March 10, 2011

التغيير المنشود

تعيش الأمة الإسلامية حالة من الفرقة والإنقسام، حالة من الفقر والحرمان والذل والهوان. يتسلط على رقاب أهلها حكام مستبدون، بددوا ثروتها وأهانوا أبناءها، وكبلوهم بالقيود والأغلال وكمّموا أفواههم، فكل من ينتقد الحاكم أو أحد زبانيته ينتهي به الأمر في أقبية السجون، وفي غالب الأحيان لا يُعرف له أثر. فرضوا القيود على الصلاة والخطب والدروس، أرهبوا الأمة أيما إرهاب. كل هذا والأمة تشعر بالظلم ولا تحرك ساكنا حتى ظن البعض أن الأمة قد دخلت في غيبوبة لن تفيق منها أبدا، وفقدوا الأمل فيها وقالوا إن ثارت كل شعوب الأرض ضد الظلم فإن الأمة لن تثور على حالة التشرذم التي تعيشها، حتى هبت رياح التغيير، وانتفضت الأمة وثارت في تونس الخضراء ضد الظلم والتعسف، وأعلنت انكسار القيود والأصفاد، وأرسلت برسالة قوية فاجأت العالم كله، قالت فيها بأنها فاقت من غيبوبتها وقامت من كبوتها. لقد فاقت سرعة رياح التغيير كل التوقعات حتى استطاعت أن تعصف بطاغية من أكبر الطغاة في العالم الإسلامي وأشدهم ظلما، بل إن قوة الرياح وصلت الى مصر الكنانة فخرج أهلها في أيام غضبهم يرفضون القيود ويطالبون بالتغيير ورحيل الطغاة.
نعم لقد انكسر القيد وخرجت الأمة تنشد التغيير، ولكن ما هو التغيير الذي يجب على الأمة أن تصبو اليه وتحققه؟ أي تغيير هذا الذي يجتث الظلم من جذوره ويضمن للأمة الكرامة والطمأنينة والسعادة؟ أهو تغيير الوجوه أم تغيير الأنظمة؟ وإن كان تغيير الأنظمة، فأي نظام تتبناه وتطبقه؟
إنّ التغيير المنشود هو ذلك التغيير الذي يعيد الأمة الى حالتها الطبيعية وعيشها الطبيعي، فحالة التشرذم التي تعيشها الأمة اليوم ليست طبيعية، بل هي حالة شاذة بكل المقاييس. إنّ الحالة الطبيعية للأمة هي تلك التي عاشتها الأمة عشرات العقود من الزمن، تربعت فيها على أعلى قمم المجد، واحتلت فيها مركز الريادة، هي تلك السنوات التى حكمت نفسها فيها بالإسلام كنظام حياة متكامل، وحمتله نوراً وهداية للبشرية في مشارق الأرض ومغاربها. إنّ هذه الحالة لن تعود اذا تغيرت وجوه الحكام وبقيت الأنظمة والقوانين والدساتير كما هي من وضع البشر. فمثال أنور السادات ليس عنا ببعيد. لقد اغتيل وهلك وجاء مكانه وجهٌ آخر وبقي النظام القمعي قائما، فسام أهل مصر سوء العذاب لما يقارب الثلاثين عاما.
إنّ التغيير الذي يجب على الأمة أن تنشده وتسعى الى تحقيقه دون كلل أو ملل هو تغيير النظام من جذوره تغييرا انقلابيا بحيث لا يبقى للأنظمة الوضعية الحالية أي أثر، وهذا يشمل تغيير الدستور والقوانين في المدينة المنورة،وجميع أنظمة الحياة، واستبدالها بالنظام الذي أقامه الرسول ذلك هو نظام الإسلام الشامل بحيث تكون العقيدة الإسلامية هي الأساس الذي ينبثق عنه الدستور والقوانين وجميع الأنظمة. وذلك باختيار خليفة للأمة الإسلامية جميعها تبايعه على أن يحكمها بالكتاب والسنة مقابل طاعته في المنشط والمكره. خليفة ينطبق  بخيار الأئمة في الحديث الشريف الذي يرويه مسلم حيث قال عليه وصف الرسول «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ...». خليفة يكون درعا واقيا للأمة لا ناهبا لخيراتها منكلا بها، يقول الرسول «وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ» رواه البخاري.
إنّ النظام المنشود هو نظام الخلافة الإسلامية الذي يجعل السيادة والحاكمية لله سبحانه وتعالى وحده وليس للشعب ولا للبرلمان ولا لأصحاب النفوذ، فالله هو الحاكم وهو الآمر الناهي، وجَعْل الحاكمية لغيره هو احتكام للطاغوت والجاهلية. يقول الله تعالى «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (المائدة: 50)، ويقول تعالى: «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» (النساء: 65).
إنّ نظام الخلافة المنشود هو النظام الذي جعل السلطان للأمة بحيث أعطاها الحق في اختيار من يحكمها بالإسلام عن طريق البيعة دون اكراه أو إجبار ودون غصب للسلطة ودون ظلم أو قهر.
إنّ نظام الخلافة المنشود والذي يجب على الأمة إيجاده هو الوحيد الكفيل بحل جميع مشاكل الناس السياسية والإقتصادية، وهو وحده القادر على توحيد المسلمين تحت قيادة سياسية واحدة يرأسها أمير المؤمنين، كل المؤمنين من اندونيسيا إلى المغرب، فلا يجوز بحال من الأحوال أن يكون للمسلمين أكثر «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ"من إمام، قال رسول الله مِنْهُمَا» (رواه مسلم). وهو النظام الوحيد القادر على توحيد أرض الإسلام بازالة جميع الحدود المصطنعة بين أبناء الأمة فتصبح أرض تونس وليبيا والجزائر ومصر والمغرب كتلة واحدة بلا حدود و لا معابر ولا جوازات سفر، وتصبح أرض الإسلام أرضا واحدة، واقتصادها واحد، وخزينتها واحدة تسمى بيت المال، ويصبح لها نظام نقدي واحد على أساس الذهب والفضة.
إنّ نظام الخلافة الذي يجب على الأمة أن تنشده هو النظام الوحيد القادر على توحيد جيوش الأمة تحت راية واحدة وأمير جيش واحد بحيث يجمع جيش الباكستان وجيش ايران وجيش العراق والمغرب واندونيسيا واوزباكستان في صف واحد يحمي الأمة ويذود عن بيضة الإسلام ويكون القوة الضاربة لكل من تُسوّل له نفسه الإعتداء على حرمات المسلمين، ويعود كما كان في سابق عهده الجيش الذي لا يقهر.
إن نظام الخلافة المنشود هو وحده القادر على تحقيق الأمن والأمان والعدل، فلقد شهد بذلك رسول كسرى إلى أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب، حيث فوجىء بالقائد الأعلى للجيش الذي هز عرش فارس، يفترش الأرض ويلتحف السماء دون حرس أو حماية، فقال قولته المشهورة «حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر». وهو النظام الوحيد الكفيل برفع الظلم عن المظلومين، فلقد قال أمير المؤمنين أبو بكر الصدّيق «والضعيفُ فيكم قويٌّ عندي حتى أرجعَ إليه حقَّه إن شاء اللّه، والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذَ الحقَّ منه إن شاء اللّه».
إنّ نظام الإسلام أعطى الأمة الحق بل فرض عليها محاسبة الخليفة وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر دون أن تتعرض للتعذيب ولا للتشريد ولا للنفي ولا «...كَلَّا وَاللهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِللقتل. قال رسول الله وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا...» (رواه ابو داود).
فلا ينبغي للأمة أن تطالب بتطبيق النظام الجمهوري الديمقراطي وأن لا تنخدع بما يقال عن الديمقراطية بأنها عملية انتخابية تقوم بها الأمة باختيار حاكمها بحرية دون أي تحريف، بل لا بد أن ندرك تمام الإدراك بأن الديمقراطية هي نظام الحكم في الرأسمالية، حيث تُجعل الحاكمية والسيادة فيها للشعب ويُجعل التشريع وسن القوانين بيد زمرة فاسدة من الناس تضع نفسها ندا لله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى هو الحاكم وهو المشرّع. وإنه لمن المحزن أن نرى من أبناء الأمة بل من قيادات بعض الحركات الإسلامية من يرفع شعار الديمقراطية ويطالب بتطبيقها، إنّ من ينادي بتطبيق الديمقراطية إنما يحتكم للطاغوت وحكم الجاهلية. فلا يُقبل من أمة عريقة آمنت بربها وحكمت العالم بنور الإسلام أن ترضى بغيرالله حاكماً ومشرّعاً.
ولا ينبغي للأمة أن ترضى بنظام الحكم الملكي لانه نظام وراثة يرث الإبن فيه أباه في الحكم ويعطي الملك امتيازات وحقوق ليس لأحد من الرعية مثلها، بل ويعتبر نفسه فوق الدستور والقانون فلا يخضع للمحاسبة. وهذا عينه على النقيض من الإسلام الذي لا يخص الخليفة ولا أحدا من عائلته بأي امتيازات. يقول الرسول «وَأيْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» رواه الترمذي.
ولا ينبغي للأمة أن ترفع شعارات ذات صبغة وطنية أو قومية، فهذه أفكار تثير الإضطراب والقلاقل وتُعمّق الفجوة بين أبناء الأمة، ولا ينبغي للأمة أن ترفع الأعلام التي فرضها الغرب على المسلمين، بل لا بد أن تدوس هذه الأعلام بأقدامها فهي رمز الإنقسام، وعليها أن ترفع الراية التي توحدها دون النظر الى العرق أو اللون أو اللّسان، تلك هي راية العقاب التي تعلن الأمة من خلالها أنها أمة واحدة من دون الناس وتعبد إلهاً واحداً. قال تعالى «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (الانبياء: 92).
إنّ الأمة لن يتغير حالها ولن تعود الى سابق عهدها ولن يُرفع الظلم عنها الاّ إذا لفظت جميع الأنظمة الوضعية البائدة ورفضت النموذج الغربي المتمثل في فرنسا أو بريطانيا أو ، نموذج الخلافةأمريكا أو غيره، واستجابت لنداء ربها وطالبت بتطبيق نموذج الرسول الإسلامية فتبايع خليفة يحذو حذو أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. قال الله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ» (الأنفال: 47).

الاستاذ ابو اسيد

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن