أمريكا ومأزق أفغانستان مؤشرات لانهيار الدولة الأولى في العالم
October 21, 2021

أمريكا ومأزق أفغانستان مؤشرات لانهيار الدولة الأولى في العالم

أمريكا ومأزق أفغانستان مؤشرات لانهيار الدولة الأولى في العالم

تجرعت أمريكا كأس الهزيمة المر في أفغانستان، ذلك البلد المسلم، إثر سقوط مدوٍّ لم تشهده من قبل، حيث جمعت كل عناصر السقوط والهزيمة من الناحيتين العسكرية، والاقتصادية.

إن الزمان قد استدار مجددا، يوم هزم الاتحاد السوفيتي عند احتلاله لأفغانستان عام 1978، فالحرب التي دامت قرابة عشر سنوات كاملة سقط فيها عشرات الآلاف من القتلى، فيما تم تشريد الملايين من الأفغان، لم يستسلم مسلمو أفغانستان فيها للاحتلال السوفيتي، بل خاضوا معارك ضارية ضده، أسفرت عن تمريغ أنف الروس في التراب الأفغاني، حتى اضطروا للخروج تاركين وراءهم إرثا من العداء المبدئي والتاريخي.

لعل مشهد انسحاب أمريكا من أفغانستان يبدو دراماتيكياً، حيث أعلن رئيسها جو بايدن، عن الانسحاب نهائيا، وقد بدأ بالفعل في الأول أيار/مايو 2021 على أن يكتمل بحلول 31 آب/أغسطس 2021، وتحت وطأة الانسحاب، بدأت أمهات المدن الأفغانية تسقط في يد طالبان، حيث غادرت أمريكا قاعدة باغرام ليلا، دون إخطار حليفها حكومة أشرف غني، وقد صرح الرئيس الأمريكي جو بايدن، قائلاً "لا يجب على القوات الأمريكية أن تقاتل وتموت في حرب رفضت القوات الأفغانية خوضها". (القناة الفرنسية 24).

لقد غزت أمريكا أفغانستان في تشرين الأول/أكتوبر عام 2001 للإطاحة بطالبان، بحجة إيواء أسامة بن لادن، وشخصيات أخرى في القاعدة، متهمة بهجمات 11 أيلول/سبتمبر، حيث أعلنها بوش الابن حرباً صليبية، وطلب من حكومة طالبان تسليم أسامة بن لادن، المتهم بتفجير برج التجارة الدولي في نيويورك، فرفضت طالبان تسليمه، فنادت أمريكا في العالم، وهيأت الرأي العالمي، ورسمت خطا طويل الأجل، لضرب الإسلام وأهله، تحت ذريعة (محاربة الإرهاب)، والقضاء على أي ترسانة موجودة في بلاد المسلمين عبر سياسة ممنهجة، فأوجدت مسوغا لمن لف حولها للقضاء على (الإرهاب)، وعينها على الإسلام للفتك به، فدخلت أمريكا أفغانستان محتلة، وسخرت حلف الناتو، وتبعتها بريطانيا وفرنسا ووجدت دعما لوجستيا، من باكستان وإيران ودول الخليج، حيث بلغت جيوشها 110 ألف جندي عام 2011.

فتخطط أمريكا ليخلو لها العالم كما الآن، ودون منافس دولي في المستقبل، كدولة أولى في العالم. فجعلت الإسلام مصنفا العدو الأول. فلا مجال أن يصبح الإسلام ديناً ودولة، تحت راية العقاب التي هي جامعة للمسلمين، دولة الخلافة، فأطلق بوش مقولته المشهورة (إما معنا أو ضدنا) وسماها حرباً مقدسة تحت اسم الصليب.

لقد صرفت أمريكا مليارات الدولارات على الجيش الأفغاني، من أسلحة وذخائر وتدريب، بالإضافة إلى الطائرات بدون طيار، والمروحيات وغيرها. ووفقا لدراسة أجرتها جامعة بروان الأمريكية التي تقع في بروفيدانس ولاية رود آيلاند في عام 2019 والتي رصدت عملية الإنفاق على الحرب في كل من أفغانستان وباكستان، فقد أنفقت الولايات المتحدة حوالي 978 مليار دولار، شملت تقديراتهم أيضاً الأموال المخصصة للسنة المالية 2020.

إن هذا الإنفاق لم يصنع نصراً، ولا بنى دولة، كما تريد أمريكا. فكانت النتيجة صفرا كبيراً لعدم وجود عقيدة قتالية للجيش الأفغاني. فعلام يدافع الجيش الأفغاني؟ عن الجيش الأمريكي أم يدافع عن حكومة أشرف غني العميلة؟ فكان مشوشا.

فجاء الانهيار المدوي، لأمريكا التي لم تصدق ذلك. ففي مساء يوم الأحد 15 آب/أغسطس 2021 تمكنت طالبان من السيطرة على القصر الرئاسي، في العاصمة كابل ومطار المدينة العسكري، بعد انسحاب لم يكتمل للقوات الأمريكية، التي احتلت أفغانستان، منذ عشرين عاما. حيث صرح جو بايدن قائلا "إن أفغانستان مقبرة الغزاة، وهو غير نادم من الانسحاب". (بي بي سي 2021/7/8).

فجاءت ردود الأفعال الدولية، من مفكرين وساسة أمريكيين، فقد وصف نائب الرئيس الأمريكي الأسبق مايك بنس، في مقال رأي بصحيفة (وول ستريت)، وصف الانسحاب بأنه إذلال للسياسة الخارجية أكثر من واجهته بلادنا، منذ أزمة الرهائن في إيران. (صحيفة سبوتنيك عربي).

تناولت مجلة ناشيونال إنترست، في مقال للأكاديمي مارك كاتز، تداعيات انهيار نظام حكومة أشرف غني وما قد يعنيه من متاعب قد تطال أعداء الولايات المتحدة. فكتب مارك كاتز، وهو أستاذ في العلوم السياسية، بجامعة جورج ميسون بولاية فرجينيا، وباحث غير مقيم، بالمجلس الأطلنطي، قائلا "إن العديد من المراقبين في الماضي والحاضر، تكهنوا بأن تسقط الأنظمة الاستبدادية الفاسدة الحليفة للولايات المتحدة، ما من شأنه، أن يؤدي إلى أن تحل محلها أنظمة مرعبة، أكثر استبدادا. وأضاف الكاتب، أن سقوط كابل يعد أمرا مؤلما للغاية للشعب الأفغاني على حد زعمه. مضيفا أنه يمثل دلالة، على فشل الجهود الأمريكية، التي استغرقت عقدين من بناء حكومة أفغانية، تكون أكثر جذبا من حركة طالبان". (الجزيرة نت).

وأضاف كاتب آخر، في مجلة نيويورك تايمز، هو الصحفي الأمريكي ديفيد سانجر مراسل نيويورك تايمز من البيت الأبيض، وشؤون الأمن القومي، في تحليل بالصحيفة قال في آخر مقالته: إن بايدن، سيدخل التاريخ، باعتباره الرئيس الذي أشرف على آخر عمل مذل، في التجربة الأمريكية في أفغانستان.

إن أمريكا بهذه الورطة التاريخية، وأسلوبها الفكري العقدي القائم على الاستعمار وإذلال الشعوب، وتسخير العالم لخدمتها، وفشل مبدئها الفاسد، من نظام حكم، ودعمها وتكريسها للأنظمة الفاسدة، من دكتاتوريات وممالك وغيرها، ونظام اقتصادي قائم على نهب ثروات الشعوب، عبر شركات عابرة للقارات، وصناديق مالية عالمية مؤسسة على الربا، ونظام اجتماعي قائم على فساد المرأة، وإطلاق الحريات وغيرها من المفاهيم الفاسدة، سوف يقود أمريكا حتما إلى مثواها الأخير.

إن الأصل في طالبان أن تعي الدرس، وتعمل على مراجعة منهجها، وذلك بالرجوع إلى أحكام الإسلام العظيم. حيث إن الإسلام عاصم كل من يتمسك به من الفخاخ السياسية القاتلة، وهي أخطر من الحرب أحيانا. فما لم تكسبه أمريكا في الحرب يمكن أن تكسبه في طاولة المفاوضات، والتي يمكن أن تفضي إلى الموت، وزوال المكاسب التي حققتها طالبان خلال العشرين سنة من عمر قتالها لأمريكا في أفغانستان.

وهناك نماذج قامت بها أمريكا، للكسب السياسي عبر التفاوض؛ ففي السودان حيث انضمت أمريكا لمنظمة إيقاد، تلك المنظمة التي تتكون من دول القرن الأفريقي، وأوعزت لعميلها عمر البشير، أن يطلب تدخل منظمة إيقاد لحل مشكلة جنوب السودان، فتبنت أمريكا المشروع، وأرسلت مبعوثها الخاص القس جون دانفورث لهندسة التفاوض، مع حركة قرنق المتمردة في جنوب السودان وحكومة السودان. فما لم يحققه قرنق في عشرين عاما، حققه في بضعة شهور، وأدى ذلك التفاوض إلى فصل جنوب السودان عبر فكرة حق تقرير المصير، وأنشئت دولة ذات صبغة نصرانية، وأبقت السودان تحت بذرة التفتيت. وهذه هي أمريكا.

كذلك تصرفت أمريكا في قضية سوريا بأسلوب خبيث حيث دعمت المعارضة، وعندما أدركت أن المعارضة ظهرها مكشوف في الميدان، دون حاضنة سياسية تدفعها إلى التأييد، أبقت بشار في السلطة، واستخدمت أسلوب سياسة الأرض المحروقة عبر روسيا، التي انخرطت بشكل قوي للحفاظ على شكل النظام العلماني في سوريا، فجاءت مفاوضات جنيف1 وجنيف2 وأستانة، إلا أن كل المفاوضات لم تجد قبولا في وسط الثورة السورية التي اتخذت شكلا مخالفاً لكل الثورات التي اندلعت في الشرق الأوسط، حيث نادت بلفظ النظام العلماني، وعدم قبوله، وتمسكت الثورة السورية بمبادئ الإسلام، وأبقت جذوة الثورة السورية قائمة.

فما تناولته التقارير الإخبارية، بأن طالبان عازمة على بناء دولة ذات حدود جغرافية أفغانية والجلوس مع قادة الحكومة السابقة العميلة لأمريكا، الملطخة بدماء المسلمين، والاستمرار في التفاوض مع أمريكا عبر مطبخ أمريكا الخليجي في الدوحة، وفتح خط مع قادة تركيا العملاء... إن هذه الأمور هي من الأخطاء السياسية القاتلة، ومخالفة شرعية تقود إلى الهلاك، وتظهر عدم الالتزام بالأحكام الشرعية، وعدم جعل الإسلام أساساً عند التفاوض إذا اقتضت الضرورة أن نتفاوض، وغيرها من الأحكام الشرعية الأخرى عند السياسة الداخلية والخارجية.

إن التودد إلى أمريكا وأوروبا لتطييب خاطرهم بعد إذلالهم في ساحة الوغى في آسيا هو الخسران المبين، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ففكرة التفاوض القائمة على التنازلات، هي سلاح فتاك تستخدمه أمريكا وتسخر كل إمكانياتها السياسية والجيوسياسية والإعلامية ومنظماتها الدولية لإنجاحها.

فطالبان قد امتلكت زمام المبادرة وأربكت المشهد العالمي وهي تتمتع بقبول طيب عند أهل باكستان وأوزبيكستان وطاجيكستان والشيشان. وإن وضع أفغانستان وما جاورها يؤهلها أن تعلن الخلافة العاصمة لها من فخاخ المفاوضات ودسائس المؤامرات الدولية.

إن الوعي السياسي لا يكتمل إلا بالوعي على فهم الواقع وإسقاط الأحكام الشرعية عليه، عندها تتضح الأمور المبدئية على أساس الإسلام العظيم.

إن تجارب أمريكا لضرب الإسلام وتشويه صورته، هي إحدى غايات أمريكا، وهي الصورة العالقة في أذهان الساسة الأمريكان، ومفكريها، لتكسب بعض الوقت، وذلك بسياقة الرأي العالمي ضد من يلتزم بأحكام الإسلام لتطلق العويل وتنادي العالم إعلاميا، لتسوقه لشيطنة الإسلام، ثم لتجعل بأس المسلمين بينهم شديداً. وذلك نتيجة للتغييب الفكري، والانحطاط، الذي تعيشه الأمة الإسلامية، لتلبس لهم الباطل بالحق، وهي تنأى بنفسها بعيدا، تتنفس الصعداء ليخلو لها العالم لتعيش الدولة الأولى في العالم.

فنماذج الحكومات التي صنعتها أمريكا لتحكم باسم الإسلام، زورا وبهتانا حاضرة في أذهان الناس، مثل حكومة الإنقاذ في السودان، وحكم الخميني في إيران، وأردوغان في تركيا، وركوبها للموجة، مثال حركة النهضة في تونس بقيادة الغنوشي، ومرسي في مصر فخلطوا مفاهيم الكفر وألصقوها باسم الإسلام العظيم زورا وبهتانا، فقادهم ذلك إلى التهلكة، وشوش على الناس الإسلام، وأصبح المسلم مشوشا فكريا، يغلب عليه التفكير السطحي ويصاب باليأس والهروب من التفكير العميق الذي يقوده إلى فهم الإسلام العظيم ليعمل من أجله.

إن الفرصة التي أتت ومرغت أنف أمريكا في التراب الأفغاني، وسكرة ذهولها أشبه بسيناريو خروج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان في عام 1989 بعد عشر سنوات من القتال الدامي، وتمريغ أنف السوفييت، وإهانتهم في أفغانستان، وخروجها المذل منه، أعقبها انهيار المبدأ الشيوعي ودولته عام 1991 من حلبة الصراع الدولي.

فما أشبه الليلة بالبارحة؛ أن يكون خروج أمريكا، ذليلة مهانة، يتبعه خروج نهائي من حلبة الصراع الدولي، بصورة كاملة، وذلك بإعلان دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وما ذلك على الله بعزيز.

﴿وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر