التعاون العسكري مع الغرب تراجيديا بفكرتها وأدواتها ولا تخدم إلا الاستعمار
April 01, 2019

التعاون العسكري مع الغرب تراجيديا بفكرتها وأدواتها ولا تخدم إلا الاستعمار

التعاون العسكري مع الغرب تراجيديا بفكرتها وأدواتها ولا تخدم إلا الاستعمار

أكد الفريق أول ركن دكتور كمال عبد المعروف الماحي رئيس الأركان المشتركة على أهمية واستراتيجية العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحرص السودان على تطبيعها وتطويرها في الاتجاه الذي يخدم المصالح المشتركة بين البلدين في إطار القيم الإنسانية والتعاون البناء والاحترام المتبادل وبالقدر الذي يسهم في تعزيز الأمن والسلم الدوليين، مشيرا إلى تطلعات السودان أن يفضي الحوار بين البلدين إلى رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. جاء ذلك لدى استقباله بمكتبه المقدم شين كوركوران الملحق العسكري الأمريكي الجديد الخرطوم. 25/3/2019م (سونا).

تعتني الأمم العظيمة، خصوصاً الأمم المبدئية منها، بقوتها العسكرية اهتماما فائقا إلى جانب اهتمامها بمبدئها، لأن الجيوش تعمل على حماية وانتشار وهيمنة المبدأ المتبنى وتعمل على توظيف قوة الدولة العسكرية لتحقيق ذلك عبر عقيدة عسكرية، منبثقة عن عقيدة الأمة، فكانت العقيدة العسكرية الإسلامية المبنية على لا إله إلا الله محمد رسول الله، تفسر سر الفتوح الإسلامية العظيمة من الصين شرقاً، إلى فرنسا غرباً، ومن سيبيريا شمالاً، إلى المحيط جنوباً، ذلك لأن شعار المسلمين يومئذ كان ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: 52]؛ النصر أو الشهادة.

هكذا كانت جيوش المسلمين في الماضي، فسادوا وقادوا الدنيا، ولكن في أيامنا هذه تغير حال جيوش المسلمين بالتعاون والتنسيق مع الغرب الكافر، فأصبحوا وأمسوا يصافحون عدو الأمة الذي يفتك بها ليل نهار وكأن أمر الأمة لا يعنيهم، يشاهدون تلك الانتهاكات للمقدسات والأعراض على شاشات التلفزيون، كأنهم يشاهدون فلما وثائقيا أو فلم إثارة! وهم يحتفون ويصافحون الأيدي الآثمة التي تنتهك الحرمات، ولا تحرك تلك المشاهد شعرة واحدة فيهم، فماذا حدث؟! منذ هجمات أيلول/سبتمبر 2001 في أمريكا وبروز ما يسمى مكافحة (الإرهاب)، باعتبارها عنصراً مركزياً محدّداً في العلاقات مع الشركاء الأمنيين الغربيين، ومقدّمي التكنولوجيا والمساعدة العسكرية التي ما زادت جيوش المسلمين إلا خبالاً.

ولا تخفي أمريكا أن تكامل عناصر القوة العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية ضروري لتحقيق مصالحها، بما في ذلك النظام والسلم الدوليين ومكافحة ما يسمى (بالإرهاب)، وهي تستخدم جيوش المسلمين من خلال قيادتها السياسية والعسكرية، كقوات ضاربة ومرتزقة لتنفيذ مشاريعها الاستعمارية وخصوصا في البلاد الإسلامية، وقد حدث ذلك في حربي الخليج الأولى والثانية، وحرب اليمن، واستخدام فزاعة الغرب (إيران) لتهديد دول الخليج، وتم تغيير عقيدة الجيوش في بلاد المسلمين لتتسق مع الأدوار التي رسمتها أمريكا لحفظ مصالحها، وتجلى ذلك في صورة تكتيكات قتالية جديدة وأشكال تنظيمية مطبوخة بيد أمريكا نفسها، تسيطر عليها الطريقة الحديثة الغربية البراغماتية في التفكير، وهي أحط طرق التفكير البشري، حيث قتلت قدرة عقل الجندى المسلم على الحكم على الواقع واتخاذ المواقف الصحيحة والحازمة فرأينا المسلم يقتل المسلم بسلاح الغرب، بعد إحلال النعرات الوطنية والقومية عقيدة عسكرية لجيوش المسلمين، مما جعل حكام المسلمين وجيوشهم لا يحركون ساكنا للذود عن حرمات المسلمين ومقدساتهم، في فلسطين والشام وكشمير وبورما وغيرها.

يذكرنا هذا التخبط العسكري لجيوش المسلمين بمقولة (فاسكو دا غاما) بعد اكتشاف طريق بحري للهند عبر رأس الرجاء الصالح، قال قولته المشهورة: (الآن طوقنا المسلمين ولم يبق إلا أن نشد الخيط)، تنطق كلماته بهذا الحقد الدفين ولا غرابة، لأن المسلم المستنير لا يستغرب هذا الموقف منهم لأن ربه أخبره في القرآن الكريم بحالهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. حتى فكرة المنفعة والمصلحة التي هي مقياس الغرب، لم تعد كافيةً لتفسير هذا التكالب على المسلمين، لدرجة التلذذ بتعذيبهم وقتلهم بكل أنواع الأسلحة التي سموها محرمة وهم لا يستخدمونها إلا في بلاد المسلمين، وما نشهده يومياً من مجازر ترتكب في حق المسلمين بأيديهم وبأيدي عملائهم فاق كل التصورات سببه الارتهان للغرب الكافر.

إن الإسلام بأحكامه جعل بحوافزه المادية والمعنوية الجندي المسلم، مطيعاً لا يعصي الله، صابراً لا يتخاذل، شجاعاً لا يجبن، مقداماً لا يتردد، مُقبلاً لا يفر، ثابتاً لا يتزعزع، مجاهداً لا يتخلف، مؤمناً بمثل عُليا، مضحياً من أجلها بالمال والروح، يخوض حرباً عادلة لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، ولتكون كلمة الله هي العليا، مدافعاً عن الأرض والعِرض، وانتشار الدعوة وصيانتها، وعن المسلمين في دار الإسلام لا يخاف الموت ولا يخشى الفقر، ولا يهاب قوة في الأرض، يسالم ولا يستسلم، ولا تضعف عزيمته الأراجيف والإشاعات، ولا يستكين للاستعمار الفكري، ويقاوم الغزو الحضاري الذي يناقض دينه، ولا يقنط أبداً ولا ييأس من رحمة الله، يقظ أشد اليقظة، حذر أعظم ما يكون الحذر، يتأهب لعدوِّه ويُعِدّ العدة للقائه، ولا يستهين به، في السلم والحرب، كل هذه التوجيهات العسكرية فقدتها جيوش المسلمين، بعد تبني العقائد المفخخة التي حملها الغرب لهم عبر التعاون العسكري وتقديم المساعدات العسكرية.

وليعلم جنرالات التعاون الأمني أن الأمة تراقب عن كثب من يستعيد الأرض المقدسة والحقوق المغتصبة، ويدافعون عن العقيدة والأرض والعِرض، عبر الجهاد الحقيقي بعقيدة عسكرية إسلامية؛ وهي العقيدة الوحيدة التي تأمر بالجهاد، وتنهى عن تركه، وتعلم أسسه ومبادئه، وتخرج المجاهدين الصادقين، تترجم على الواقع العسكري الجهاد بالمال، الجهاد بالنفس، عقاب المتخلف، الطاعة، الصبر، الشجاعة، الشهادة، والشهيد، الثبات، الحرب العادلة، العهود والمواثيق، الأسرى، الغنائم والفيء والجزية، مصاولة الحرب النفسية، الحذر واليقظة، الإعداد الحربي، وغيرها من الدراسات الحيوية المهمة التي فقدتها جيوش المسلمين. وهذا الجهاد غير وارد في العقيدتين العسكريتين الشرقية والغربية، بل تقف هاتان العقيدتان المستوردتان منه موقف الرفض، والعداء، والعود الأحمد إلى هذه العقيدة، هو طريق النصر والعزة والمجد وإلاّ فكيف ننتصر بدونها!!

إن مثل هذه اللقاءات توضح لكل ذي عقل أننا ما زلنا مستعمَرين للغرب، وأن طموحات الغرب الاستعمارية في البلاد الإسلامية يحققها تحت دعوى (الإرهاب) ومكافحته، وتحت ذريعة السلم والأمن العالميين، ينصب الغرب الرأسمالي نفسه وصيّاً على المسلمين، فيجعل من نفسه مصدر الأمن وهو على العكس مصدر الرعب والخراب والدمار، ببعثاته العسكرية، وأحلافه الصليبية في حربه ضد الأمة، فيجتمع الكفار على محاربة المسلمين بعون من أبناء المسلمين، الذين تماهوا مع الكفار واندمجوا معهم متناسيين إسلامهم وشعوبهم لا يتذكرون إلا ما يرضي الغرب، فسموا ذلك الاستعمار (المصالح المشتركة في إطار القيم الإنسانية والتعاون البناء والاحترام المتبادل وبالقدر الذي يسهم في تعزيز الأمن والسلم الدوليين)! فأي تعاون وأي احترام وأي أمن وسلم يعنون في واقع أمة تحول أطفالها ونساؤها إلى أشلاء متفحمة في الباغوز واليمن، وكل حروبهم المصطنعة في بلاد المسلمين؟!! لا بارك الله تعاونكم العسكري، ولا أدامه.

كل ذلك مرده إلى غياب سلطان الإسلام الذي جعل الغرب وأعوانه يتباكون على القيم الإنسانية والتعاون البناء والاحترام المتبادل! وهم يعلمون أن التسامح في تاريخ الغرب لا مكان له، والإنسانية التي يدعونها، تكذبها عنصريتهم على طول الزمن، أما اليوم فحادثة مسجدي نيوزيلندا التي تنم عن أن القاتل ليس فرداً، إنما هو حضارة الغرب التي تنمي الشعور بالعنصرية وتصف الإسلام ونبيه e بأبشع الصفات، تحت ذريعة حرية الرأي.

وأخيرا نوجه نداءً للضباط المخلصين في جيوش المسلمين، أن يحذروا من أن يكونوا سهماً في كنانة المخبول ترامب أو كتيبة في جيش (بلاك ووتر وريموند ديفيس) لملاحقة إخوان العقيدة والإسلام، واعلموا أن ذلك هو ما يراد لكم، فالانزلاق نحو الهاوية يبدأ بزلّة بسيطة، فتداركوا أمركم، وخذوا على أيدي قادتكم وحاسبوهم، ولتسلموا القيادة لمن يستحقها من المخلصين، وأعطوا النصرة لحزب التحرير من أجل إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، لتكونوا خير جند في القرن الواحد والعشرين، أنصار الله، ولنعم فوزكم يومئذ.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة/ غادة عبد الجبار (أم أواب) – الخرطوم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر