الوجود الأمريكي البريطاني في اليمن
November 02, 2021

الوجود الأمريكي البريطاني في اليمن

الوجود الأمريكي البريطاني في اليمن


فقر وقتل وتشريد ودمار، ذلك هو المشهد الذي يعبر عن حال بلاد المسلمين منذ هدم الخلافة العثمانية وهو ذاته حال اليمن كجزء من هذه البلاد؛ اليمن التعيس بعد أن كان سعيدا! وهو واقع يعكس حال التشرذم والانقسام لأوس وخزرج اليوم كما كان حالهم بالأمس في مدينة رسول الله، تقتلهم العنصرية والعصبية والأنانية والسلطة وحب الذات وتسلط أعدائهم يهود عليهم. فها هو المشهد يعود ويتكرر في ظل يهود اليوم أمريكا وبريطانيا تسوقهم للهاوية والنار الحامية في ظل صراع محموم ومسعور بينهما طال البشر والشجر والحجر وعبر أدواتهما دولا إقليمية وأحزابا وحركات باتت خدما للعباد بدلا من رب العباد، فالصراع مستعر بين الطرفين وأدواتهما وذلك من أجل الحصول على أكبر قدر ممكن من مساحة الأراضي والبحار والخلجان والمضائق (هرمز والمندب) والنفط والثروات والمشائخ والولاءات، فها هي مناطق اليمن صارت مستباحة لصراع قوي بين قوى شريرة داخلية في شمال البلاد وجنوبها بدءا بمناطق الخلاف والنزاع والحرب إلى المناطق البعيدة كحضرموت والمهرة وسقطرة ليدل ذلك بوضوح على حجم تدخل الدول الخارجية في أطراف النزاع الداخلية (الحوثي والشرعية) بحجج واهية وكاذبة كحفظ أمن البحار والمضائق والخلجان في ظل غياب سلطة سميت بالشرعية وما هي كذلك. فقد وصل قرابة 40 جنديا بريطانيا للمهرة عبر 5 طائرات في 2021/8/7م بحجة تعقب (إرهابيين) "يعتقد أنهم حوثيون يقفون وراء الهجوم الذي استهدف ناقلة النفط ميرسر في خليج عمان بطائرة مسيرة" (إكسبرس البريطانية 2021/8/7)، وقد ذكر (المصدر المشاهد) علي مبارك محاميد المتحدث باسم لجنة اتصال المهرة "أنه وصلت سابقا قوات بريطانية عام 2019م" وأضاف "أن الهدف هو احتلال المحافظة وتثبيت الوجود السعودي في المهرة وذكر أن لديه خطوات تصعيدية لإخراج كل القوى المحتلة" وقد ذكر الدكتور نبيل الشرجبي أستاذ الأزمات والصراعات في جامعة الحديدة أن "وصول القوات البريطانية للمهرة خطوة تأتي ضمن البقاء الطويل وشبه الدائم وليس لمطاردة المخربين" حيث شهدت المحافظة 4 أعوام من الحراك الشعبي المناهض للقوات السعودية المتمركزة في مطار الغيظة. يأتي هذا ليدل بوضوح على تتابع بريطانيا في الاهتمام والاعتناء بمحافظتها من أيام الرئيس السابق علي صالح ودور عمان (المحمية الإنجليزية) في الحفاظ على مصالح بريطانيا مضافا لذلك المحافظ ورجالاته ذوو الولاء العماني من عشرات السنين وضد أي وجود سعودي أمريكي.


أما مأرب فمن مجريات الأمور والوقائع نرى أنها تشهد إصرارا كبيرا من الحوثي للسيطرة على المدينة ودفع مقاتليه والزج بهم في هذه الحرب بعد مساعدات ودعم دولي وضوء أخضر وعلى وجه الخصوص من أمريكا لدخول المدينة حيث صرح حسين العزي الكاتب الصحفي منتقدا المواقف الدولية تجاه محاولات الحوثيين السيطرة عليها، ويرى أن هناك ضوء أخضرا أمريكيا بإطلاق يد الانقلابيين للقتل والدمار أسوأ من قبل، كما جاء لقاء بلينكن مع وزير الخارجية السعودي مؤخرا ليصب في هذا الاتجاه حيث صرح الأول على ضرورة فتح المطارات وإنهاء الحصار وقد كان هذا الدعم قديما يصب في مصلحة الحوثي من وجوه عدة:


1- إيقاف جبهات الحديدة والبيضاء والجوف سابقا حفاظا على الحوثي من اقتحام قوات (الشرعية) لمناطقه.


2- منع قوات هادي من الوصول والتقدم نحو صنعاء والحديدة والبيضاء سابقا ومن يتقدم يضرب بالطائرات.


3- إسقاط معسكرات من الصعب سقوطها وفق اتفاقيات وبيع وشراء وصفقات نابعة من المماحكات والمصالح السياسية بين أطياف الطرف الواحد المتنازعة.


4- عدم دعم قوات هادي (الشرعية) في مأرب وغيرها من المناطق بالمال والسلاح والقوة النوعية لحسم المعركة وجعله الحلقة الأضعف، وهذا واضح كما صرح ذلك القائد العسكري محسن خصروف مرات عدة حيث التواطؤ من السعودية المسيطرة على جبهة مأرب والجوف والدفع بالانسحاب من جهات عديدة من الشرعية لصالح الحوثي.


5- الاقتتال بين أطراف القوى المحسوبة على الشرعية جبهة طارق صالح وحزب الإصلاح.


6- موقف عبد ربه رئيس الجمهورية الذي بات مأسوراً لصالح السعودية ولا يحرك ساكناً وإنما فقط قرارات يصدرها دون سلطة ودون تنفيذ ودون وجود واقع لها على الأرض، فقد بات رئيساً بدون صلاحيات حيث صرح يونس عبد السلام في موقع يمن للأنباء "إن الحكومة الشرعية فاقدة للحيلة وكأن لا خيار أمامها سوى الخضوع للضغوطات الدولية المتزايدة بمبررات الأوضاع الإنسانية" ويضيف "لا تعاني الحكومة الشرعية سوى من هوان قياداتها السياسية والعسكرية وتراخيها في الميدان". أما عادل الشجاع الكاتب في المشهد الدولي اليمنية فقال "لا تزال المواقف الأمريكية كلامية مهزوزة لا تخرج عن نطاق الشجب والتنديد والاستنكار" ويرى "أن أمريكا اليوم تعادي المليشيات التابعة لإيران ظاهريا فيما هي تدعمها في الباطن حيث يرى أن أمريكا تسعى إلى تثبيت خارطة الهلال الشيعي من اليمن انطلاقا نحو القطيف في السعودية".


هذا وقد شهدت الأشهر السابقة لقاءات عديدة بين السفير الأمريكي ومحافظ مأرب سلطان العرادة في إشارة إلى الضغط عليه لتسليم المحافظة، يتزامن هذا مع الخطاب الموجه من الحوثيين له لتسليم المحافظة على أن يبقى محافظا لها، وهذا لن يحدث لأنه بعد أشهر قليلة سيقال المحافظ. يحرص الحوثيون على السيطرة على مأرب لعدة وجوه فهي: محافظة غنية بالنفط، ومنطقة مهمة وتشكل ورقة ضغط سياسية في المباحثات القادمة كمقايضة على منطقة أخرى تشكل آخر معاقل السلطة في شمال البلاد حيث يطوق الحوثي طوقاً خانقاً على المحافظة من 3 جهات الشمال والجنوب والغرب. وهي تعد مكسبا عسكريا وسياسيا يصب في رفع المعنوية للفوز بمناطق أخرى كالحديدة الميناء البحري المهم والمصدر الاقتصادي الحيوي، وتعز ذات الكثافة البشرية والتي يحتاجها الحوثي النهم والشره في حربه التي لم تنته.


أما شبوة فهي ضمن الشرعية ومحاولة الحوثي للدخول فيها ما هو إلا كسبها كونها محافظة نفطية.


أما حضرموت فتحاول أمريكا أن تضع لها موطئ قدم في المكلا من خلال الإنزال الأخير، يأتي هذا بعد وجود سابق للقوات الأمريكية في مطار الريان ومحاولة دعم رجلها حسن باعوم الزعيم الانفصالي السابق المقيد والممنوع من التحرك داخل المحافظة والمدعوم من إيران في ظل صراع إنجلو أمريكي محموم في الساحل (المكلا والريان والشحر). أما حضرموت الوادي؛ سيئون والقطن والعبر فهي مناطق نفطية تشهد حضوراً لعلي محسن رجل الإنجليز فيها بمعسكراته.


أما عدن فتحاول السعودية أن تجد لها مكاناً فيها من خلال شراء رجالات، وما الاشتباكات الأخيرة بين أعضاء المجلس الانتقالي إلا من هذا القبيل بين رجالات الزبيدي والنوبي الذي يدعي ضرورة إصلاح الوضع والذي من الممكن أن تكون السعودية قد وجدت ضالتها فيه من خلال استهوائها إياه فأراد الزبيدي تأديبه عبر الأحداث الأخيرة من المناوشات والاشتباكات في كريتر معقل حسن باعوم.


أما سقطرة فتحتلها الإمارات وتحاول أخذ قطاعات نفطية مكتشفة حديثا وتسيطر على جزيرة ميون المهمة الواقعة في مضيق باب المندب.


إن الحرب في اليمن لتؤكد على عناد بين الأطراف دافعه القوى الدولية أمريكا وفي المقابل بريطانيا العجوز التي تشهد ضعفا في مواجهة أمريكا وأذنابها الحوثي والسعودية وإيران وفصيل باعوم الجنوبي من حيث وجودها الدولي وانكسار شوكتها وأذنابها وتخاصمهم واقتتالهم حول المصالح، فالخلاف بين الانتقالي والإصلاح والشرعية والمؤتمر والإمارات الداعمة للانتقالي وتكيد لخصمها الإصلاح كل المكائد. يأتي هذا كله مع وجود تكاتف بين قوى الطرف الآخر.


وتحاول بريطانيا الاستفادة من الوضع الراهن وإلا فستلجأ للاقتسام والمحافظة على ما تبقى لها من مكاسب دون خسرانها مزيدا من المصالح مع مرور الوقت وكأنها تريد إيقاف الحرب أو الانتهاء منها أمام تقدم كبير للحوثي في مأرب والجوف ليعكس حالة التخبط عند (الشرعية) وحالة النجاح في تحقيق الحوثي لمصالحه في إطالة الحرب حيث المزيد من الوقت لكسب مصالح أكثر، ويؤكد ذلك يونس عبد السلام (الأنباء اليمني) بقوله "إن جماعة الحوثي تتجاهل دعوات السلام وتتعامل معها كتحصيل حاصل"، فلو كان الحوثي خاسرا لما كان مقدما على مزيد من الحرب بل كان الأحرى به العمل على إيقافها كما دعمت أمريكا ذلك في السابق، فكانت المنقذ له عندما كانت الشرعية تتقدم في ظل تراجع لصفوفه، وها هو الحال عاد معكوسا عن السابق حيث كان الطيران يضرب أي تقدم تحرزه الشرعية حيث كانت الأمم المتحدة تطلق نداءاتها الإنسانية العاجلة وتقدم المعونات والتي تحد من استمرار الحرب أو الهجوم من طرف الشرعية. لذلك فإن وجدت بريطانيا نفسها خاسرة فستقدم على تهيئة الظروف لإيجاد الانشطار والانقسام بين شمال اليمن وجنوبه عبر عملائها لاستفرادها بالجنوب (والاستحواذ على ما تبقى من تركة علي صالح التي ورثها الحوثي) وأمريكا بالشمال ولكن من الاستقراءات يظهر أنه لا تزال هناك مصالح ترجوها من وحدة الشطرين في العهد القريب فقد جاء على لسان أيمن نبيل الكاتب في صحيفة العربي الجديد اللندنية "إن أولوية المجلس الانتقالي فصل الجنوب عن الشمال وإذا استطاع الحوثيون إسقاط مأرب ستلفظ الحكومة الشرعية أنفاسها الأخيرة وهي العقبة الرسمية أمام مشاريع الانفصال".


إن استيلاء الحوثي على مأرب سيعزز موقف أمريكا في الحرب في اليمن سواء على الأرض أو في أي مباحثات قادمة وسيجعل فم الحوثي مفتوحا للاستيلاء على مناطق أخرى، الحديدة وتعز؛ لتقوى شوكته في التهام أكبر قدر ممكن من الأرض في الشمال حسب سياسية الأمر الواقع والذي يفرض تغير المعادلة سواء معادلة مساحة الأرض أو نوعيتها النفطية أو الموقع الاستراتيجي أو الكثافة البشرية وغيرها كضغط سياسي يستغل في أي مباحثات قادمة لإعادة صياغة اليمن الجديد وفق خارطة يرتضي بها دول الغرب المستعمرة وفق مصالحه، وهذا يتوافق ما صرح به صالح البيضاني (صحيفة العرب اللندنية) "يدرك الحوثي أنه بالسيطرة التي لم تتحقق بعد على مأرب سيتمكن من تغيير المعادلة بشكل أفضل ليس معادلة الحرب والسلام بل المعادلة داخل صفوف الشرعية ذاتها" ويتابع "إن الحوثيون لن يتوقفوا في حالة السيطرة على مأرب عند حدود ما قبل 1990م بل سيتوجهون للسيطرة على تعز قبل استكمال معركة الحديدة" وليس لهذا الحد فالمطامع أو النهم الرأسمالي لا حدود له، فتحاول أمريكا ابتلاع الجنوب من خلال رجالاتها في حضرموت وعدن وأبين وسوقطرة وغيرها من المناطق بعد أن كان هذا رقما صعبا في عهد الرئيس السابق علي صالح كونه عميلا للإنجليز، وفي ظل توافق سعودي إيراني يؤمنان للحوثي السلاح والانتصار في الأرض وتثبيت للعملة في الشمال وضوء أخضر دولي، فقد صرحت بي بي سي: "إيران: المحادثات مع السعودية بناءة وتقدمنا بمقترحات لتحقيق السلام في اليمن"، أما العرب اللندنية "بوادر اللين المسجلة أخيرا في مواقف كل من السعودية وإيران بشأن العلاقة بينهما وملامح التهدئة الملموسة في الخطاب السياسي للغريمتين الإقليميتين أحيت الأمل في إيجاد مخرج سلمي للصراع الدامي في اليمن".


نعم هذا واقع الصراع الإنجلو أمريكي يلقي بظلاله يوماً بيوم ليعكس عتمة الدجى بحجج واهية وكاذبة ويزداد طغيان هذا الاستعمار من خلال أدواته. فإلى متى يستمر التقاسم والتشرذم رغم أن الحقيقة واضحة وهي تبعية جميع الأطراف والتي تؤدي بهم إلى مزيد من التفرق والخسران والهلاك يوما بعد يوم؟! إن الخاسر في هذه الحرب وكل حروب المسلمين هم المسلمون أنفسهم لأنها حرب عليهم وعلى مصالح دنيوية حقيرة وليست على الغرب عدو الإسلام، فما على المسلمين سوى فهم أحكام الإسلام وفهم الواقع السياسي المعاش لتغيير هذا الواقع السيئ والعمل على تطبيق الإسلام في دولة كريمة تعز المسلمين وترضي العباد ومن قبلُ رب العباد وهي دولة الخلافة على منهاج النبوة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الرحمن العامري – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر