أمة مكلومة بحكامها فكيف تنهض لتقود العالم؟
أمة مكلومة بحكامها فكيف تنهض لتقود العالم؟

في زمن تتكالب فيه الأمم على أمة الإسلام، وتتسابق القوى الدولية لتقاسم نفوذها في بلاد المسلمين وثرواتهم، يبقى السؤال الجوهري الذي لا بد أن يُطرح: كيف تنهض هذه الأمة من كبوتها؟ كيف تعود لتقود العالم من جديد، وتنقذه من شقاء الرأسمالية، وظلم القومية، وعبث الديمقراطية، ودمار الاشتراكية؟ كيف تنتقل من حال التبعية والضعف إلى السيادة والقوة؟ هذا السؤال ليس ترفاً فكريّاً ولا رفاهية تحليلية، بل هو سؤال مصيري، يرتبط بوجود الأمة وكرامتها، بل وبعقيدتها التي حمّلتها مسؤولية قيادة البشرية.

0:00 0:00
السرعة:
August 06, 2025

أمة مكلومة بحكامها فكيف تنهض لتقود العالم؟

أمة مكلومة بحكامها فكيف تنهض لتقود العالم؟

في زمن تتكالب فيه الأمم على أمة الإسلام، وتتسابق القوى الدولية لتقاسم نفوذها في بلاد المسلمين وثرواتهم، يبقى السؤال الجوهري الذي لا بد أن يُطرح: كيف تنهض هذه الأمة من كبوتها؟ كيف تعود لتقود العالم من جديد، وتنقذه من شقاء الرأسمالية، وظلم القومية، وعبث الديمقراطية، ودمار الاشتراكية؟ كيف تنتقل من حال التبعية والضعف إلى السيادة والقوة؟ هذا السؤال ليس ترفاً فكريّاً ولا رفاهية تحليلية، بل هو سؤال مصيري، يرتبط بوجود الأمة وكرامتها، بل وبعقيدتها التي حمّلتها مسؤولية قيادة البشرية.

إن النهوض بالأمة لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة تشكيل وعيها، وإعادة بناء شخصيتها، وقطع علاقتها بكل المفاهيم الدخيلة التي زُرعت فيها على مدى قرون من الغزو الفكري والسياسي. فالنهوض يبدأ من الداخل، من تغيير مفاهيم الناس، وليس فقط من خلال الشعارات أو المطالبات بالإصلاحات الشكلية.

الفكرة التي تنهض بها أي أمة لا بد أن تكون فكرة كلية، تعالج مشاكل الإنسان بوصفه إنساناً، وتبيّن العلاقة بينه وبين خالقه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين غيره. لا بد أن تكون الفكرة متجذّرة في عقيدة عقلية يقينية، تفسر الوجود وما قبله وما بعده، وتبني على أساسها نظاماً شاملاً للحياة. هذه الفكرة ليست نظريات نسبية، ولا فلسفات متبدلة، ولا عقائد روحية مبتورة، بل فكرة حية تولّد نظاماً ربانيّاً ينظّم حياة الإنسان في كل جوانبها، من العبادة إلى السياسة، ومن الاقتصاد إلى القضاء، ومن الحكم إلى العلاقات الدولية.

إن الإسلام - بوصفه وحياً من عند الله - يحمل هذه الفكرة. فهو ليس ديناً كنسيّاً محصوراً في الشعائر، بل دينٌ ومنه دولة، عقيدةٌ ونظام، فكرٌ وسلوك. لذلك كانت أولى خطوات النهوض أن تستعيد الأمة ثقتها بعقيدتها كنظام حياة، لا كموروث ثقافي أو هوية حضارية.

هل هناك نهضة بلا وعي سياسي؟

إن ما تمر به الأمة من تفتيت وتمزق ليس قضاءً محتوماً، بل هو نتاج سياسات استعمارية خبيثة، نُفّذت بأيدٍ محلية تابعة. لقد تم هدم الخلافة، وتقسيم بلاد المسلمين إلى كيانات هزيلة، وأقيمت أنظمة وظيفية تحرس حدود سايكس بيكو أكثر مما تحرس عقيدة الأمة وثقافتها. وتمت صناعة نُخب سياسية وفكرية تعيد إنتاج التبعية، وتزيّن للمسلمين نظم الغرب ومفاهيمه. فأصبحت الديمقراطية صنماً، والعلمانية قدَراً، والرأسمالية حلماً، وصار تطبيق الإسلام وصفة للتطرف أو الرجعية!

لذا، لا نهضة بدون كشف هذه الحقائق، ولا تحرر دون فضح هذه التبعية، ولا عودة لمكانة الأمة إلا بإزالة هذه الأنظمة العميلة واستبدال قيادة مخلصة واعية بها، تقود الناس على أساس الإسلام، لا على أساس المصالح الشخصية ولا الإملاءات الخارجية.

هل يمكن أن توجد نهضة بدون نظام تطبقه دولة؟

الإسلام لا يُفهم نظرياً فقط، بل يُطبق عملياً من خلال دولة تنفذ أحكامه وتحمل رسالته. فكما لا تُفهم الصلاة إلا بأدائها، لا يُفهم الإسلام إلا بتطبيقه الكامل في الواقع. وهذا التطبيق لا يكون إلا من خلال دولة تقيم العدل، وتحمل الإسلام للعالم دعوةً وجهاداً، وتحفظ الأمن، وتحمي الثغور، وتُحسن رعاية شؤون الناس في الصحة والتعليم والاقتصاد والقضاء والإعلام.

النظام الإسلامي في الحكم ليس ملكيّاً ولا جمهورياً ولا عسكرياً، بل هو نظام الخلافة، تُبنى على أساس البيعة، وتُقيم العدل، وتُحاسب الحاكم، وتضمن حقوق الرعية من مسلمين وغير مسلمين، على حد سواء، ضمن قواعد الإسلام العادلة.

النهوض لا يتم جماعيّاً دون طليعة تقود الأمة نحو التغيير الحقيقي، على أساس الإسلام. فلا تكفي العاطفة ولا الحماسة، بل لا بد من الوعي السياسي العميق على الواقع المحلي والدولي، والوعي الشرعي الدقيق على الأحكام المرتبطة بتغيير الواقع. هذه الطليعة لا تساوم، ولا ترضى بأنصاف الحلول، ولا تنخرط في أنظمة الكفر بحجة التدرج أو الإصلاح من الداخل، بل تسير بخطا ثابتة نحو إعادة الإسلام إلى مركز الحياة، من خلال إقامة دولته الجامعة المانعة، دولة الخلافة الراشدة الثانية.

الأمة هي التي ستنهض، وهي التي ستغيّر واقعها بيدها، ولا بد من إعادة الثقة لها بنفسها، بعد أن زُرع فيها الوهم بأنها قاصرة لا تصلح للحكم، وأنها متطرفة إذا تمسكت بدينها، وأنها لا تستطيع العيش دون وصاية الغرب. لا بد أن تُستنهض عزيمتها، وأن تُكسر القيود التي كبّلت إرادتها، وأن يُزال عنها الخوف المصطنع من التغيير.

إن الأمة الإسلامية حين تتحرك بوعي، وتنهض على أساس الإسلام، وتتبنّى مشروعاً سياسيّاً ربانيّاً متكاملاً، فإنها حتماً ستنتصر، وحتماً ستعود لتقود العالم من جديد، وهذه ليست أمنية، بل وعدٌ من الله سبحانه وبشرى من رسوله ﷺ، ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

كثيرٌ من محاولات النهضة في بلاد المسلمين فشلت لأنها سارت على خطا الغرب، وظنت أن النهضة تعني إقامة المصانع، أو التوسع في البنية التحتية، أو الانفتاح الاقتصادي، دون النظر إلى البنية الفكرية والنظامية التي تحكم هذه الجهود. إن الحضارة الغربية قائمة على فصل الدين عن الحياة، وعلى الاستعمار والهيمنة، وعلى الأنانية والربح المادي، وهي اليوم تعاني من الانهيار الأخلاقي والتفكك الاجتماعي والظلم الاقتصادي. فهل يعقل أن نقتدي بحضارة تلفظ أنفاسها الأخيرة؟!

النهضة الإسلامية لا تعني أن نكون نسخة عربية من أوروبا، ولا أن نستورد "التقدم" معبّأ في سياسات ومنظمات، بل أن نعيد تشكيل حياتنا على أساس عقيدتنا، ونصوغ مفاهيم الحياة والسياسة والاقتصاد والتعليم من خلال الإسلام، لا من خلال ما يُملى علينا من المؤسسات الدولية.

الطريق واضح والمهمة عظيمة

إن الطريق إلى النهضة ليس سراباً، ولا مجهول المعالم، بل هو طريق واضحٌ مستقيم، رسمه الوحي، وسار عليه رسول الله ﷺ، وسلكه الصحابة من بعده، فأقاموا دولة عظمى غيرت وجه التاريخ. وكل تأخير في سلوك هذا الطريق إنما يزيد الأمة ضعفاً، ويطيل معاناتها، ويتركها لقمة سائغة في فم أعدائها.

فليكن شعارنا: لا إصلاح بدون تغيير جذري، ولا تغيير إلا بالإسلام، ولا تطبيق للإسلام إلا بدولة، ولا دولة إلا بخلافة راشدة، ولا خلافة إلا بوعي الأمة وإرادتها الصلبة.

هذه هي المهمة العظيمة، وهذه هي بشائر النصر... فمن لها؟

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر