الترويج للتجارب الغربية الاجتماعية هو العنف الحقيقي ضد المرأة والأسرة
June 04, 2020

الترويج للتجارب الغربية الاجتماعية هو العنف الحقيقي ضد المرأة والأسرة

الترويج للتجارب الغربية الاجتماعية هو العنف الحقيقي ضد المرأة والأسرة


دعت المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي (صيحة)، إلى إنشاء نيابات عامة بالعنف القائم على أساس النوع، وأبدت قلقها من تزايد العنف المنزلي ضد النساء في فترة الإغلاق الشامل، وقالت المدير الإقليمي لشبكة صيحة هالة الكارب: تتعرض النساء في السودان إلى انتهاكات كثيرة، بعضها محمي بالقانون، ودعت الكارب في مذكرة مطلبية إلى النائب العام السوداني تلقتها "سودان تربيون"، الأربعاء لردع العنف المبني على أساس النوع وإلى إنشاء نيابات خاصة بالعنف القائم على أساس النوع أسوة بنيابة الأسرة والطفل مع توفير منازل آمنة للمعنفات تعمل فيها جميع مكونات الدولة لضمان سلامتهن وإيصالهن إلى العدالة، وحث البيان النائب العام للعمل مع بقية أجهزة الدولة على إلغاء القوانين المميزة ضد النساء ووضع قوانين تمكن النساء من الوصول إلى العدالة والإنصاف، وجددت المبادرة مطلبها في التوقيع والمصادقة على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء (سيداو) وبروتوكول مابوتو الملحق بالميثاق الأفريقي للمحافظة على حقوق الإنسان والشعوب.


وأبدت المبادرة قلقها حيال أوضاع النساء والفتيات وما يتعرضن له من عنف يتمظهر جلياً خلال فترة الحجر المنزلي وتفشي فيروس كورونا مما استدعى عدم الخروج من المنازل، حيث ترتب على ذلك نسب عالية من الاعتداءات الجسيمة والانتهاكات على النساء والفتيات دون وجود آليات قانونية للتصدي لهذه الإشكالية.


وطالبت بأن تكون قضايا النساء والفتيات من القضايا التي يجب أن تحتل قائمة الأولويات في المؤسسة العدلية في ظل الحكومة الانتقالية، بعد أن عانت النساء تحت سطوة نظام البشير من العنف والظلم والتجريم، حتى فقدت المؤسسة العدلية مصداقيتها في التصدي لقضايا النساء ورفع الظلم عنهن وتوفير الحماية والأمن لهن. (الأربعاء 27 أيار/مايو2020م).


من المفارقات أن تعدل العديد من الحركات النسوية في الغرب برامجهن ومعتقداتهن المستمدة من الحضارة الغربية بعد ما لحق بالمجتمع من أضرار بالغة في المائة سنة الماضية سعياً إلى استعادة أهمية دور المرأة بعد أن أدركت الضرر الشديد الذي ألحقته الأفكار النسوية ببنية الأسرة، في حين إن الحكومات والمنظمات في بلادنا لا تزال مستمرة في اندفاع نحو التجربة الاجتماعية النسوية الكارثية المستوحاة من الغرب. فتراهم يسنون المزيد من القوانين والسياسات على أساس الأفكار النسوية البالية والسقيمة ويروجون لها بكثافة، مدعين بسخف أنها علامة على التقدم وبأنها ستوفر حياة أفضل للنساء، بدلاً من رفض هذه الأفكار المسمومة بعد أن ثبت عدم جدواها في الغرب.


إن مبادرة (صيحة) كمنظمة نسوية تعمل بدأب ونشاط لتفعيل جميع المقررات والبروتوكولات والاتفاقيات الدولية التي تخص المرأة والأسرة بشكل عام، عبر المطالبة المستمرة بشرعنة القوانين وتبنيها والمصادقة عليها والعمل على دمج قضايا النوع الجنسي (الجندر) في مختلف السياسات والبرامج والخطط الوطنية كما طالب البيان.


وفي ظل الفترة الانتقالية تضاعفت الجهود لعلمنة المجتمع في السودان عبر فرض قيم غريبة عن مجتمعنا بعيدة عن موروثنا الحضاري، فها هو رئيس الوزراء يوجه وزير العدل لدراسة إمكانية المصادقة على (سيداو) التي تستهدف الأسرة المسلمة، وأهم مكوناتها المرأة (أماً، زوجة، ابنة) تحت شعارات الحرية الشخصية والمساواة وصحة المرأة الإنجابية، ووقف العنف ضد المرأة وما أسموه بالعنف الأسري... الخ، هذه الشعارات المبطنة التي تدس السم في الدسم لن تخدم إلا أجندة عولمة المجتمع وتشتيت شمل الأسرة كما حدث في الغرب.


إن تجديد المطالبة بالتوقيع على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لهي كارثة تحدق بالمجتمع في السودان؛ فهذه الاتفاقية تلغي كل أحكام النظام الاجتماعي في الإسلام، وتتعهد الدولة الموقعة عليها بتقديم تقرير سنوي عما اتخذته من تدابير تشريعية وقضائية وإدارية وغيرها من أجل إنفاذ هذه الاتفاقية، وعن التقدم المحرز في هذا الصدد (وفق ما نصت عليه المادة 18 من هذه الاتفاقية)، ما يعني إلغاء كل الأحكام الشرعية التي تنظم الأسرة والاستعاضة عنها بالقوانين الوضعية التي تشيع الفاحشة وتدمر كيان الأسرة.


والناظر في أجندة بنود سيداو وبرتوكول موبوتوا يجدها جميعها تستهدف الأسرة ومكوناتها، ومن ذلك: العمل على القضاء على الشكل النمطي للأسرة (أب وأم وأطفالهما) مع ضمان حق الشذوذ الجنسي وعدم تجريمه، ونشر الثقافة الجنسية في المدارس، وتقوية حقوق الأبناء برفع سلطة الآباء عنهم، وتفعيل آليات لإفقاد الأسرة وظائفها بالطعن في القوامة، وإدماج الزوجة الأم في التنمية بهدف الإضرار بواجبات الأمومة.


ويظهر ذلك جلياً في بيان مبادرة (صيحة) الذي يطالب بالمساواة بين المرأة والرجل وإلغاء القوانين التي أسماها مميزة في لفتة نظر واضحة لقوانين الشريعة الإسلامية التي فيها اختلاف في الحقوق والواجبات لكل من المرأة والرجل وليس هناك مساواة ولا تفاضل بل هو تشريع رباني يعلم ما يصلح حال المرأة والرجل، وفي حال استجابت الحكومة لهذه المطالب فسيؤدي ذلك إلى دمار الأسر بما سيؤول إليه الحال من الارتباك والشقاق فيما يتعلق بالمسؤوليات الزوجية والأبوية، ما يقود لتآكل الأدوار والواجبات المحددة بوضوح في إطار الزواج بالنسبة للرجل والمرأة فيما يتعلق ببناء الأسرة والأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، ويفضي إلى نزاعات متكررة داخل الأسر. وعلاوة على ذلك، فإن الرجل الذي أقيل من منصبه كرئيس للأسرة بسبب "مساواة الجنسين" في إطار الهيكل الأسري، مع عدم وجود آليات وطريقة منظمة لحل هذه الخلافات سيتحول كحال الرجل الغربي الذي بلغت نسب عنفه ضد المرأة مآسي تحسب بالثواني من ضرب وتشويه وقت.


إن تصور وجود عنف ضد النساء ناتج عن الحجر المنزلي يدل على نسج خيال مريض يريد إفساد المجتمع وإلحاق ضرر كبير بالوئام ووحدة الحياة الأسرية بتوهم وجود تعنيف ضد المرأة في واقع لا يتم الاطلاع عليه؛ لأن المنظور النسوي الفردي قصير النظر دائماً ما ينظر إلى ما هو أفضل لرغبات المرأة ومصالحها بعيداً عن القيم والمثل العليا، وكأنما النموذج هو المرأة الغربية والتي تعاني في كل لحظة من حياتها البائسة التي فاضت بالحرية والتحرر فنتج عن ذلك نسب مهولة من الانتحار.


وقد تضافرت الأحداث التي تدفع المجتمع نحو هاوية العولمة بسرعة ولعبت فيها أجهزة الإعلام دوراً في الانحدار نحو ثقافة الفُجور والفسق والتفكك، فأصبح الإعلام يبث في كل لحظة المفاهيم والأفكار التي تهدم الأسرة وتدعم نشوز النساء وانفلاتهن عن قوامة الرجل مما يجعل المرأة تعتقد أن بإمكانها الاضطلاع بدور الأم والأب وبالتالي فإنها "لا تحتاج إلى رجل"! وقد أخذ ذلك بالكثير من النساء اللاتي واجهن مشاكل زوجية في زواجهن مفضلات التحول السريع إلى خيار الطلاق مما أدى لارتفاع نسبة الطلاق لأكثر من 35%... ودور الإعلام يظهر في بث برامج عديدة تخدم ما تم ذكره في بيان مبادرة صيحة منها مثلاً (برنامج ونسة) في قناة النيل الأزرق والذي بثت إحدى حلقاته باستضافة محامية تحرض المطلقات لعدم الرجوع مهما كانت الأوضاع ولزوم الاتصال بالمراكز العدلية. أما مسلسل (دار المطلقات) فكأنما صمم ليوافق ما تطالب به مبادرة صيحة والذي يروي حكايات ملفقة كأنها تحدث في مجتمع غير الذي نعيش فيه، فكل المطلقات معنفات ومهضومات الحقوق، وهذا لا يحدث دائما؛ فقد يحدث الطلاق دون أي عنف كحل لمشكلة وإنهاء علاقة لم يقدر لها الاستمرار لإعطاء الزوجين فرصة حياة زوجية أخرى يسودها التفاهم والوئام... ويروي المسلسل مشاهد تضرب الحياة الزوجية القائمة على المودة والرحمة، ناهيك عن أشكال الممثلات المتبرجات الموجودات في دار لوحدهن كأنهن لا ولي لهن في مجتمع تعتز فيه المرأة بأوليائها وتكتب في ذلك الشعر وتغني الأغاني.


ولكن العقل والفطنة تجعلنا نتساءل: ما هي النتائج التي جنتها الدول من الفكر النسوي والإمضاء على اتفاقية سيداو وتلويث المجتمع بما يبثه الإعلام من قاذورات الفكر الغربي؟ ألم تدمر الأسر وتزيد نسب الطلاق الشقاق الذي يزيد من العنف الأسري ليطال كل مكونات الأسرة، ويقوض الانسجام في الحياة الأسرية؟؟ وعلى سبيل المثال، ارتفع معدل الطلاق في مصر من 7% إلى 40% خلال السنوات الخمسين الماضية (الأمم المتحدة والوكالة المركزية للتعبئة العامة)؛ وفي لبنان، زادت بنسبة 55% بين عامي 2000م و2013م (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة)؛ وفي تركيا زادت الصدمة بنسبة 82% بين عامي 2006م و2016م (المديرية العامة للسجلات والإحصاءات الجنائية).


فلْتعِ كل النساء أن هذه الفبركات والأكاذيب النسوية ليس من أهدافها تحسين مستوى معيشة المرأة كما تدعي بل هدفها عولمة الحضارة الغربية الرأسمالية التي تختصرها كلمات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون التي ذكرت في كلمة ألقتها في مؤتمر في بيرو في عام 2012م بعنوان: "السلطة هي المرأة بوصفها محركا للنمو والدمج الاجتماعي" "إن القيود المفروضة على المشاركة الاقتصادية للمرأة تكلفنا كميات هائلة من النمو الاقتصادي والدخل في كل منطقة من مناطق العالم. ففي منطقة آسيا والمحيط الهادئ على سبيل المثال، فإنها تزيد عن 40 مليار دولار سنويا في الناتج المحلي الإجمالي كل عام". ولذلك، فإن "النظام الرأسمالي" يستغل لغة الحركة النسوية والمساواة، ويروج لروايات مثل "تمكين المرأة من خلال العمل"، لتحقيق منفعة مالية محضة. ولم يكن هذا السرد سوى أكاذيب من الرأسمالية والنسوية التي خدعت المرأة بالأمومة، وسلبت الأطفال حقوقهم، وتحملت ثمناً باهظاً على رفاهية المرأة والمجتمع بصفة عامة. إنها علامة أيديولوجية تضع بانتظام وباستمرار خلق الثروة فوق الاحتياجات والقيم الإنسانية المهمة الأخرى.


إن مبادرة (صيحة) وغيرها من المنظمات النسوية التي تتبنى مشروع النوع الاجتماعي (الجندر) تعمل لتغيير واقع المرأة المسلمة والمجتمع في السودان ليستمد قيمه من حضارة الغرب الرأسمالي التي تجعل المرأة سلعة وتدمر الأسرة وذلك باقتلاع ثقافة الإسلام وأخلاقه وقيمه الرفيعة، وإحلال ثقافة (سيداو) وأخواتها بدلاً منها جرعة جرعة، ولن تكف الأيدي العابثة بثقافة أبنائنا وبناتنا وتماسك أسرنا وطهارة أفكار المجتمع إلا باجتثاث هذه الأنظمة العفنة، واستبدال الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بها، هذه الخلافة التي تزرع الخير والطهارة، وتغلق أبواب الشر والبغي، وتحمي المرأة والأسرة من كل ما يقوّض كيانها وقوتها ونسائها.


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار (أم أواب)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر