أمريكا ترسم التحركات لقائد الجيش الباكستاني
January 01, 2024

أمريكا ترسم التحركات لقائد الجيش الباكستاني

أمريكا ترسم التحركات لقائد الجيش الباكستاني

في أول زيارة رسمية له إلى الولايات المتحدة بعد أكثر من عام من تولّيه أقوى منصب في باكستان، التقى قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير القيادة الأمريكية العليا من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع وخاطب أعضاء مختارين من مجتمع مراكز الأبحاث الأمريكية، في رحلة رسمية بدأت في 13 من كانون الأول/ديسمبر 2023م، ليصافح الجنرال عاصم القيادة الأمريكية المجرمة التي تحرض وتحمي الإبادة الجماعية التي يرتكبها كيان يهود ضد المسلمين في غزة، في وقت يطالب فيه المسلمون في أنحاء العالم الإسلامي بمحاسبة أمريكا على دعمها لكيان يهود، وتحريك الجيوش للقضاء عليه.

تأتي زيارة الجنرال عاصم منير في وقت عصيب أفقد قيادة الجيش الباكستاني - وخاصة مكتب قائد الجيش - ما تبقى من احترامها وهيبتها ومصداقيتها وتأثيرها على عامة الناس في باكستان، وليتعاظم احتقان الناس من خيانة الجيش وتواطؤه مع أمريكا. أما بالنسبة لأمريكا فهي تولي اهتماماً كبيراً في استقرار مكتب قيادة الجيش؛ لأنه وسيلتها الرئيسية في التأثير على السياسة والنظام السياسي في باكستان.

لقد انضمت باكستان تاريخياً إلى التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة، سواء أكان ذلك في الحرب الباردة أو بعدها، وقد أدركت الولايات المتحدة قيمة موارد باكستان الهائلة ومزاياها الجيواستراتيجية وسعت لاستغلالها لخدمتها، وفي المقابل سعت قيادة الجيش إلى التلاؤم مع الأهداف الأمريكية، لتصبح أداة رئيسية في يد الولايات المتحدة لتنفيذ مشاريعها الإقليمية في جنوب آسيا، فتم تكليفها بقيادة الجيش الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي، واحتواء الهند والتطبيع معها لاحقاً، وإنشاء قناة للانفتاح مع الصين، ومحاربة ما يسمّى (الإرهاب)، وشن حرب على الإسلام... لكنّ العلاقات الباكستانية الأمريكية لم تكن يوماً شراكة متساوية، فقد تخلّت أمريكا عن باكستان عندما كانت مصالحها الاستراتيجية تتطلب الحد الأدنى من تدخل باكستان، بل لقد فرضت عقوبات صارمة على باكستان بسبب برنامجها للأسلحة النووية، وهددت بتصنيفها كدولة راعية للإرهاب خلال التسعينات.

واليوم تواجه باكستان إهمالاً على المستوى الدولي والإقليمي، خاصة بعد خروج القوات الأمريكية من أفغانستان في آب/أغسطس 2021م، وتنامي الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند، وهذا الشعور المتزايد بعدم الأهمية والعزلة لباكستان هو نتيجة للرؤية المحدودة لقيادتها، والخيانة الصريحة للأفراد في قيادة الجيش، فقيادة الجيش الباكستاني غير مستعدة ولا راغبة في استغلال الفرص الإقليمية لصالح مسلمي المنطقة، بل عملت على خلق عداوات مع قبائل البشتون والمجاهدين في أفغانستان، بعد أن هزمت قوات حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة، بدلاً من حشد قوتهم لتحرير كشمير وردع الهند.

تعدّ الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين الولايات المتحدة والهند عاملاً آخر مهماً في جنوب آسيا، فالولايات المتحدة تهدف إلى الحدّ من دور باكستان الإقليمي في مكافحة (الإرهاب)، وذلك لتوفير إمكاناتها وطاقتها من أجل القتال بين المسلمين، والانشغال داخلياً بالجماعات المسلحة، لتمهيد الطريق أمام أن تصبح الهند قوة إقليمية مهيمنة، لتتمكن الهند بعدها من التركيز على مجابهة الصين بدلاً من باكستان، وقد تحركت إدارة بايدن بسرعة كبيرة لزيادة إمكانات الطاقة في الهند من خلال التعاون في القطاعين العسكري والمدني عالي التقنية، وفي الوقت نفسه، تضاعفت مشاركة الهند في التجمعات العسكرية متعددة الأطراف بقيادة الولايات المتحدة، مثل الحوار الأمني الرباعي (كواد) في منطقة المحيط الهادئ الهندية. بدلاً من تحرير كشمير المحتلة من الهند، يواصل الجنرال عاصم - مثل سلفه - اتباع الإملاءات الأمريكية بشأن الحفاظ على وقف إطلاق النار على طول خط السيطرة، وجبهة الحرب مع كشمير المحتلة، واستخدام الاقتصاد الضعيف كذريعة للتقاعس عن العمل.

لقد كان من المتوقع مع انتصار طالبان على قوات حلف شمال الأطلسي، أن تقلّ التوترات الحدودية وتصلبها بشكل كبير، وكان من المتوقع أن تتمكن باكستان بعدها من إعادة التأكيد على ما فعلته خلال التسعينات، لكن ما حدث أن التوترات تزايدت حيث تحصّن المسلحون المناهضون لباكستان في مناطق آمنة على خط دوراند لمهاجمة باكستان، وقد هيمنت التوترات مع حكام أفغانستان الجدد (حركة طالبان) على السياسة الخارجية الباكستانية العام الماضي، وعملت القيادة الباكستانية على تأجيج التوترات عمداً من خلال الطرد القسري لنحو ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني وتقييد التنقل عبر الحدود، فالولايات المتحدة تستخدم الجيش الباكستاني لإبقاء حكام طالبان الجدد تحت الضغط باسم مكافحة (الإرهاب)، مشعلة نار الفتنة بين المسلمين.

أما بالنسبة لنتائج الزيارة، فوفقا للبيان الصحفي الصادر عن المكتب الإعلامي والعلاقات العامة للقوات المسلحة، فإن الجنرال عاصم منير "قام بلقاء مسؤولين حكوميين وعسكريين أمريكيين رئيسيين خلال زيارته المستمرة للولايات المتحدة، بمن فيهم وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع الجنرال لويد جيه أوستن، ونائب وزير الخارجية فيكتوريا نولوند، ونائب مستشار الأمن القومي جوناثان فاينر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون... وتمت مناقشة مسائل المصالح الثنائية وقضايا الأمن العالمية والإقليمية والصراعات المستمرة، واتفق الجانبان على مواصلة المشاركة لاستكشاف السبل المحتملة للتعاون الثنائي سعياً لتحقيق المصلحة المشتركة"، كما "تمّ تحديد التعاون الدفاعي والتعاون في مكافحة الإرهاب كمجالين أساسيين للتعاون"، وفيما يتعلق بالاجتماع مع قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال مايكل إريك كوريلا، أفاد المكتب بأنه قد تمت مناقشة المسائل المتعلقة بالتعاون في المسائل الأمنية الإقليمية وسبل التدريب المشترك. بينما كانت تصريحات وزارة الدفاع الأمريكية أكثر تواضعاً إلى حد ما، حيث ذكرت في إشارتها إلى مجالات النقاش أن "المسؤولين ناقشا التطورات الأمنية الإقليمية الأخيرة والمجالات المحتملة للتعاون الدفاعي الثنائي"، وجاءت تصريحات الاجتماع مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال براون بنص مماثل، ولم تصدر أية تصريحات عن وزارة الخارجية الأمريكية.

لقد تفاعل الجنرال عاصم منير أيضاً مع أعضاء في مؤسسات الفكر والرأي ووسائل الإعلام الأمريكية البارزة، ووفقاً لـلمكتب الإعلامي للقوات المسلحة الباكستانية فقد "ركّز قائد الجيش على أهمية باكستان من المنظور الجيواقتصادي والجيوسياسي، ورغبتها في تطوير نفسها كمركز للاتصال وبوابة إلى آسيا الوسطى وما وراءها، وتجنبها لسياسة التكتل وإيمانها بالحفاظ على العلاقات الودّية مع جميع الدول"، وذكر أيضاً أن "لجنة القوات المسلحة الباكستانية قد سلطت الضوء على وقوف باكستان كحصن ضد الإرهاب الدولي لعقود من الزمن ومساهماتها وتضحياتها التي لا مثيل لها في الحرب ضد الإرهاب".

فيما يتعلق بكشمير، أضاف المكتب الإعلامي للقوات المسلحة الباكستانية بأن "رئيس الجيش الباكستاتي أكّد على ضرورة حل قضية كشمير وفقاً لإلهام الناس في كشمير وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة"، وفيما يتعلق بفلسطين، ذكر المكتب أن "رئيس الجيش الباكستاتي شدّد على الضرورة الفورية لوقف إطلاق النار وإنهاء المعاناة في غزة، وتوفير المساعدات الإنسانية وتنفيذ حل الدولتين لتحقيق السلام الدائم في المنطقة".

يتضح من التصريحات الرسمية المذكورة أعلاه أن أجندة زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى الولايات المتحدة كانت من أجل ما يلي:

أ. تنشيط العلاقات العسكرية بين البلدين، والتي تم تجميدها من قبل الولايات المتحدة.

ب. الترويج لدور باكستان كشريك في مكافحة (الإرهاب) في أفغانستان.

ج. استكشاف سبل دعم الذخيرة السرية للجيش الأوكراني وتقييم الاحتياجات الأمريكية، تحت غطاء التعاون الدفاعي.

د. استكشاف سبل إجراء تدريبات عسكرية مشتركة.

هـ. إبلاغ الولايات المتحدة بأن باكستان ليست في المعسكر الصيني.

و. تصوير (مجلس تسهيل الاستثمار الاستراتيجي) كفرصة للمستثمرين الأمريكيين للاستثمار في باكستان.

يظهر جدول الأعمال الأمريكي للاجتماع من خلال المصطلحات المستخدمة في البيانات الرسمية، مثل "مناقشة البيئة الأمنية الإقليمية" و"المجالات المحتملة للتعاون الدفاعي الثنائي"، وتضمن أجندة الولايات المتحدة طلب الدعم الباكستاني لقوة المهام البحرية 153 الموسعة حديثاً بقيادة الولايات المتحدة لحماية حركة المرور البحرية من هجمات مليشيات الحوثي في البحر الأحمر. وكان الهدف من الاجتماع أيضاً دعم دور باكستان في احتواء الحكومة الأفغانية المؤقتة الجديدة لطالبان تحت غطاء التعاون في مكافحة (الإرهاب)، وقد أبلغ المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية السيد ميللر خلال إيجازه الصحفي أن الولايات المتحدة وباكستان عقدتا حواراً رفيع المستوى لمكافحة (الإرهاب) في إسلام أباد في آذار/مارس 2023م، وصرّح في 19 من كانون الأول/ديسمبر 2023م: "في آذار/مارس، عقدت الولايات المتحدة وباكستان محادثات عالية المستوى بشأن مكافحة الإرهاب لمناقشة التهديدات الإرهابية المشتركة التي تواجه بلدينا ووضع استراتيجيات للتعاون في المجالات الحيوية، مثل أمن الحدود ومكافحة تمويل الإرهاب، ونحن نقوم بتمويل العديد من برامج بناء القدرات لمكافحة الإرهاب في باكستان التي تركز على إنفاذ القانون والعدالة، ونتطلع إلى تنفيذ هذا العمل".

وفيما يتعلق بالدعوة المستمرة للجهاد وتحرك القوات المسلحة لنصرة غزة، تريد الولايات المتحدة الحفاظ على هدوء الرأي العام الباكستاني، بما في ذلك داخل القوات المسلحة، وتريد تأمين المسار الباكستاني الحالي في مواجهة الهند والذي يهدف إلى الحفاظ على الاستقرار على الحدود، وتريد تقليص حجم قدرات القوات المسلحة الباكستانية إلى درجة الإضرار بالوظائف الحيوية، تحت شعار التحجيم المناسب.

لقد وافقت الحكومة الأمريكية على هذه الزيارة الواسعة لقائد الجيش الباكستاني، بعد تأخير طويل ومشاورات متتالية، وكانت الأزمة في غزة هي التي أوجدت حاجة ملحة بالنسبة للولايات المتحدة ودفعتها إلى توفير بروتوكول رفيع المستوى لعميلها في جنوب آسيا، على الرغم من انخفاض قيمته وأهميته ودوره، حيث هبطت باكستان إلى (فريق إدارة من الدرجة الثانية) لوزارة الخارجية الأمريكية، والذي يتعامل مع جنوب ووسط آسيا، منذ خروج أمريكا المهين من أفغانستان.

إن زيارة قائد الجيش الباكستاني لن تأتي بأي خير للأمة الإسلامية، حيث تلوح في الأفق مخاطر حرب فتنة جديدة بين باكستان وأفغانستان، ولن تجلب أي خلاص للمسلمين المحاصرين في غزة والضفة الغربية، فالجنرال عاصم لم يعطِ المسؤولين الأمريكيين أي تحذير من استمرار دعمهم لكيان يهود، علاوة على تنصل القيادة الباكستانية من مسؤوليتها في تحرير كشمير التي تحتلها الهند، والتي قضت المحكمة العليا الهندية مؤخراً بضمها غير القانوني إلى حكومة مودي، وبدلاً من اتخاذ إجراءات حقيقية، تناشد القيادة الضعيفة في باكستان ما يُسمّى بالمجتمع الدولي للتدخل، وهي تعلم جيداً موقف الأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بحقوق الإنسان من الحرب في غزة.

لقد حان الوقت للأمة الإسلامية لتصبح قوة عالمية من خلال توحيد الأراضي الإسلامية في ظل دولة الخلافة على منهاج النبوة، واستعادة مجد الماضي، فالطريق المشرف الوحيد أمام المخلصين في المؤسسة العسكرية الباكستانية هو طريق الإسلام والجهاد، وليس في موالاة الكفار إلا الذل، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. إن الخلاص يكمن في الطاعة الكاملة والاستسلام لله سبحانه وتعالى، ولا ينبغي لأي قائد عسكري باكستاني أن يضيع وقته على أعتاب واشنطن، في حين يجب أن يشغله بقيادة جيشه المسلم لسحق كيان يهود وفتح أبواب المسجد الأقصى على يديه.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد سلجوق – ولاية باكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر