أمريكا تنشب مخالبها في ليبيا
June 08, 2020

أمريكا تنشب مخالبها في ليبيا

أمريكا تنشب مخالبها في ليبيا

بعد إجازة البرلمان التركي لمذكرة التفاهم التي وقعت بين أردوغان والسراج ذات الطابع العسكري والأمني التي تمكن تركيا بموجبها الدخول على خط الصراع في ليبيا لصالح حكومة الوفاق، وقد استطاعت تغيير موازين القوة في ليبيا، فقد استطاعت حكومة الوفاق من السيطرة على الساحل الغربي حتى الحدود التونسية كما ذكر رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية خالد المشري: أن حكومة الوفاق سيطرت على مساحة 5000 كلم على طول البحر وقد تمكنت من السيطرة على ست مدن ومنطقتين في سبع ساعات فقط. ومن ثم سيطرت قوات حكومة الوفاق المدعومة تركيا على قاعدة الوطية الحصينة.

وبذلك تكون قد سددت ضربة قاضية لقوات حفتر في الغرب الليبي ومن ثم اتجهت إلى مدينة ترهون وضربت عليها حصارا، ودحرت قوات حفتر التي تحاصر مدينة طرابلس فحققت نجاحات، حيث دحرتها إلى مساحة ستة وعشرين كيلو متراً عن العاصمة. وقد شكل انسحاب قوات شركة (فاغنر) الأمنية الروسية من محيط طرابلس ضربة قوية لقوات حفتر التي تحاصر طرابلس مما جعلها تتقهقر أمام قوات حكومة الوفاق.

وقد أدخلت تركيا كمية هائلة من العتاد والأسلحة مما مكنها من تحقيق نصر سريع وخاطف، وقد ذكر كثير من المحللين العسكريين أن تركيا قد اتخذت قاعدة لها في طرابلس، ومن المرجح أن تتخذ من قاعدة الوطية مقراً رئيسياً لقواتها، وبذلك تكون تركيا هي صاحبة الكلمة على حكومة الوفاق.

وما كان لتركيا أن تدخل حلبة الصراع في ليبيا دون أن تأخذ الضوء الأخضر من واشنطن.. وكما ورد في صحيفة القدس العربي بالتزامن مع اتصال هاتفي جرى بين الرئيس التركي أردوغان والأمين العام حلف شمال الأطلسي (الناتو) أصدر الأخير تصريحات متتالية عن استعداد الحلف لدعم حكومة الوفاق "الشرعية"، وفي متابعة مع صحيفة (ريبوبليكا) الإيطالية أيضاً أبدى أمين عام الناتو استعداده لدعم الحكومة الليبية برئاسة فائز السراج مشدداً على أنه لا يمكن وضع حكومة السراج المعترف بها دولياً والجنرال الانقلابي خليفة حفتر في كف واحدة، ولهذا السبب فإن الناتو مستعد لدعم حكومة طرابلس، وكان هذا بمثابة الضوء الأخضر لتركيا للتدخل العسكري، وما عضد ذلك التنسيق بين تركيا، والتصريحات التي صدرت من المسؤولين الأمريكيين.

في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء السراج رحب بمساهمات حكومة الوفاق المهمة في دحر (الإرهاب) وتحقيق السلام في تونس، وفي الاحتفال في المقبرة العسكرية الأمريكية في تونس قال السفير الأمريكي في تونس ريتشارد بورلاند: (في ليبيا لا تزال هناك قوى تسعى لفرض نظام سياسي جديد بالوسائل العسكرية أو الإرهاب، وتفخر الولايات المتحدة بشركائها مع الحكومة الشرعية والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة في ليبيا حكومة الوفاق الوطني). وتحدث السفير بورلاند مع رئيس الوزراء السراج يوم الأحد بعد اتصال رئيس الوزراء مع وزير الخارجية مايك بومبيو لتأكيد تقدير الولايات المتحدة لالتزامه بالمفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة...

إن هذا ليدل على أن أمريكا قد غرزت مخالبها عميقاً في جسد حكومة الوفاق المثقل بالجراح، وعلى صعيد متصل أكد رئيس بلدية الزينتان رغبة الليبيين في المنطقة الغربية أن يروا نهاية لهجوم قوات حفتر على طرابلس، جاء ذلك في اتصال هاتفي مع السفير الأمريكي في ليبيا، وقال بورلاند إن أمريكا تشارك الليبيين ذلك الهدف، وتعتبر الزينتان أكبر قوة عسكرية في الجبل الغربي إذ يدعم مجلسها العسكري حكومة الوفاق الوطني.

وفي المقابل فقد انهالت الاتهامات على حفتر بأنه جلب المرتزقة إلى ليبيا، فقد تحدثت صحيفة النيويورك تايمز عن الدور الإماراتي في العملية الفاشلة التي نفذها المرتزقة والداعمون للواء المتقاعد خليفة حفتر، وذكرت الصحيفة في تقرير ترجمته (عربي 21) أن المهمة التي لم تعمر طويلاً تورطت فيها شركات أمنية تتخذ من الإمارات مقراً لها، فقد اشترك فيها مرتزقة من بريطانيا وجنوب أفريقيا وأستراليا والولايات المتحدة.

كما وجهت جهات عدة الاتهام إلى روسيا بأنها قد أدخلت شركة فاغنر الأمنية كمرتزقة يقاتلون بجانب الجنرال خليفة حفتر والذين فروا من محاور القتال جنوب العاصمة طرابلس في اتجاه مدينة بني وليد، وقد أكد ذلك عميد لدية مدينة بني وليد سالم نوير، الذي قال في تصريحات سابقة للجزيرة إن مسلحين روساً وسوريين دخلوا إلى مطار بني وليد المدني مع أسلحة وثلاث منظومات دفاع جوي وعربات وآليات مسلحة، وقد أشار أن عدد المرتزقة كان يقدر بين (1500 - 1600) عنصر، كما اتهمت فرنسا روسيا بإرسال مرتزقة سوريين إلى ليبيا، هذا وقد نشرت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) صوراً لمقاتلات قالت إنها مقاتلات روسية إلى ليبيا.

إن هذا الهجوم والاتهامات التي تشنها أمريكا على حفتر لا يعني أنها قد نفضت يدها عنه فإن حفتر صنيعة أمريكية بامتياز، ونقلاً عن تقرير لصحيفة الواشنطن بوست أفاد بأن حفتر قد لجأ إلى أمريكا وعاش حياة هادئة في فرجينيا لعشرين سنة مضت، مع تخمينات بأنه ربما متورط مع المخابرات الأمريكية. وعرضت قناة "سكاي نيوز" تقريراً تناولت فيه التاريخ المثير للجدل حول اللواء المتقاعد خليفة حفتر، حيث لجأت فيه أمريكا لصناعة جماعات سنية عسكرية لإسقاط القذافي فوجد وليام كيس مدير المخابرات الأمريكية آنذاك في حفتر ضالته، حيث كان أسيراً لدى الحكومة التشادية بعد فشل المهمة التي كلفه بها القذافي في تشاد، ولمدة سبع سنوات ظل حفتر يقود الجماعات المسلحة التي دربتها السي آي إيه، وبعد أن تبدل النظام في تشاد، وتحول وجه النظام الجديد إلى فرنسا، أخذت أمريكا حفتر والجنود الذين كانوا معه بطائرة خاصة إلى أمريكا، واحتفظت بهم لمدة عشرين عاماً، وبعد شهر من بداية الانتفاضة الشعبية في ليبيا أعيد حفتر إلى بنغازي مع عدد قليل من ضباطه، وفي استقباله جمع غفير من المواطنين مرحبين به، وفي خلال أسابيع تم تنصيبه قائداً لقوات التمرد، ومن ثَم عُين قائداً للجيش الوطني الليبي الذي تدعمه أمريكا، وبذلك أصبح رقماً في شرق ليبيا. وفي نيسان/أبريل 2019م قام بمحاولة للوصول إلى مدينة بنغازي لإسقاط حكومة الوفاق، وقد اتصل عليه الرئيس الأمريكي ترامب بعد حصاره لمدينة طرابلس، وقد فُهم حينها أن أمريكا تدعم هذا التوجه لخليفة حفتر في محاولة للاستيلاء على السلطة عن طريق إسقاط حكومة الوفاق والاستيلاء على العاصمة، وقد اعترضت بعض الدول محاولة القيام بإجراء من مجلس الأمن لإدانة حفتر لخرقه اتفاق الصخيرات ومحاولة الاستيلاء على السلطة بالقوة.

هذا هو خليفة حفتر الذي لا يستطيع أن يعصي لأمريكا أمراً، وهو بمثابة الضلع الثاني لمثلث القوى في ليبيا.

أما الضلع الثالث لمثلث القوى في ليبيا فيتمثل في عقيلة صالح رئيس برلمان طبرق والذي وكل أمره إلى روسيا، وفي زيارة سابقة له إلى روسيا قال رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح: (إن زيارته الأخيرة للعاصمة الروسية موسكو كانت موفقة مشيراً إلى أن الموقف الروسي واضح وداعم للشرعية وليس لموسكو أي أطماع.. وأضاف صالح في حديثه لوكالة سبوتنيك: وجدت تفهماً كبيراً لما يجري في ليبيا لدى الروس، ليس لديهم مطامع، ليس هنالك علاقة حدودية، ليس لديهم مصالح مباشرة...). وفي اتصال هاتفي أجراه لافروف وصالح بحثا فيه التطورات في ليبيا، وبحسب البيان فقد أكد الطرفان على أنه لا حل عسكرياً للأزمة الليبية، مشددان على ضرورة استئناف العملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة..

وبذلك تكون أمريكا قد وضعت يدها على مراكز القوة في ليبيا ويمكنها أن تدفع الجميع في اتجاه الحل السياسي الذي يحقق لها مصالحها في ليبيا، ولا تنسى روسيا وتركيا من إلقامهما شيئاً من الكيكة.

أما موقف بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وإن كان لهم القدح المعلى في إسقاط نظام القذافي وتكوين حكومة الوفاق التي تكونت بموجب اتفاق مدينة الصخيرات في المغرب في شباط/فبراير 2016م، وانتزاع الاعتراف الدولي لتلك الحكومة، بوصفها الحكومة الشرعية، إلا أن بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بدأ دورهما يتراجع أمام الدور الأمريكي الذي يمثله حفتر، والمتمثل في الاستيلاء على معظم الأراضي الليبية حتى حصار العاصمة طرابلس، ومن ثم صار دورهما أشبه بدور المتفرج الذي يكتفي بطلب وقف إطلاق النار والرجوع إلى العملية السياسية. من المحتم أن بريطانيا لن تلقي السلام أمام الدور الأمريكي ولكنها في موقف ضعيف الآن بعد أن كادت أمريكا أن تمسك بزمام الأمر، والذي يمكنها من وضع التصور.

إن حال المسلمين في ليبيا كحال جميع المسلمين في كثير من البلاد الإسلامية، فقد تحققت فينا نبوءة الرسول ﷺ أن تداعت الأمم علينا كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ونحن مليار ونصف المليار ولكننا غثاء كغثاء السيل لا رابط بيننا، وذلك حين تركنا حبل الله المتين، ولن تكون لنا القوة والمنعة والعزة، ولن نمتلك قرارنا، إلا عندما نتوحد على أساس الإسلام ونقيم الدولة التي أمرنا بها ديننا؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة، وعد الله وبشرى رسوله ﷺ.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس حسب الله النور – الخرطوم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر