التشكيلات الوزارية في السودان سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء
January 08, 2021

التشكيلات الوزارية في السودان سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء

التشكيلات الوزارية في السودان سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء

أكدت مصادر رفيعة لصحيفة (الجريدة) الصادرة الأحد 2021/01/03م، على أنه تم الاتفاق على إلغاء وزارة السلام لعدم الحاجة إليها في ظل وجود مفوضية السلام. وقالت المصادر ذاتها إن المكون العسكري سيحتفظ بوزارتين هما الدفاع والداخلية، وأكدت احتفاظ وزير الدفاع، الفريق ياسين إبراهيم بمنصبه، فضلا عن أن المكون العسكري أبدى رغبته في تغيير وزير الداخلية، الفريق الطريفي إدريس، وأشارت المصادر إلى أن قوى الحرية والتغيير ستقدم مرشحين جدداً في كل الوزارات وبعدد غير محدد، مع بقاء أسماء الوزراء الحاليين ضمن المرشحين، وسيتم الحوار مع رئيس الـوزراء لتقييم أداء الـوزراء وتحديد المغادرين. وأردفت المصادر أنه لم يتأكد حتى الآن عدد الوزراء المغادرين، لكنها أكدت أن معظم الوزراء المكلفين سيغادرون مناصبهم باستثناء وزيري النفط والنقل.

وجاء في موقع الراكوبة التي رصدت تشكيل حكومات السودان ما يلي: بلغ عدد الحكومات التي تم تشكيلها منذ الاستقلال وحتى الأخيرة حكومة حمدوك 59 حكومة، فقد شهد العهد الوطني الأول في الفترة من كانون الثاني/يناير 1954 وحتى 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1985 تكوين 5 حكومات كانت عدد الحقائب الوزارية فيها 93 حقيبة وزارية، وكانت أقل الحقائب في هذه الحكومات إحدى عشرة حقيبة وزارية.

أولاً: حكومة ما قبل استقلال السودان:

قبيل نيل السودان استقلاله بقليل، تكوّنت أول حكومة وطنية في يوم 9 كانون الثاني/يناير عام 1954، وكان منصب رئيس الوزراء من نصيب الزعيم التاريخي إسماعيل الأزهري، الذي كان يومذاك ينتمي إلى حزب "الأشقاء" الذي نادى بالوحدة مع مصر، وبالرغم من وجود الحكم الثنائي "البريطاني - المصري" في السودان تشكلت الحكومة الانتقالية بسبب إصرار الأحزاب الوطنية على حق السودانيين في تقرير المصير، وتشكيل حكومة وطنية تفاوض بريطانيا ومصر في الاستقلال التام عن هاتين الدولتين.

ثانياً: حكومات تشكلت خلال أعوام 1958- 1964:

أ- في فترة الحكم العسكري الأول برئاسة الفريق إبراهيم عبود التي امتدت من يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1958 وحتى 21 تشرين الأول/أكتوبر 1964 فقد تكونت حكومتان بتعديل وزاري واحد، كانت جملة حقائبها الوزارية في هذا الزمن العسكري 28 حقيبة وزارية.

ب- تسجل سيرة الحكومات السودانية مؤشراً إيجابياً لحكومة الفريق إبراهيم عبود التي كانت أكثر الحكومات الوطنية استقراراً ولم تشهد إلا تعديلاً وزارياً واحداً طوال ست سنوات.

ثالثاً: حكومات تشكلت خلال عامي 1964-1965:

أ- أعقبت هذه الفتره حكومات تشرين الأول/أكتوبر التي امتدت من يوم 21 تشرين الأول/أكتوبر 1964 وحتى نهاية عام 1965، وشهدت البلاد خلال هذه الفترة قيام ثلاث حكومات بتعديلين، وخلال عام واحد كانت جملة حقائبها 40 حقيبة وزارية.

ب- وفي فترة الديمقراطية الثانية التي أعقبت حكومة تشرين الأول/أكتوبر وانتهت بانقلاب أيار/مايو 1969 فقد تم تكوين أربع حكومات ائتلافية تبادل فيها رئاسة الحكومة كل من محمد أحمد محجوب والصادق المهدي. وبلغت حقائب حكومات هذه الفترة التي لم تتجاوز الخمس سنوات 68 حقيبة وزارية.

رابعاً: حكومات زمن حكم النميري 1969- 1985:

أ- في أيار/مايو 1969، وقع في السودان الانقلاب العسكري الثاني، بقيادة البكباشي جعفر النميري، الذي أسند رئاسة الوزراء إلى بابكر عوض الله 1969-1970، وكان عوض الله محسوباً على حركة القوميين العرب، ثم علق المنصب لعدة سنوات، إلى أن تولاه الرشيد الطاهر بكر، خلال الفترة 1976-1979، الذي شغل منصب نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، ثم ألغى النميري المنصب.

ب- تكونت خلال سنوات حكم النميري التي استمرت طوال 18 عاماً عشر حكومات برئاسته شخصياً، وجرى تعديل حكومي واحد، بلغت جملة حقائبها الوزارية 560 حقيبة وزارية، كانت أوسع حكوماتها حكومة أيار/مايو الخامسة عشرة التي كان عدد وزرائها 45 وزيراً.

ج- شهدت فترة حكم المايوي بدعة جديدة في التعديلات الوزارية، وذلك عندما أجرى جعفر نميري تعديلاً وزارياً وهو بمطار الخرطوم في طريقه إلى فريتاون للقاء قمة مع الرئيس الإثيوبي الأسبق منجستو هايلا مريام، عين بموجبه محمد خوجلي صالحين وزيراً للثقافة والإعلام خلفاً للدكتور محمد عثمان أبو ساق الذي كان مفترضاً أن يرافق الرئيس نميري في هذه الرحلة بيد أنه تأخر في اللحاق به في المطار.

د- ويقر المحللون لتكوين الحكومات الوطنية أن فترة أيار/مايو كانت من أكثر فترات الحكم الوطني استفادة من الكوادر المتخصصة من أصحاب الخبرات وأساتذة الجامعات وأهل القانون والقيادات الشعبية. ويشير الأستاذ/ عبد الباسط سبدرات في كتابه (حكومات السودان - خمسون عاماً من التململ والقلق الوزاري) أن أول تعديل وزاري في حكومة الإنقاذ الوطني جرى في العاشر من نيسان/أبريل 1990 بعد أول تشكيل لها في التاسع من تموز/يوليو 1989 وأن فترة حكم الإنقاذ قد زاوجت بين التخصصات المهنية والخبرات والتكنوقراط وشريحة مقتدرة من القانونيين وأساتذة الجامعات والأطباء والعناصر السياسية وبمشاركة مميزة للمرأة في المناصب الوزارية على المستوى الاتحادي والولائي مع تفاوت ملحوظ في مشاركة الكفاءات والفئات الأخرى في عهود الحكم الأخرى عسكرية كانت أو حزبية أو انتقالية.

خامساً: حكومة الدكتور الجزولي دفع الله:

تلت هذه الفترة حكومة الانتفاضة برئاسة المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الدهب رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي ودكتور الجزولي دفع الله رئيساً للوزراء ولم تشهد هذه الحكومة تعديلات، بلغت عدد حقائب هذه الحكومة 17 حقيبة وزارية.

سادساً: الفترة الانتقالية الثالثة:

في فترة الديمقراطية الثالثة التي امتدت من 6 نيسان/أبريل 1986م وحتى 30 حزيران/يونيو 1989 تم تشكيل 5 حكومات كلها برئاسة الصادق المهدي، بلغت جملة حقائب حكومات هذه الفترة ذات السمة الائتلافية 106 وزيراً، كان أوسع تمثيل لها 30 حقيبة وزارية وأقله 14 حقيبة وزارية.

سابعاً: حكومات عهد الإنقاذ 1989 – 2019:

أ- في ظل حكم الإنقاذ الذي بدأ منذ 30 حزيران/يونيو 1989 وحتى عام 2013 شهدت البلاد خلال هذه الفترة تكوين أكثر من 16 وزارة وتعديلاً وزارياً بلغت جملة حقائبها أكثر من 400 حقيبة وزارية.

ب- وبدون مقدمات ألغى البشير منصب رئيس الوزراء، ولم يشغله أحد حتى العودة إليه في يوم 2 آذار/مارس 2017، وتعيين بكري حسن صالح رئيساً للوزارة، إلى جانب منصبه نائباً أول لرئيس الدولة. وبالتالي، كان أول رئيس وزارة يجري اختياره منذ تولي الرئيس البشير مقاليد الحكم.

ج- بعد سنة واحدة من رئاسة بكري صالح للوزارة، فاجأ الرئيس البشير المراقبين، وأعلن حل الحكومة وتقليصها، وفصل منصب النائب الأول للرئيس عن منصب رئيس الوزراء. ويوم الأحد 9 أيلول/سبتمبر 2018، اختير وزير الري والكهرباء، معتز موسى، رئيساً جديداً للوزراء، ليدوَّن في سجلات الحكم في السودان باعتباره "رئيس الوزراء العاشر" منذ نيل البلاد استقلالها، وتكوين الحكومات الوطنية.

د- في يوم الأحد 24 شباط/فبراير 2019، أدى محمد طاهر إيلا رئيس الوزراء الجديد قسم اليمين، في الوقت الذي نزل محتجون مجددا إلى الشارع للمطالبة برحيل الرئيس عمر البشير الذي كان قد أعلن حالة الطوارئ في كامل البلاد وأقال الحكومة السابقة.

ثامناً: الحكومة الانتقالية برئاسة حمدوك:

أعلن رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، تشكيل حكومته الجديدة، المكونة من 20 وزيراً، لتكون أول حكومة بعد إسقاط نظام الرئيس المعزول عمر البشير في 11 نيسان/أبريل 2019 بثورة شعبية انطلقت منذ كانون الأول/ديسمبر 2018، وقال حمدوك في مؤتمر صحافي عقده لإعلان تشكيل الحكومة بالخرطوم، إن حكومته تسعى لبناء مؤسسات فعالة تنفذ خططا مدروسة، واعتذر عن تأخير إعلانها عن الموعود المضروب، وأرجعه إلى السعي لإجراء مشاورات واسعة ترتبط بالكفاءة وتستصحب تمثيل النوع وتمثيل السودان. وكشف حمدوك عن برنامج حكومته، وقال إنه سيبدأ بوقف الحرب وبناء السلام المستدام، وأشاد بمواقف وتصريحات قادة الحركات المسلحة، بقوله: "الإخوة في الكفاح المسلح شركاء أصيلون في الثورة، وهذا يخلق ظرفا مواتيا جدا لتحقيق السلام"، وتابع: "بدأنا عملياً في التحضير للسلام، وتشكيل لجنة مصغرة للتشاور، لوضع إطار عام لمفوضية السلام". وقال حمدوك إن وضع الاقتصاد ومعاش الناس هو الأولوية الثانية في برنامج حكومته، وأضاف: "الوضع الاقتصادي، ومعاش الناس من المهام الأساسية، نحن نطمع في بناء اقتصاد وطني يقوم على الإنتاج"، وتعهد حمدوك بإعادة بناء الدولة، وجدد التزامه بإقامة العدالة والعدالة الانتقالية، واتباع سياسة خارجية تأخذ بمصالح السودان، والعمل مع الأصدقاء والأشقاء والشركاء، لبناء عالم تسوده المحبة وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد.

تاسعاً: خلال الفترة من عام 1954 وحتى 5 أيلول/سبتمبر 2019، أي خلال 74 عاماً بلغ عدد الوزراء، ووزراء الدولة، ووزراء الحكومات الولائية، ووزراء الجنوب قبل الانفصال نحو 11 ألف شخص.. وعدد قليل جداً من النساء كن نحو 40 وزيرة ووزيرة دولة.

ورغم هذا الكم الهائل من التعديلات والتشكيلات الوزارية، والأعداد الفلكية للوزراء، يزداد الحال كل يومٍ سوءاً بعد سوء أدى إلى خروج الناس إلى الشارع، يطالبون بإسقاط النظام، ولكن الحال لم يتغير، ولم يتبدل، بل ازدادت شكاوى الناس من الحالة الاقتصادية السيئة التي أُوصِلوا إليها، وخروج الناس منددين في تظاهرات جراء الوضع الاقتصادي الخانق، لهو خير دليل على أن التغيير الذي ينشده الناس لم يتم حتى الآن! فهذه الحكومات لم تفهم معنى التغيير، ولا معنى الحكم، وربطوه بأشخاص، وغضوا الطرف عن أساس المشكلة؛ وهو النظام والدستور والقوانين التي تحكم هذه البلاد، لأن أنظمة الحكم الموجودة بعيدة كل البعد عن نظام الإسلام من حيث الشكل والمضمون. فهي ليست مأخوذةً من كتاب الله وسنة رسوله، وما أرشدا إليه، بل هي أنظمة على النقيض من نظام الإسلام، وهذا أمر محسوس ملموس للمسلمين لا يختلفون عليه. ولكن ما يمكن أن يوجِد عند الناس التباساً هو ظنهم أن الأشخاص قد يحدثون تغييراً، لذلك لا يرون بأساً أن يكون هناك تغيير لمجلس الوزراء، وتشكيلات هنا وهناك، وعندما تفشل هذه الحكومات يظنون أن الفشل يتعلق بالأشخاص لا بالأفكار والأنظمة!

فمن الطبيعي أن تفشل كل هذه الحكومات في تسيير دفة الحكم بالعدل، لأنها لم تقم على فكرة صحيحة، وقد عبر بعضهم عن هذا الفشل صراحة، ففي حديثه أمام البرلمان الأربعاء 2017/10/25م، أقر النائب الأول لرئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، بكري حسن صالح، بفشل الحكومة البائدة في معالجة الأزمة الاقتصادية، وطالب بمدرسة جديدة، حيث قال: "إن المدارس السابقة لإدارة الاقتصاد رغم اجتهادها إلا أن (الحكاية واقفة) لذلك اقتصاد البلاد بحاجة إلى مدرسة جديدة" (سودان تربيون الأربعاء 25 تشرين الأول/أكتوبر 2017م).

وهذا رد رئيس الوزراء حمدوك على تصريحات رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان التي ذكر فيها أنه (مرت سنتان ولم تكن قدر الطموح وأن الفترة الانتقالية صاحبها الفشل)، فرد حمدوك قائلاً: (الفشل لا يعني مكوناً واحداً، فإذا كان هناك فشل فقد فشلنا كلنا). والفريق "حميدتي" استخدم عبارة فشلنا وكررها ثلاثا (فشلنا، فشلنا، فشلنا)، في حواره مع قناة (سودانية 24) أول أيام عيد الفطر المبارك 1441هـ، حيث قال: (طالبت بالاستقالة الجماعية).

فأي نظام ليس من الإسلام يصاحبه الفشل حتماً، لذلك فإن التغيير الحقيقي الذي يحوّل هذه البلاد من حالة الظلم والبؤس والحرمان وضنك العيش، إلى حالة العدل ورفاه العيش ليس في تغيير الوجوه بوجوه جديدة في حكومة قديمة جديدة، تقوم على النظام الرأسمالي الديمقراطي نفسه في الحكم وسياسة شئون الناس؛ حيث إن الحكم عندهم مغنم (سلطة وثروة)، وأكلٌ لأموال الناس بالباطل عبر الجبايات والضرائب الحرام، من أجل أن تمتلئ بطون وأوداج المستوزرين وأشباههم، الذين يتمتعون بمال الأمة على حساب معاناتها وفقرها المصنوع بأيدي الحكام المتسلطين على رقابها.

إن التغيير الحقيقي الذي تنشده الأمة إنما يتمثل في تغيير النظام برمته، لأنه أسّ الداء ورأس البلاء، وإبداله بنظام منبثق عن عقيدة الأمة؛ الإسلام العظيم الذي يتساوى فيه الحاكم والمحكوم أمام الحكم الشرعي، بل الحاكم فيه خادم للأمة؛ وليس متسلطاً عليها ليجلد ظهرها ويأكل مالها! نظام يتسابق فيه الساسة والحكام للسهر على حاجات الأمة؛ من مأكل وملبس وتعليم وتطبيب وأمن مصداقاً لقوله ﷺ: «إِنَّهَا أَمَانَةٌ وَخِزْيٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» مسند الإمام أحمد؛ وهو نظام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة الذي أسّس بنيانه النبيُّ ﷺ، وسار على خطاه الصحابة الكرام، والخلفاء العظام، فامتلأت الدنيا عدلاً بعد أن ملئت جوراً، وها هو الجور يعود في ثياب الرأسمالية. فلنُعِدْها خلافة كخلافة الراشدين، فنسعد بها في الدنيا بعيش رغيد، وننشر العدل في ربوع العالمين، ويرضى بها عنا ربُّ العالمين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الخالق عبدون

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر