الذي فشل في الكنانة هي ديمقراطيتهم الزائفة
December 01, 2014

الذي فشل في الكنانة هي ديمقراطيتهم الزائفة



يحاول البعض أن يوهمنا بأن ما حدث في مصر بعد 30/6 هو فشلٌ للإسلام السياسي، ولكن ما يجب أن يكون واضحا لنا جميعا أن الذين وصلوا إلى الحكم بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير ممن يُطلق عليهم أصحاب (الإسلام الوسطي) وأعني بهم جماعة الإخوان المسلمين،لم يكونوا يحملون مشروعا إسلاميا سياسيا حقيقيا، بل أكثر من ذلك لم نرَ لهم طوال السنة التي حكموا فيها أي بوادر لمثل هكذا مشروع، لا على صعيد الدستور الذي أخرجوه، والذي لا يختلف كثيرا عن دستور 1971 العلماني، ولا على صعيد القوانين التي بقيت على حالها ولم يعترِها أي تغيير باتجاه الإسلام، ولا على صعيد العلاقات الخارجية، فقد ظلت الهيمنة الأمريكية والتدخل الأمريكي في شئون البلاد واضحة وبشكل فاقع، وظلت العقلية الرأسمالية الاقتصادية هي هي، وقد ظهر هذا من خلال إصرار حكومة هشام قنديل على الاقتراض من صندوق النقد الدولي، والإبقاء على الربا وطرح وزارة المالية لأُذونات الخزينة بفائدة من 15% إلى 16%، كما ظل التنسيق مع كيان يهود على قدم وساق، وبقيت اتفاقية كامب ديفيد مصونة ومحترمة، فباختصار: تصرف الدكتور مرسي كرئيس لجمهورية مصر، تلك الدولة العلمانية التي تفصل الإسلام عن الدولة كما كانت إبان حكم مبارك وأسلافه، ولم يتصرف باعتباره ابنًا لحركة إسلامية تحمل مشروعا إسلاميا، وبالتالي فإن الحديث عن فشل الإسلام السياسي، هو كلام غير صحيح، لأن الإسلام السياسي هذا لم يحكم أصلا، ومن وصلوا للحكم لم يكن لديهم مشروع تغييري حقيقي على أساس الإسلام.


يمكننا القول أن الذي فشل في مصر هو الديمقراطية، تلك الفكرة التي انبهر بها البعض حتى من أبناء ورموز التيار الإسلامي، ورأوا فيها حلا عبقريا لتداول السلطة، والتي تروج لها أمريكا في بلادنا على أنها هي الحرية في اختيار الحاكم، في محاولة لإخفاء وجهها الحقيقي الذي لا يمكن أن يقبل به مسلم، وهو أن يكون التشريع أي التحليل والتحريم بيد البشر، وبرغم ذلك فقد انقلبوا على ديمقراطيتهم الزائفة ورفضوا تداول السلطة ونتائج صندوق الانتخابات، سواء في انتخابات مجلس الشورى أو مجلس الشعب أو الرئاسة أو الاستفتاء على الدستور، فظهر لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن ديمقراطيتهم فاشلة زائفة.

وها نحن اليوم نعود للمربع صفر إذ قامت محكمة الجنايات بالقاهرة بتبرئة الفسدة الذين قامت الثورة لخلعهم بل قالت في حيثيات الحكم أنه ما كان ينبغي أن يقدم مبارك لمثل هكذا محاكمة وهو وصف أعلى بكثير من مجرد البراءة. فالذي فشل إذاً وانكشف دَجله وبان عواره هو النظام الديمقراطي الذي تغنى به أبواق العلمانية في مصر ومن وراءهم دول الغرب الكافر التي تدعي أنها ترفع لواءه، فإذا بها تغض الطرف عن انقلاب عسكري دموي أطاح برئيس منتخب حسب أصولهم الديمقراطية، بل وأكثر من ذلك ترى أبشع صور القمع والقتل دون أن تحرك ساكنا، سوى تصريحات استهلاكية لا قيمة لها، وقد سمعنا ما قاله رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، توني بلير، إنه "يؤيد تماما ما قامت به القوات المسلحة المصرية في مصر حفاظا على هويتها المنفتحة، مقارنة بالرؤية المنغلقة التي كان يتبناها الإخوان المسلمون".

إذاً الذي فشل في مصر هو الديمقراطية التي افتضح أمرها وأمر دعاتها ومن يقف وراءها من دول الغرب الكافر، كما فشلت أمريكا في إحداث استقرار في مصر يحفظ لها مصالحها فلا هي نجحت في فترة حكم المجلس العسكري، ولا في فترة حكم مرسي ولا حتى في ظل هيمنة العسكر من خلال حكم السيسي، فما زالت الأمور غير مستقرة لها ولا زال الحراك مستمرا في الشارع وهو في الأيام المقبلة في طريقه للتبلور ليكون حراكا صحيحا على أساس الإسلام يطالب بهويته الإسلامية ويسعى لها من خلال تطبيق الإسلام في دولة الخلافة على منهاج النبوة بإذن الله، ويرفض التبعية الأمريكية ويعمل على إسقاطها وأدواتها في الحكم.


لقد كانت الأغلبية التي كان يشكلها حزب الحرية والعدالة "الإخوان المسلمون" وحزب النور "السلفيون" أغلبية عرجاء لم يستفد منها التيار الإسلامي، ولم تشكل مكسبا للمشروع الإسلامي، ذلك لأنه لم يكن هناك في الحقيقة مشروع لهما يمكن وضع الإصبع عليه ووصفه بأنه مشروع إسلامي، لقد انخرط الحزبان في اللعبة الديمقراطية وغرقا فيها غرقا تاما حتى أذقانهما، وظهر للعيان كيف أن حزب النور قد تمت صناعته صناعة ليقوم بالدور المنوط به لعرقلة حكم الإخوان ودعم عودة الدولة العميقة للواجهة مرة ثانية. لقد بدا الصراع بين الحزبين واضحا على السلطة، فكل واحد منهما أراد أن يسوِّق نفسه للغرب باقترابه كثيرا من المفاهيم الغربية وطلب ودّ الدول الغربية، والبعد كثيرا عن المفاهيم الإسلامية خاصة المتعلقة بإدارة البلد من ناحية الحكم والسياسة. ناهيك عن أن السلطة الحقيقية لم تكن بيد أي منهما، بل كانت في يد أمريكا من خلال المؤسسة العسكرية، التي حافظت على النظام العلماني بكل أدواته ومؤسساته، ولهذا كان من الطبيعي أن لا ينجحا في تقديم أية مكاسب حقيقية تصب في صالح الإسلام والمشروع الإسلامي. لقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أنهما أساءا كثيرا من حيث يدريان أو لا يدريان إلى المشروع الإسلامي، الذي أرادت أمريكا أن تظهر فشله علَّها تستطيع واهمة أن تصرف الناس عنه، ليكن مطلبهم مركّزا في اتجاه واحد هو الدولة المدنية العلمانية، ويختفي تماما الحديث عن الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة والحكم بالإسلام ودولة الخلافة.


لقد أغفلت أمريكا أن الناس في مصر أغلبهم مسلمون، وأنهم في الغالبية العظمى منهم يحبون الإسلام ويريدون أن يروه مطبقاً في واقع حياتهم، وقد أعطوا أصواتهم في الانتخابات البرلمانية لمن رفع شعار الإسلام، كجماعة الإخوان وحزب النور السلفي، فحصل حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان على نسبة 44% وحصل النور على 22%، وبرغم أن المرشح (الإسلامي) محمد مرسي قد نجح في انتخابات الرئاسة بعد ذلك بشق الأنفس، فحصل على حوالي 52% من الأصوات أمام أحمد شفيق ممثل النظام السابق، الذي لم يمر على ثورة الناس عليه سوى سنة ونصف السنة. وبرغم فشل الإخوان في إدارة المرحلة إلا أن الناس في مصر يفرقون وبشكل واضح بين فشل الإخوان وبين الإسلام، ويدركون أن الإسلام لا يمكن أن يفشل لأنه دين الحق، وهو قادر على أن ينقذ البلاد والعباد بشرط أن تحمله جماعة مشروعا سياسيا متكاملا واضح المعالم.


ومما لا شك فيه أيضا أن الجيش من أبناء مصر، وأكثره من المسلمين، لكن قيادته ممثلة بوزير الدفاع وبعض القادة الكبار، تربطهم مصالح بأمريكا تجعل منهم أدوات للمحافظة على المصالح الأمريكية في مصر، التي تشكل عمقاً استراتيجياً للسياسة الأمريكية في المنطقة، وقد استطاعت تلك القيادة تبرير كل ما تقوم به من إجراءات وحشية ضد المتظاهرين من خلال جهاز الشئون المعنوية بالقوات المسلحة، التي على سبيل المثال استخدمت الدكتور علي جمعة المفتي السابق، والداعية عمرو خالد، والشيخ سالم عبد الجليل وكيل وزارة الأوقاف السابق، في إصدار فيديوهات تبرر كل ذلك من ناحية شرعية، كما أنهم يسيطرون على آلة إعلامية ضخمة، تقوم بحشو عقول الناس بما تريد، بل ربما تقنع الكثيرين بأن المتظاهرين قتلوا بعضهم بعضا ليظهروا أنفسهم أنهم ضحايا، ناهيك عن الحديث عن الأمن القومي وتهديد السلم الأهلي وتنفيذ أجندات خارجية من قبل المتظاهرين، واستعمال فزَّاعة الإرهاب لتبرير كل ذلك القتل عند الناس والجنود والضباط الذين يقومون بذلك.


وهنا يبرز سؤال: هل يمكن للجيش المصري أن يعطي النصرة لتطبيق الأحكام الشرعية وإقامة الحكم الإسلامي في مصر؟


إن الجيش المصري هو من نسيج هذا الشعب، وجنوده وضباطه في غالبيتهم العظمى مسلمون محبون للإسلام، وهم يشعرون بما يشعر به الناس، ويتألمون لما يتألم منه الناس، ولكن قطاعاً عريضاً منهم لا يدرك أين الخلل في تركيبة النظام السياسي الموجود، فلو تم الاتصال بهم وتوعيتهم لأمكن التأثير فيهم وكسبهم إن شاء الله، فهم ليسوا معزولين في معسكرات خارج المناطق السكنية، بل هم من بنية المجتمع، فمنهم الأب والابن والخال والعم والصديق، والاتصال بهم والحديث معهم ممكن، والإسلام هو عقيدتهم وحضارتهم التي ينتمون إليها، فمن الممكن أن يعطي الجيش المصري النصرة لإقامة الخلافة شريطة أن يرى حملة هذا المشروع في أرض الواقع، يغذون السير نحوه ويصلون الليل بالنهار لتحقيقه، ويرى التفاف الناس من حولهم، ويدرك عظمة هذا المشروع من خلال الصراع الفكري والكفاح السياسي الذي يمارسه حملة الدعوة في المجتمع. لقد انحاز الجيش في 25 يناير لحركة الشارع العارمة ضد مبارك وحاشيته - وإن اضطُر لذلك - لكنه سينحاز بشكل فعلي لمشروع الخلافة إذا التف الناس حوله، واتصل حملة هذا المشروع بقادته وضباطه اتصالا واعيا يجعل منهم حراسا وناصرين للخلافة ولمشروعها.

وأخيرا نقول إن الخلافة على منهاج النبوة قائمة لا محالة، وإمكانية إقامتها هذه الأيام أقوى من أي وقت مضى، فقد انكشف الحكام للأمة وبانت عمالتهم وخدمتهم لأسيادهم في الغرب الكافر، وظهر عوار المبدأ الديمقراطي، وانفضح أمر الديمقراطية الزائفة، ولعل هذا من حسنات ما حدث في 30 يونيو إن كان له حسنات. فلقد اتضحت معالم الصورة لمن كانت على بصره غشاوة الديمقراطية والحريات الزائفة، وظهر لكل ذي بصيرة أن الإسلام هو وحده القادر على إنقاذ الناس من ضيق الدنيا وضنك العيش. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر