة أوضاع لا يتصور أن يتقبلها أي حاكم من مثل الخوارج، إذ أعطاهم:


1 ـ أن لا يمنعهم المساجد.


2ـ أن لا يمنعهم الفيء ما دامت أيديهم معه.


3ـ أن لا يبدأهم بقتال حتى يكونوا هم البادئين.


فأي صورة ترضاها لأمتنا اليوم، حتى نقدمها للسادة الغربيين لتحظى برضاهم عنها؟


ـ أيّ صورة من هذه الصور المشرقة، والتي لا نظير لها في الوجود تدعونا إلى الاقتداء بها حتى يرضى عنا غربُك؟


ـ هل استكثرتم على الأمة جهد بعض شبابها؟ تشتتوا في الأمصار يردون لوجهها الجميل المعفر بسوء فعلكم وعدوان أعداء الحياة، وبأكفهم المجردة، بعض بهائه، ريثما تستعيد هذه الأمة دولتها، وهي تستعد لإعلانها قريبا إن شاء الله، ويومها لكل حادثة حديث.


﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج: 46]

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذ عبد الرؤوف العامري
رئيس المكتب السياسي لحزب التحرير في تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر