أليس الصبح بقريب؟!
October 16, 2021

أليس الصبح بقريب؟!

أليس الصبح بقريب؟!

إن المسلمين منذ أن سيطر عليهم حكم الكفر بعد هدم دولة الخلافة سنة 1924م، وصارت إلى الكفار والمنافقين والمرتدين أمورهم، وهم يحاولون أن يتحرروا من سلطان الكفر، وسيطرة أربابه وأعوانه. فالمسلمون لم يتوقفوا عن المقاومة يوما، بل قاموا بمحاولات عديدة للنهوض وإعادة سلطانهم المغصوب، وعندما احتلت بلادهم، قاوموا المستعمر بكل السبل حتى أفقدوه صوابه، ما اضطره للخروج بقواته العسكرية، ولكنه للأسف الشديد ترك فئة من أبناء الأمة باعوا أنفسهم للشيطان ليكونوا خدما لمصالح الغرب الكافر في بلادنا. وبعد أن انخدع الكثير من أبناء الأمة بأولئك الحكام وظنوا أنهم قد تحرروا فعلا من الاستعمار، ورفعوهم فوق الرؤوس والتفوا حولهم، إذا بهم يُصدمون من الحالة التي وصلت إليها بلادهم، فقد انتشر الفقر والجهل والمرض، وتسلط الحكام على أرزاقهم ومعاشهم، وأصبحوا ألعوبة بيد أعدائهم. هنا أدركت الأمة أن هؤلاء الحكام ليسوا سوى أذناب للكافر المستعمر، فبدأت في التململ، ثم تحركت في تونس ومن ثم تبعتها مصر وليبيا وسوريا واليمن والسودان، بيدَ أنهم بعدَ أن خلعوا بعض حكامهم، لم يدركوا أنَّ تغيير النظام لا يكون فقط بإزالة رأسه، بل يجب تغيير النظام برمته، وتطبيق نظام من صميم عقيدتهم.

منذ انطلاقة الثورات في بلادنا، ظهر اتجاه مضاد لها بقيادة القوى الغربية وحلفائها في الخليج للسيطرة عليها، بل وتحطيمها، فلقد حاولوا باستماتة الإبقاء على الهيمنة الغربية بشكلٍ أو بآخر. ولقد نجحوا إلى حد كبير في ذلك، فاستطاع الغرب إعادة الأمور في مصر إلى ما كانت عليه، فبعد أن تمت شيطنة التيار الإسلامي وإظهار فشل الإخوان في الحكم والإدارة لينفض الناس من حولهم، تم إسقاطهم والتنكيل بهم وبغيرهم من المعارضين، واستنسخ نظام مبارك مرة أخرى وبشكل أكثر بشاعة. وفي تونس تم لهم ما أرادوا فقد تخلت حركة النهضة عن الإسلام السياسي ودخلت في الديمقراطية كافة. ورغم ما قام به الرئيس التونسي قيس سعيد من انقلاب على الحكومة، بدعوى محاربة الفساد، إلا أن الواضح لكل ذي بصيرة أن حركته تلك تصب في صالح الغرب وبالذات فرنسا، وما هي إلا محاولة لإعادة تدوير النظام، وفي الوقت نفسه تثبيت النفوذ الفرنسي في البلاد. وفي سوريا تكالبت كلاب الأرض على ثورتها حتى لا تنجح، وحتى ييأس الناس من القدرة على التغيير.

وقد تم لهم ذلك لعدم وجود مشروع أو برنامج سياسي مناهض للهيمنة الغربية، وبديل عن النظام الحالي لدى القوى الفاعلة الأساسية على المسرح السياسي. وقد وضح هذا بعد فشل الإخوان في مصر، والنهضة في تونس في إحداث أي بوادر لنهضة حقيقية، وفي معالجة مشاكل الناس في البلدين. والذين يتصدرون المشهد السياسي الآن لا يملكون أيضا أي تصور للنهوض بالبلاد، كما لا يملكون القدرة على معالجة مشاكل الناس الحقيقية. وهم في الحقيقة ليسوا إلا عملاء وضيعون ينفذون ما يمليه عليهم أسيادهم في الغرب، مقابل أن يبقيهم على كراسيهم.

نعم لقد استطاع الثوار إزالة كابوس الطغاة ومخابراتهم، وقلصوا نفوذ العصابات الناهبة للثروات، إلا أن ذلك حصل لفترة من الزمن قليلة، ولم يدم طويلا. فلم يخرج الحكم في بلاد الثورات من قبضة الغرب، إذ لم يخرج بخروج مبارك من الحكم في مصر، ولا بهروب بن علي من تونس، ولا بقتل قذافي ليبيا، ولا بهروب علي صالح في اليمن. ولا خرج باستلام المجلس العسكري للحكم في مصر، ولا حتى بمجيء الدكتور مرسي للحكم، ولا بهيمنة السيسي على مقاليد البلاد بشكل فعلي، ولا بوصول حركة النهضة للحكم، ومن كان يظن ذلك فليراجع نفسه. فما زالت الهيمنة الغربية واضحة على كل مفصل من مفاصل الحكم في بلاد الثورات. لقد دعم الغرب كل الثورات المضادة، وقد بات واضحا سعي الغرب لتأسيس ديكتاتوريات جديدة تحت مظلته.

 فهل نحن بصدد صناعة الزعيم صاحب السلطة المطلقة؟ وهل يمكن أن تعود الأمة لتساق مرة أخرى بالحديد والنار؟ وهل تم تدجينها مرة ثانية، وبث الخوف والرعب في قلوب أبنائها؟ يقول المفكر الفرنسي لوبواسييه "أي رذيلة هذه! أن نرى عددا لا حصر لهم من البشر لا أقول يطيعون بل يخدمون، ولا أقول يحكمون، بل يستعبدون، لا مِلك لهم ولا أهل، بل حياتهم نفسها ليست ملكا لهم، ويحتملون السلب والنهب وضروب القسوة، لا من جيش أجنبي، ينبغي عليهم الذود عن حياضهم ضده، بل من واحد لا هو هرقل ولا شمشون بل هو في أكثر الأحيان أجبن من في الأمة، وأكثرهم تأنثا! ومع ذلك فهذا الطاغية لا يحتاج إسقاطه إلى محاربته وهزيمته، بل يكفي الامتناع عن طاعته، فالشعوب هي التي تترك القيود تكبلها، أو قل تكبل نفسها بنفسها". ولا أظن أن أمتنا يمكن أن تقع في هذه الرذيلة مرة ثانية، ولا يمكن أن ترضى بأن يحكمها أرذل الناس وأجبنهم، وهي وإن كان يبدو أنها قد استكانت بعد أن قدمت العديد من الأرواح دون أن تجني أي ثمرة لكفاحها، إلا أنها لا يمكن أن تستسلم، وهي ولا شك تستجمع قواها، لكنها في الوقت ذاته تنتظر من يتقدم لقيادتها بشكل صحيح، وعلى منهج مستقيم، كي يحقق معها وبها التغيير المنشود.

وإذا كانت الجولة الأولى من الثورات قد احتاجت جرعة كبيرة من الجرأة والشجاعة، لإنتاج ذلك المشهد البطولي الذي رأيناه، فإنَّ الجولة الثانية، تحتاج إلى مراجعة للنفس، وإنعام الفكر وعمق النظر وسعة الوعي والعمل الدؤوب. فقد تبين للأمة أن التغييرَ الحقيقي لا يحصل بدحرجة الرؤوس الكبيرة وحسب، بل يبدأ بالفكر ويستمر بالفكر والعمل، ويُحصَدُ بوصول برنامج سياسي حقيقي إلى سدة الحكم، لا بمجرد رفع شعارات واستنساخ أنظمة غربية لا تعبر عن عقيدة الأمة وحضارتها، أو الإبقاء على ما هو قائم مع إضافة بعض المساحيق له. يعمل هذا البرنامج السياسي الحقيقي على إعادة صياغة المجتمع والدولة صياغة جديدة، تُنتِجُ لنا حياة جديدة بطريقة عيش جديدة؛ جديدةٍ ثقافةً وحكماً واقتصاداً واجتماعا وتعليما وقضاء وإعلاما وسياسة خارجية، تقطع كل صلةٍ بالحضارة الغربية التي اكتوى العالم بلهيبها واحترقَ بنارها وحروبها، واختنق بدخانها الأسود، وتعفّن بنتنها وسُحق باقتصادها الغاشم وتاه بضلالها، إنه خيار واحد لا غير، الإسلام من حيث هو مبدأٌ، عقيدة وشريعة، فكرة وطريقة، ومزج بين الروح والمادة، حضارة تؤسس لمدنية متألقة زاهرة على أساس روحي عميق راسخ.

إنَّ من أعمق وأقوى أسباب وصول الإسلاميين إلى الحكم في أكثر من بلدٍ عربي، أنَّ المسلمين يحبون إسلامهم، ويستجيبون لكل داعٍ له، بغض النظر عن أهداف الداعي الحقيقية ووعيه على الإسلام. وهذا كان يحتم على الإسلاميين الذين وصلوا إلى السلطة أن يدركوا أن معركتهم لم تنتهِ، بل إنها قد بدأت لتضعهم في اختبار حقيقي يظهر للناس مدى قدرتهم على رعاية شئونهم، ويضيف عليهم مزيدا من المسؤولية في الجِد والصدق في الأخذ بالإسلام، والحرص عليه، ولن يعفيهم حديثهم عن الإسلام باعتباره "مصدر إلهام" أو "مصدرا رئيساً" فحسب، أو قولهم إن الحرية يجب أن تتجذر في المجتمع قبل الحديث عن تطبيق الإسلام، أو توفير العيش الرغيد والنهوض بالاقتصاد قبل تطبيق الإسلام، ذلك أن مثل هذه الأطروحات ما هي إلا تلاعب بأحكام الله، والتفاف عليها وتملص من وجوب تطبيقها، وهذا حمل المسلمين المخلصين على أن ينفضوا من حول هؤلاء "الإسلاميين"، لأنهم إنما صوتوا لهم في الانتخابات كي يحققوا أمانيهم بتطبيق شريعة الله، فهي وحدها التي ستوفر لهم الحرية بمعناها الحقيقي بألا يكونوا عبيدا لأحد سوى الله، وهي وحدها التي ستوفر لهم الأمن والعدل وتؤمن لهم العيش الرغيد، وبها وحدها سيتحقق لهم النهوض.

إنَّ تجربةَ "الإسلاميين المعتدلين" في الحكم قد فشلت بشكل واضح لا يمكن إنكاره، ليس لأنهم حكموا بالإسلام بل لأنهم لم يحكموا به! ولا يَظُنَّنَّ ظانّ أن هذا الطريق المعوج الذي ساروا فيه هو الحكم النهائي على مسيرة الإسلام، بل هي آية أخرى من آيات الله؛ أن الذي يحيد عن طريقه المستقيم وعن الانصياع لأحكامه لن يفلح ولن ينصره الله؛ فالإسلام هو الدين الحق والرسالة الخالدة، قد وجد قبلهم وسيستمر من بعدهم يقيناً، وكل تجربة فاشلة هي نتيجة معصية وحَيْدٍ عن هذا الحق يبوء بها أصحابُها بالإثم ولا تحسب على الإسلام.

 ما زال الأمل معقودا على المخلصين من أبناء الأمة لإعادة الكرة مرة ثانية لإسقاط تلك الأنظمة وإقامة نظام الإسلام، ومهما حاولت أمريكا وغيرها من دولِ الكفر ثنيَ الأمة عن السير في طريقِ التغيير إلى آخره، فإنَّ الأمة اليوم لن توقف حركتَها القويةَ تلك، أيةُ قوةٍ مهما كانت، وستفشل خطط أمريكا التي تصل الليل بالنهار لمنع الأمة من زلزلة عرشها في بلادنا. وسيأتي قريبا اليوم الذي نخرج فيه من القبضة الأمريكية، ويعود لنا سلطاننا المغصوب. أليس الصبح بقريب؟!

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حامد عبد العزيز

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر