May 07, 2011

الوِحدة في ميــزان الشرع

جاء في لسان العرب قال: وحكى سيبويه الوحدة في معنى التوحد وتوحد برأيه تفرد به . وبالاستقراء لم نجد في كلام ِ العرب لفظَ الوِحدةِ بكسر الواو فالوحدة والتوحد والتفرد في اللغة بعنى واحد وهو ان يكون الشيء وحيدا أي ان يبقى معزولاً عن غيره ،فتقول توحدَ فلانٌ أي انعزلَ عن غيرهِ وباتَ وحيداً فريداً حريداً وكلها بمعنى واحد .

اما الوِحدة بكسرِ الواو المستعملة اليوم فهي اصطلاح يُرادُ به ضم الكثرة وجمعها في واحد فلا وحدة للواحد والفرد اصطلاحا بخلاف اللغة وانما تكون الوحدة بين الفرقاء المتعددين .

ولا بد للوحدة حتى تكون بين متفرقين من جامع مشترك بينهم يتم الاتفاق عليه بوصفه اساساً للوحدة يلتفون حوله ويعملون بمقتضاه .

ولا وحدة بين البشر الا على جامع مشترك، فلا يتاتى اطلاق الوحدة على متفرقين لا يجمعهم شيء بل الامر الجامع هو اساس الوحدة وهو فلسفتها وهو الحبل الذي ما دام موجودا تكون الوحدة قائمة ، واذا ما ذهب الجامع سقطت الوحدة وانتهت تماما كما اذا قطع حبل العقد فانه لا يصبح عقداً بل ينفرط ويعود قطعا كل قطعة وحدها .

ولما كان الجامع المشترك في الوحدة هو الاساس وهو المعول عليه ، كان لا بد من اقتران اللفظ الدال على الاساس الجامع مع لفظ الوحدة في التسمية ، فاذا كان الجامع هو الاسلام مثلا سميت الوحدة وحدة اسلامية ، واذا كان الجامع هو فكرة القومية ، سميت وحدة قومية وهكذا ، فلفظ الوحدة لا يدل الا على الجمع فقط ، فاذا ما اقترن بلفظ اخر يدل على الجامع بين الفرقاء ظهر معنى الوحدة وتجلى .

والوحدة تكون على اسس كثيرة ، اعلاها وارقاها ما كان على المبدأ ، وادناها ما كان على اساس الرابطة الوطنية ، وقد يكون الاساس الجامع ادنى من المبدأ ، وقد يكون اعلى من الوطنية ، فكلما ارتقى الانسان بالفكر ، كان الجامع للوحدة اكبر وارقى ، وكلما انحط فكر الانسان ، انحط معه تلقائيا الشيء الذي يربطه مع غيره من بني البشر ، فاصحاب الفكر المستنير لا يرون وحدة الا على اساس المبدأ الذي يؤمنون به جميعا ، عقيدة ونظاما ، وهذا الرابط الجامع أي المبدأ هو وحده الذي يصلح للربط بين البشر ، وهو وحده الذي من شانه ان يدوم ويحقق العدل والراحة والطمانينة عند البشر ، لانه اعلى انواع الروابط، لا يـُبقي شيئا من مناحي الحياة الا ويأثر فيه ويسيطر عليه ، وهذا ليس موجودا لباقي الروابط والجوامع التي يمكن ان يتم الاتفاق عليها من اجل التوحد .

واما الوحدة شرعا فلم ترد لفظة الوِحدة بكسر الواو لا في القران الكريم ولا في الحديث الشريف ، ولكن الذي ورد في هذا الخصوص هو لفظ جماعة المسلمين او امة الاسلام الواحدة ، او ما نحو هذه المعاني ، وكله يعني في النهاية امة الاسلام او جماعة المسلمين ، وجماعة المسلمين هم جميع المسلمين الذين وحدهم دين الاسلام ، بعقيدته ونظام الحياة المنبثق عن هذه العقيدة ، فامة الاسلام تؤمن بعقيدة الاسلام وتلتزم باحكام الاسلام ، وهذه العقيدة وهذه الاحكام هي عينها مبدأ الاسلام وهي وحدها التي تمثل الجامع الذي يلتف حوله المسلمين جميعا ، ويتوحدون على اساسه ويشكلون امة واحدة من دون الناس . يقول الله سبحانه وتعالى ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) ويقول الله تعالى ايضا ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ).ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلمون امة واحدة من دون الناس " . فالجامع الذي وحد الامة الإسلامية هو مبدأ الاسلام لا غير ، ولا ينبغي لهم التوحد على غير الاسلام ، ولا بحال من الاحوال مهما كانت ظروفهم فاذا اجتمعوا على غير الاسلام او ادخلوا في رابطهم وجامعهم شيئا من غير الاسلام فهم اثمون وهو رد عليهم أي ليس مقبولا عند الله لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد " أي مردود ومتروك.ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم" من دعا الى عصبية معتزا بها فاعضوه على هن ابيه ولا تكنوا " ولا وحدة بين المسلمين الا على الاسلام كل الاسلام ، ولا شيء غير الاسلام فهو حبل الله المتين الذي يشد به وثاق هذه الامة وتلتئم به عراها قال تعالى(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ...) وحبل الله هو دين الاسلام ، ولا عصمة للمسلمين الا بهذا الدين الحنيف ، اما وحدة الاحزاب والحركات الاسلامية مع بعضها البعض فهذه الدعوة وان صدرت عن المخلصين الغيورين فهي ضرب من الخيال او تكاد تكون ، والسبب ان الاحزاب الاسلامية والحركات الاسلامية مهما تعددت وكثرت فانها لا تفرق المسلمين وهي جائزة شرعا ودليلها في كتاب الله عز وجل حيث يقول ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) فما دامت هذه الاحزاب والحركات تقوم على عقيدة الاسلام وتلتزم في سيرها احكام الاسلام ولا تدخل غير الاسلام في رابطها فهي مظهر صحي، وهي من علامات الرقي في الامة ولا ضير لكثرتها وتعددها ما دامت تقوم على عقيدة الاسلام وتسير على نهجه ، والمشكلة هي ان توجد احزاب وحركات تقوم كليا او جزئيا على افكار غير افكار الاسلام من علمانية وديمقراطية واشتراكية .

والحزبُ الاسلامي او الحركةُ الاسلامية هي التي تشكلت وقامت على عقيدة الاسلام وسارت على نهجه القويم ، ومن الطبيعي ان يكون لها افكار وغايات واهداف وطريقة سير تختلف من حزب لاخر ومن حركة لاخرى حسب اجتهادات كل حزب وحركة ، وهذا كله لا شيء فيه من الناحية الشرعية ما دام مستنبطا من الادلة الشرعية فقط ، لقد خلق الله تعالى الناس متفاوتين في القدرات وقد تعددت الاراء والاجتهادات والافكار والاحكام من حزب لاخر ومن حركة لاخرى ومن مذهب لمذهب حتى في زمن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ، ولم تحدث فرقة بين المسلمين لان هذه الإختلافات الفقهية والفكرية والسياسية كل يراها حسب رأيه واجتهاده ولكن لا بد ان يكون الاسلام اساسا لها ولا تشوبها شائبة افكار الكفر والطاغوت .

وما دامت هذه الافكار والاحكام والآراء قد استنبطت من الادلة الشرعية او كان الاسلام اساسها فانها تكون مبرئة للذمة ومن حق كل حزب وحركة ان يعض عليها بالنواجذ ويعمل بموجبها ويدافع عنها وألا يتنازل عنها الى سواها ما دام يرى انها شرعية وتحقق الغاية الشرعية .

وكل حزب وكل حركة يرى في اجتهاداته وآرائه وأحكامه التي تبناها انها صواب تحتمل الخطأ ويرى في افكار غيره واحكام غيره انها خطأ تحتمل الصواب ويرى في طريقته التي يسير عليها انها هي التي توصل الى الهدف وتحقق الغاية وهذا ما لا يراه في طريقة غيره ، ومن هنا تعددت الاحزاب والحركات وكان لكل راي واجتهاد ونظرة ، فالدعوة الى توحيد الأحزاب والحركات في حزب واحد بعد كل التباين والافتراق والاختلاف هو اشبه بالمستحيل .

ان وحدة المسلمين لا تـُرى من خلال وحدة احزابها وحركاتها ولكنها تـُرى من خلال وحدة الامة في كيان واحد ودولة واحدة وأمير واحد ، الخطأ الفادح ان يُنظر الى تعدد الاحزاب والحركات على انها علامة فرقة ، وتُغمض العين عن تشتت الامة في نيف وخمسين دولة .

فالدعوة الى وحدة الاحزاب والحركات في حزب واحد هي مضيعة للوقت وهي أُلهية يُتلهى بها السُّذج والبُسطاء والسَطحيون ، فالاصل ان تنتهي هذه الدعوة وينتقل الناس الى الدعوة الى وحدة الامة الحقيقية ، حيث تكون وحدتهم الحقيقية في دولتهم دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القائمة قريبا باذن الله .

اما ما يُروج له اليوم من وحدة وطنية فهذه هي الطامة الكبرى ، ذلك ان الوحدة المزعومة والمزمع تشكيلها لا تقوم فقط على غير اساس الاسلام ، بل هي وحدة بين حركة اسلامية وحركات علمانية تعلن عن نفسها دون حياء او خجل، فكيف بالله عليكم سيتم تشكيل وحدة بين المسلمين والعلمانيين، وعلى أي اساس يمكن ان تتشكل وحدة بين هؤلاء ؟ اعلى الاسلام ام على العلمانية؟!واي جامع مشترك يمكن ان يتوصل اليه هؤلاء؟! اكتاب الله وسنة نبيه ام العلمانية وبرنامج فتح والشعبية والديمقراطية، ام خليط من الاسلام والعلمانية ، والله انها لمصيبة وفاجعة ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

والأكثر اجراماً ان هذه الوحدة بين هذه الحركات على اثرها سوف تتشكل وزارات ورئاسة لتحكم الناس و باي شرع يا ترى سوف تحكم هذه الوزارات؟! أبشرع الله ام بدستور فلسطين؟ وما ادراك ما دستور فلسطين والى أي شرعة سيتم التحاكم اذا حصل بين الفرقاء نزاع؟! أبالشرعة الدولية اما بالشرعة العربية ام بمجلس الامن والامم المتحدة ثم كيف سيتحرك هؤلاء المتوحدون أباذن امريكا ام باذن يهود؟! واي سيادة ستكون لهم والاحتلال يلفهم من كل جانب وصوب.

ان النظرة البسيطة ولا اقول نظرة التدقيق وانعام النظر تري انكشاف حال هذه الوحدة من اولها الى اخرها وانكشاف حال اصحابها مسلمين وعلمانيين ، وتري وبكل وضوح ان هذه ليس وحدة تقوم على الشرع وليس المقصود منها الوحدة من حيث هي وحدة ، وانما هي مؤامرة على اهل فلسطين وعلى المسلمين بشكل عام ، وهي وسيلة للوصول الى تصفية قضية فلسطين والتنازل عنها لليهود والرضى بالدنية، وبدولة لا يجوز حتى تسميتها دولة ، بل بسجن كبير في جزء يسير من ارض الاسلام وارض الرباط التي جعلها القران الكريم جزء من عقيدة المسلمين الارض التي رواها اجدادنا البررة الانقياء بدمائهم .

ان هذه الوحدة حرام شرعا ولا تجوز بحال من الاحوال وكل ما يمكن ان يقال فيها انها خيانة لله ورسوله وللمسلمين جميعا.

( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لّا مَـرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَـأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِـيرٍ )

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن