عمليّة رفح: هل يخرج "نتنياهو" عن طواعية أمريكا؟
May 15, 2024

عمليّة رفح: هل يخرج "نتنياهو" عن طواعية أمريكا؟

عمليّة رفح: هل يخرج "نتنياهو" عن طواعية أمريكا؟

منذ أشهر، لوّح نتنياهو باجتياح رفح والقيام بعملية عسكرية نوعية معتبرا "أن عدم دخول جيشه إلى رفح ومواجهة كتائب حماس هناك سيكون بمثابة خسارة الحرب". (فوكس نيوز صنداي، 2024/02/11).

في المقابل، تباينت ردود الفعل الرسمية الأمريكية بين الرفض المطلق والدعوة إلى التأجيل بسبب وجود عدد من المدنيين يُفترض إجلاؤهم قبل القيام بأية عملية عسكرية.

فإلى أي مدى تعتبر أمريكا جادة في رفض مقترح اجتياح رفح وهي الحليف الأول والداعم الأساسي لكيان يهود في هذه الحرب؟ وهل ستتمكن من إلجام نتنياهو وكبح جماحه هذه المرة أم أنه سيلطخ يديها في مزيد من الدماء البريئة خاصة بعد نجاحه في المناورة وإطالة أمد الحرب ليصل بها إلى نقطة السيطرة على معبر رفح؟

بداية، وقبل استجلاء حقيقة الموقف الأمريكي من إصرار نتنياهو على دخول منطقة رفح، لا بد من التذكير بالنقاط التالية لأهميتها:

أولا: إن كيان يهود هو مشروع غربي استعماري، زرع في خاصرة الأمة لمنع وحدتها على أساس الإسلام، وهذا الكيان الوظيفي تتولاه الآن وترعاه الدولة الأولى في العالم (أمريكا) خدمة لأهدافها الإقليمية والدولية وسعيا للحفاظ على هيمنتها الاستعمارية في المنطقة ضمن سياق الحرب الحضارية المعلنة على الإسلام.

ثانيا: لا يوجد أي خلاف بين أمريكا وكيان يهود على ضرورة بقاء هذا المشروع الاستعماري كورم سرطاني خبيث في جسد الأمة، بل إن بقاءه هو مصلحة استراتيجية وضرورة حيوية لدى الغرب كلّه وفي مقدمته أمريكا التي تعتبره ابنها المدلل، ولذلك تنادت كل قوى الكفر لحماية هذا الكيان من خطر الزوال بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023م.

ثالثا: إن الخلاف قد يكون مع من يعطلون المشروع الأمريكي أو يخرجون عن الخط المرسوم لهم في استراتيجية أمريكا في المنطقة ما قد يهدد الأمن القومي الأمريكي، لذلك فهي تضطر أحيانا إلى التدخل أو إلى وضع بعض الخطوط الحمراء، حفاظا على بقاء هذه القاعدة العسكرية المتقدمة في بلاد الإسلام. بل ربما نجدها تخشى على هذا الكيان حتى من قيادته إذا أصبحت تعرض المصالح الأمريكية للخطر أو تنذر بقرب زواله، وهذا ما بدا مع حكومة نتنياهو في أكثر من مناسبة...

لم يخف بايدن تأييده المطلق لكيان يهود خلال مسيرته الطويلة، كما جمعته علاقة وثيقة بنتنياهو الذي يناديه باسم الدلع "بيبي" حتى في أشد الفترات خلافا. وبينما كان أول المعانقين والمساندين له إثر الهجوم الذي تعرض له الكيان في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023م، وهزّ صورته في العالم، فقد لوح بايدن للمرة الأولى بتعليق بلاده بعض الدعم العسكري لكيان يهود، والذي يوازي 3 مليارات دولار سنويا، لدفعه إلى الامتناع عن شن هجوم واسع على المدينة الواقعة في أقصى جنوب قطاع غزة.

حيث كشف بايدن في تصريحات لشبكة سي إن إن يوم الأربعاء 2024/05/08، أنه سيمتنع عن تزويد (إسرائيل) بالقنابل وقذائف المدفعية في حال مضت في خططها بشأن رفح، بعدما أكدت إدارته أنها علّقت شحنة تتضمن آلاف القنابل الثقيلة لسلاح الجو.

وفيما تحاول الإدارة الأمريكية ضمان أمن الكيان على المدى الطويل، فتتعامل مع الوضع بدقة وحساسية نابعة من فهم لحقيقة فشل نتنياهو في استعادة المحتجزين وإنهاء وجود حماس وبالتالي في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، ومن إدراكها لعواقب توسيع نطاق الحرب وتبعات فتح عدة جبهات للقتال على القدرة القتالية لهذا الجيش المتقهقر، بل من خشيتها على مستقبل الكيان برمّته، يصر نتنياهو في المقابل على سياسة الهروب إلى الأمام بكل ما يعنيه ذلك من تعنت وتمرد على سياسات أمريكا ومن تجاهل للحقائق من حوله، طالبا المزيد من الدعم، فيغمض عينيه عن تنامي الغضب العالمي ضد جرائم هذا الكيان وانحسار حجم الدعم الغربي ويصم آذانه عن ارتفاع الأصوات المطالبة بتنحيته في داخل كيان يهود نفسه، وفوق هذا وذاك فهو لا يبدو أنه يعبأ بحجم الهزائم الميدانية الساحقة التي مني بها جيشه على أيدي أبطال غزة.

ولذلك كانت التصريحات الأمريكية تصبّ في سياق حماية الكيان من تمادي نتنياهو في غيّه:

  • فقد حثّ الرئيس الأمريكي رئيس وزراء كيان يهود على عدم شنّ عملية عسكرية برية في رفح بجنوب قطاع غزة "من دون خطة ذات مصداقية وقابلة للتنفيذ" لحماية المدنيين، وذكر البيت الأبيض في بيان أن بايدن أكد مجددا دعمه للهدف المشترك المتمثل في هزيمة حماس وضمان أمن (إسرائيل) على المدى الطويل. (دويتشه فيله، 2024/02/11).
  • وفي سياق إلزام مصر بالموقف الأمريكي، قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، إن الرئيس الأمريكي جو بايدن حدّد موقفه بوضوح بشأن رفح، حيث لن يسمح بتدخل بري (إسرائيلي) في رفح. وأضاف خلال مؤتمر صحفي مع سامح شكري وزير الخارجية عقب مباحثاتهما بالقاهرة، مساء الخميس 2024/03/21، أن (إسرائيل) إذا شنت عملية برية في رفح ستكون خطوة خاطئة ولا يمكن دعمها من قِبل واشنطن. (الشروق المصرية، 2024/03/21).
  • ثم في تصريحات جديدة، كررت كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الموقف عينه، فجاء على لسانها: "لقد كنا واضحين في محادثاتنا مع تل أبيب، وأكدنا بشتى الطرق أن أي عملية عسكرية كبيرة في رفح ستكون خطأً فادحاً". (العربية، 2024/03/25).

هذه عيّنة فقط من التصريحات والمواقف الأمريكية التي تصب جميعها في خانة رفض التصعيد العسكري في منطقة رفح، مع تلطيف الكلام، كما تتالت الأعمال السياسية والعسكرية التي حركتها أمريكا لكبح جماح نتنياهو وترويضه عسى أن يستفيق من غيبوبة غروره، فكان استدعاء عضو مجلس الحرب بيني غانتس إلى واشنطن بدون موافقة رئيس وزراء الكيان بل رغما عنه، وكانت صفعة الرد الإيراني المدروس والمنضبط، وكان ارتفاع سخونة جبهة جنوب لبنان وعدم هدوئها، وكانت استضافة تركيا لقادة حماس وإعلانها المتأخر لقطع علاقاتها التجارية مع الكيان، وكانت المواقف المصرية الرافضة للتدخل العسكري في رفح، وأيا كان من يقف وراء عملية استهداف (إسرائيلي) في الإسكندرية بمصر، فإنها تمثل صفعة أخرى على وجه نتنياهو ومجلس حربه المتلهف على الدخول إلى رفح. كل هذه الأعمال يرجح أن تكون أمريكا وراءها.

بل إن إشراف مدير المخابرات الأمريكية على المفاوضات بنفسه وتنقله بين القاهرة وتل أبيب في الفترة الأخيرة، كان كله في سياق الضغط على نتنياهو وإحراجه من خلال القيام بما عجز عن تحقيقه، من إطلاق لسراح الرهائن وتعقب لقادة حماس والعثور على أنفاقها السرية، فضلا عن تنسيق واضح مع الجانب المصري لتمكينه من القيام بعملية محدودة على محور فيلادلفيا وعلى الجانب الفلسطيني من معبر رفح، ولكن شرط ذلك كله هو تجنب عملية شاملة في رفح.

فقد تناولت مباحثات مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز ورئيس وزراء كيان يهود بنيامين نتنياهو إمكانية وقف الهجوم العسكري على رفح مقابل إطلاق سراح الرهائن لدى حماس، بحسب ما أكد مسؤول في كيان يهود لوكالة فرانس برس يوم الأربعاء الثامن من أيار/مايو 2024م.

كما عرضت واشنطن على كيان يهود تقديم معلومات استخباراتية حساسة لمساعدته على تحديد موقع قادة حماس والعثور على الأنفاق، مقابل التراجع عن عملية اجتياح واسع لرفح بحسب صحيفة واشنطن بوست. (سكاي نيوز، 2024/02/11). وهذا العرض الأمريكي، جاء بعد قرار بالإجماع لمجلس وزراء الحرب في كيان يهود، مواصلة العملية العسكرية في رفح، وذلك من أجل تعزيز إطلاق سراح الرهائن بحسب بيان المجلس الصادر يوم الاثنين 2024/05/06م.

وهكذا، تستمر أمريكا بقيادة بايدن في إحراج نتنياهو وإقامة الحجة عليه، وحتى كشف ألاعيبه ومناوراته، حيث قال مسؤول أمريكي إن (إسرائيل) لا تتفاوض بنية صادقة، وأضاف لرويترز "لم يتعامل نتنياهو وحكومة الحرب مع أحدث مرحلة من المفاوضات مع حماس بنية صادقة على ما يبدو". (سويس إنفو، 2024/05/06). كما لا يبدو أن أمريكا قد استخدمت كل أوراقها لردع نتنياهو، بل لا يزال في جعبتها المزيد.

أما نتنياهو، فلم يضاهه أحد من قادة هذا الكيان في صلفه وعجرفته وغروره وتعطشه لإراقة الدماء، وهو مستمر في مناوراته واستغلال كل الأزمات وتطويعها لغاياته الإجرامية الاستئصالية، متظاهرا بأنه مستعد للقتال بأظافره لإثارة التعاطف واستجلاب الدعم الغربي، مراهنا على سكوت أمريكا عن عربدة كيان داس بقدميه كل الأعراف والقوانين الدولية، حتى شاهد العالم أجمع كيف مزق مندوب كيان يهود في الأمم المتحدة ميثاق الأمم المتحدة نفسه.

كما يُراهن نتنياهو على ورقة الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذا العام، والتي تفرض على بايدن استرضاء اليهود وكسب أصواتهم، خاصة مع تزايد حجم الضغط الذي يمارسه الحزب الجمهوري في اتجاه دعم حكومة نتنياهو. في الأثناء، يواصل جيش كيان يهود قصف شمال القطاع دون هوادة، معلنا سيطرته على الطريق الرئيسي الذي يفصل الجانبين الشرقي والغربي لمدينة رفح بعد السيطرة على المعبر، ولذلك فالأرجح أن يُحاول نتنياهو تجاوز الخطوط الحمراء بعد الحصول على ضوء أخضر لعملية عسكرية محدودة في رفح يُراد لها أن تستمر وتتوسع على أمل خفوت الاستياء والغضب لدى زعيم الديمقراطيين بايدن تزامنا مع الحملة الانتخابية.

ختاما، فإن مكر أمريكا ويهود لا يلغي مكر الله ولا يؤخر نصر الله لعباده المؤمنين، بل إن في أحداث طوفان الأقصى مؤشرات ربانية على تسارع الزمن نحو تحقق وعد الآخرة بإذن الله وزوال كيان يهود، وقد يجر نتنياهو هذا الكيان إلى حتفه بإذن الله متى أمسكت الأمة بزمام الأمور وحركت جيوش التحرير، فإن زمن المفاصلة الحضارية مع الإسلام قد حان، لتقتلع الخلافة الراشدة هذا الورم السرطاني وكل التعفنات الجرثومية التي أوجدها الغرب الرأسمالي في بلاد الإسلام.

﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر