التغيير بين الواقع والطريقة الشرعية قضية مصيرية
March 11, 2024

التغيير بين الواقع والطريقة الشرعية قضية مصيرية

التغيير بين الواقع والطريقة الشرعية قضية مصيرية

بعث الله رسوله ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأيده بالحجة الدامغة في هذا القرآن، ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور، فلم تكن دعوة النبي ﷺ تقتصر فقط على توحيد الإله المعبود، ولم يكن أول موحد في مكة، ولم يتعامل أهلها معه كتعاملهم مع غيره من الموحدين فيها كورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، فلم يقم بينهم وبين غيره أي نوع من الصراع، وإنما كان صراعهم مع النبي ﷺ لما يحمله من دعوة تملك نظاما لتغيير الواقع تغييرا انقلابيا شاملا يضع للإنسان بوصفه إنساناً طريقة جديدة للتفكير مبنية على العقل ومسلماته، ويغير مفاهيمه عن الحياة والكون والإنسان ويضع له مقاييس جديدة تغير قناعاته وتصبح كل هذه الأفكار وما تفرع عنها هي أساس أعماله في هذه الحياة، وهذا ما ظهر في دعوته ﷺ في مكة؛ فكما قلنا لم تكن تقتصر على الدعوة لتوحيد المعبود فقط وإنما الالتزام الكامل بجميع أوامره ونواهيه، فنبذ الإسلام عادات العرب في مكة وسفه أحلامهم وسب آلهتهم أيما مسبة ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ونهاهم عن تطفيف الكيل والميزان ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ونهاهم أيضا عن وأد البنات وأمرهم بمكارم الأخلاق ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، ودعاهم لتغيير مفاهيمهم وربطها بالإسلام وعقيدته، وعاب كل أنظمتهم وكيفية تنظيم علاقاتهم في الحياة، ودعاهم لتغييرها لتكون جميعها على أساس الإسلام وأحكامه المنبثقة عن عقيدته، الأمر الذي لم يقبله السادة والذي لم يأت به موحد آخر ممن عرفوهم، ولهذا حاربوا رسول الله ﷺ وهددوه تارة وساوموه تارة أخرى، لا ليترك دينه ولكن فقط ليتنازل ويتخلى عن عقيدته السياسية، الأمر الذي لم يكن مقبولا من النبي ﷺ ولا مجال للتفكير فيه بل كان رده واضحا صريحا على عمه أبي طالب خلال وساطته بينهم وبينه أن قال له: «يا عَمُّ، واللهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ في يَمِينِي، والقَمَرَ في يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ، ما تَرَكْتُهُ»، هكذا كان خطابه ﷺ متميزا بالوضوح والصراحة والمواجهة دون مواربة أو خنوع أو خضوع لأعراف الكفر ومشاعره وتقاليده، نعم فقط اتخذ رسول الله ﷺ من حمل دعوة الإسلام وتمام بلاغها للناس قضية مصيرية، وجعل منها محورا لحياته، وهكذا يجب أن تكون لدى كل حامل لدعوة الإسلام عامل لتطبيقه من جديد.

واصل رسول ﷺ حمله للإسلام بطريقة معينة لها غايتان عظيمتان؛ حمل دعوة الإسلام للناس، وبدء الحياة الإسلامية بإيجاد دار إسلام وإقامة دولة يطبق فيها الإسلام، حيث نزل الإسلام بأحكام عملية تعالج مشكلات الناس وتنظم علاقاتهم، ولهذا وجب وجود دولة تطبق هذه الأحكام وترعى بها الناس، وحتى توجد هذه الدولة وتستمر هذه الدعوة لإخراج الناس من الظلمات إلى النور قام رسول الله ﷺ بأعمال معينة هي طريقة شرعية ثابتة لكيفية تطبيق الإسلام في دولة تحمله للعالم بالدعوة والجهاد، فبدأ ﷺ بدعوة الناس وتثقيفهم بثقافة الإسلام تثقيفا يبني شخصياتهم وينتج منهم شخصيات إسلامية، فلم يكن يلتقي بهم في دار الأرقم ليحفظوا متوناً في العقيدة ولا ليحفظوا القرآن وتفسيره، وإنما ليبني منهم رجالا تقوم على أكتافهم دولة الإسلام؛ كتلة مؤمنة كانت قريش تسمي أفرادها حزب محمد، أي هؤلاء الذين يصدقون النبي ﷺ ويرون رأيه ويقولون بقوله، ومن هؤلاء رأينا أبا بكر الصديق رضي الله عنه وكيف كان يضع نفسه وماله ووقته وجهده في سبيل هذه الدعوة، ولما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه، وسعت قريش بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أوقال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أوتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فوجئوا بيقين ثابت وهم الذين كانوا يطمعون في زعزعة إيمانه... وهذا عبد الله بن مسعود كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ بمكة ولم يكن ذا قوة يدفع بها عن نفسه ولا عشيرة تمنع عنه الأذى، يقول ابن إسحاق: اجتمع يوما أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا؛ قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دعوني فإن الله سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، رافعا بها صوته: الرحمن علم القرآن، قال: ثم استقبلها يقرؤها. قال: فتأملوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد؟ قال: ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ. ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك؛ فقال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا؛ قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون... وهذا مصعب بن عمير، مصعب الخير، الفتى المنعم الذي ترك كل متاع الدنيا وزخرفها وزينتها ومالها وثراءها وترفها لأجل هذا الدين وهذه الدعوة، أرسله رسول الله ﷺ إلى المدينة مع من آمن من أهلها ففتح الله على يديه وعاد بسادتها مبايعين مناصرين...

هؤلاء الصحابة كانوا تجسيدا حيا لمن تم بناؤهم على أفكار الإسلام وعقيدته حتى تجسد فيهم وصارت غايتهم أن يتجسد في المجتمع، نعم فهم الكتلة التي أنشأها النبي ﷺ وتفاعل بها مع المجتمع هادماً أفكار الكفر فيه عاملا على بناء أفكار الإسلام، وثبتوا على ذلك والرسول فيهم وتحملوا كل الأذى في هذا السبيل، فمنهم ياسر وسمية وعمار وبلال وغيرهم ممن عذبوا وأوذوا في سبيل الله ودينه ودعوته، يقول خباب رضي الله عنه: شَكَوْنَا إلى رَسولِ اللهِ ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا له: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا؟ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ فِيمَن قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فِيهِ، فيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُشَقُّ باثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلَّا اللهَ، أَوِ الذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»، فعذبوا وحوصروا ومنعوا من الناس في محاولات لمنع بلوغ هذه الدعوة مرادها.

بالتزامن مع هذا كان رسول الله ﷺ يطوف بيوت العرب يستنصر أهل القوة يبحث عمن ينصره ليبلغ رسالة الله، مستجيبا لأمره جل وعلا، فيعرض على هؤلاء وأولئك، فمن يشترط ومن لا يجيب ومن يغري به الغلمان والسفهاء، إلى غير ذلك، حتى هيأ الله له ذلك الحي من الأوس والخزرج فآمنوا به ونصروه ونصروا دعوته، فكان إرسال مصعب الخير الذي فتح الله به المدينة فاستقبلت رسول الله ﷺ وتسلم الحكم فيها ليطبق الإسلام في طريقة ثابتة لكيفية إقامة دولة الإسلام ببيان شاف من صاحب الدعوة ﷺ واجب الاتباع.

أما من تربوا هكذا وتجسد فيهم الإسلام فهم من فهموا الإسلام وحمله وحمل دعوته للعالم وانطلقوا به يطوفون الآفاق شرقا وغربا، حتى رأينا ربعي بن عامر يدخل على رستم دخول الواثق الذي يعي حجم الأمانة التي يحملها وعظم الدعوة التي يدعو إليها وقوة العقيدة التي أمن بها، فكانت كلمات الواثق وهو يرد على رستم بعد أن قال له: نعطيكم ما يكفيكم ثلاث سنين، فأجاب: "ما لهذا خلقنا، إنما ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"، وهذا عقبة بن نافع يخوض المحيط بقوائم فرسه ويقول: "اللهم إنك تعلم أني قد بلغت المجهود، ولو أني أعلم أن خلف هذا البحر بلاداً لخضته، أقاتل في سبيلك، حتى لا يبقى على وجه الأرض من يكفر بك". نعم لقد كانت دعوة الإسلام وبلاغه للناس وتطبيقه عليهم هي القضية المصيرية لدى كل هؤلاء؛ من تربوا منهم في دار الأرقم ومن تربوا على يدهم فيما بعد، فمن تم بناؤهم في دار الأرقم هم من قامت على أكتافهم الأمة وحملت على أيديهم الدعوة حتى بلغت الآفاق.

وإن الواقع الذي نعيشه اليوم يقتضي السير وفق طريقة النبي ﷺ ببناء كتلة تحمل هم هذا الدين ودعوته وتستجيب لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقد كفى الأمة حزبُ التحرير هذا الواجب، فقام كحزب يعمل في الأمة لإقامة الخلافة داعيا لاستئناف المسلمين حياتهم الإسلامية من خلالها من جديد، وعلى الكتلة أن تتفاعل مع المجتمع لتصحيح طريقة تفكيرهم التي أتلفها الغرب بالنظرة الواقعية التي غرسها فيهم والزاوية الرأسمالية التي جعل منها وجهة نظرهم والنفعية التي جعلها مقياس أعمالهم، وما إلى ذلك من أعمال تهدم أفكار الغرب التي دخلت على أفكار الإسلام وتغير أفكارهم أو تعيدهم للتفكير على أساس الإسلام وعقيدته ومقاييسه الشرعية، ولتصبح مفاهيمه هي التي تسير سلوكهم في هذه الحياة، تزامنا مع هذا يجب أن تستنصر الكتلة أهل القوة من أبناء المسلمين المخلصين في الجيوش بتحميلهم أمانة الإسلام ووجوب تطبيقه على الناس وحمله للعالم حتى يلبي النداء من يهيئهم الله أنصارا كأنصار الأمس ينصرون هذه الدعوة دون قيد أو شرط، ويحيطونها من جميع جوانبها، فتقام بهم الدولة التي تعيد لهذه الأمة عزها ومجدها ووعد ربها سبحانه وبشرى نبيها ﷺ بدولة تطبق الإسلام من جديد؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.

إن الواقع لا يغير الحكم الشرعي بل يجب أن يتغير ليوافق الحكم الشرعي، ولا يجوز أن نخضع للواقع وإملاءاته كما لم يفعل رسول الله ﷺ، ولذا فليس أمام الأمة سبيل إلا العمل الجاد والمنتج من أجل تطبيق الإسلام من جديد تطبيقا شاملا كاملا في دولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وهذا وحده هو العمل الذي تبرأ به الذمم أمام الله عز وجل ويرضيه عنا، وبه وحده ينصلح حال البلاد والعباد وتنتهي عقود من هيمنة الغرب على بلادنا ونهبه لثرواتنا ومقدراتنا، وإننا في حزب التحرير إذ ندعو الأمة لهذا فإننا ندعوهم لخيري الدنيا والآخرة، ندعوهم لأمانة الإسلام ودولته؛ ميراث رسول الله ﷺ التي أقامها لنا واستخلفنا فيها وحمّلنا أمانة حفظها وحمايتها وحراستها وبقائها قوّامة على دين الناس ودنياهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر