انهيار البنوك والمشاكل التي تتسببها الرأسمالية
April 02, 2023

انهيار البنوك والمشاكل التي تتسببها الرأسمالية

انهيار البنوك والمشاكل التي تتسببها الرأسمالية

أعلن عن انهيار أحد أكبر البنوك في أمريكا وهو بنك سيلكون فالي يوم 10/3/2023، واعتبر انهياره من أكبر الانهيارات التي تصيب البنوك في تاريخ أمريكا. وتبعه انهيارات في بنوك أخرى هناك، واهتزت سوق الأسهم، وتأثرت بنوك أوروبية وآسيوية وأسواق الأسهم في العالم. فأعلن عن انهيار بنك كريدي سويس، وساد التوتر الأسواق المالية يوم 24/3/2023 وانخفضت قيمة أسهم المؤسسات المالية في كل العالم، فأعلن عن انخفاض أسهم البنك المركزي الألماني دويتشه بنك بنسبة 14%. وتدخلت السلطات في أمريكا وسويسرا مع بنوكها المركزية للقيام بعملية الإنقاذ ودفعت بنوكا لتستحوذ على البنوك المنهارة.

هكذا تطايرت شرارات تنذر باندلاع أزمة مالية جديدة تتفجر دائما في رأس أمريكا قلعة الرأسمالية وقائدة دولها. علما أن أزمة 2008 التي تفجرت في عاصمتها المالية نيويورك قد تركت آثارا بالغة ولم تتخلص أمريكا والدول الرأسمالية نهائيا من تداعياتها. والخطأ بل الفساد والبطلان في النظام الرأسمالي نفسه في أسسه وما تفرع عنه، ونتناول ثلاث مشاكل فقط من المشاكل التي يتسببها هذا النظام:

الأولى: الربا، فعندما رفعت أمريكا النسبة الربوية صار من الصعب على المبتدئين في صناعة التكنولوجيا اقتراض المال، وجعل المودعين يسحبون أموالهم بوتيرة سريعة، فافتقد بنك وادي السيلكون السيولة النقدية، فأراد توفيرها عبر بيع الأسهم ومن ثم عرض نفسه للبيع. فالربا مشكلة بحد ذاتها، وأضرارها بالغة جدا على المستقرضين، وإن كان المقرضون والمودعون يستفيدون منها ولكنهم في حالات يخسرون، ففي مثل هذه الحالة تعلن البنوك عدم قدرتها على توفير السيولة، وتحت وطأة مثل هذه الأزمة إما أن ينهار البنك ويعلن إفلاسه فتضيع كثير من أموال المودعين، وإما أن تمنع الناس من سحب أموالهم وتوضع قيود على ذلك كما حدث في أزمة البنك هذا، بأن منعوا السحب لأكثر من مبلغ معين. ومثل ذلك حادث في لبنان، فلا يستطيع الناس سحب أموالهم ولا تمويل مشاريعهم وتسديد مصاريفهم.

والرأسماليون يرون في الربا استثمارا للأموال وطريقة مربحة، ولهذا يعرض كثير من الناس عن استثمار أموالهم في الاقتصاد الحقيقي مثل إقامة مشاريع في البناء والإعمار والصناعات والحرف والقيام بأعمال تجارية وصناعية وزراعية. فتكدس الأموال في البنوك، وهذا يسبب عدم تداول المال بين أيدي الناس ويؤدي إلى حدوث البطالة، فلا تشغل الأيدي العاملة ولا يجد كثير من الناس أعمالا ليقوموا بها ويكسبوا مالا كافيا لسد حاجاتهم الأساسية والضرورية، بعيدا عن الحاجات الكمالية والتي هي صعبة المنال بالنسبة لهم.

فخفض النسبة الربوية أو رفعها لا يعالج المشكلة قطعا، وإنما الذي يعالج المشكلة هو القضاء على كل أشكال الربا. فبعد تفجر الأزمة المالية عام 2008 فإن أمريكا وأوروبا لمعالجة الأزمة خفضت النسبة الربوية إلى ما تحت 1% في البنوك المركزية لدعم البنوك التي تقرض أصحاب المشاريع بنسبة ربوية أعلى لتحقق أرباحا وتنقذ نفسها. ولكن المشكلة لم تعالج. ومن ثم بدأت ترفعها حتى بلغت ما فوق 4% لمعالجة مسألة التضخم، فتسببت بمشاكل جديدة. ومثلا تركيا أردوغان بدأت ترفع النسبة الربوية حتى بلغت 24% ولكنها لم تستطع معالجة مشاكلها، ومن ثم بدأت بخفضها حتى وصلت إلى 8,5% ولكن المشكلة ما زالت قائمة. وهكذا في كل بلد تقريبا. وهكذا يعمل الرأسماليون على معالجة المشاكل بالترقيع. فيرقع من جهة فينفرط من جهة أخرى. وهكذا تبقى البلاد في أزمات فيشقى الناس معها، ويعيشون في شقاء دائم حتى يأتيهم أجلهم.

والمشكلة الثانية: سوق الأسهم المالية للشركات المساهمة؛ فهذا نظام باطل وفاسد. فالشركات المساهمة باطلة شرعا. تطرح الشركات المساهمة أسهما جديدة في السوق كلما زادت أرباحها أو سمعتها، فتجمع أموالا طائلة من الناس لتزيد من ثرواتها، وفي أية لحظة تنخفض أسعار الأسهم أو تسقط عندما لا تحقق الأرباح الكافية أو تسوء سمعتها، فبنك سيلكون فالي عندما رأى الناس أنه لم يستطع توفير السيولة ساءت سمعته وضعفت الثقة فيه، وعندئذ انخفضت قيمة أسهمه، فتأثرت بنوك أخرى به كما تأثرت سوق الأسهم كلها في أمريكا وفي كل بلد، وانخفضت أسعارها فتسببت بخسائر للمستثمرين في سوق الأسهم. وكثير من الأحيان تسقط إلى الصفر كما يحدث في كثير من الشركات فتعلن إفلاسها. ففي عام 2008 كانت قيمة الأسهم في شركة ليمان براذر تبلغ 600 مليار دولار، فبدأت تهوي حتى تبخرت كل هذه الأموال، فخسر الكثير أموالهم، ومثلها آلاف الشركات الصغيرة والكبيرة انهارت في أمريكا وأوروبا. فكثير من الناس بفعل تطبيق النظام الرأسمالي عليهم وبفعل الدعاية الكاذبة، عندما يريدون أن يستثمروا أموالهم يتجهون نحو سوق الأسهم فيشترون أسهما ليربحوا عليها، ولا يتجهون نحو الاقتصاد الحقيقي ويستثمرون في إقامة المشاريع الحقيقية فيتاجرون ويبنون المصانع ويفلحون الأرض ويطورون الصناعات والتكنولوجيا وغير ذلك، ويؤسسون شركات إسلامية من مضاربة ومفاوضة ووجوه وعنان وأبدان.

والمشكلة الثالثة: التضخم وتضاعف أسعار السلع والخدمات التي تؤدي إلى ضعف القدرة الشرائية لدى الناس وحرمانهم من كثير مما يحتاجونه وكذلك تؤدي إلى مزيد من الفقر والمجاعة لدى آخرين وخاصة في البلاد الفقيرة. فتنشأ من انخفاض قيمة العملة وخاصة فيما يسمى العالم الثالث، وهي الدول الفقيرة المحكومة للدول الكبرى. وتنشأ في أحيان، كما هو حاصل في الدول الرأسمالية الكبرى، لجشع التجار وخاصة الشركات الكبرى والتذرع بحصول الأزمات كما حدث مؤخرا في أزمة كورونا وأزمة أوكرانيا، والدول لا تعمل على معالجتها العلاج الصحيح، بل هي تستفيد منها لجمع المزيد من الضرائب، وتذهب إلى رفع النسبة الربوية لمعالجتها. فتعالج الخطأ بالخطأ. فالشركة حتى تدخل سوق الأسهم أو تحافظ على بقائها فيه تضع سقفا للأرباح التي ستجنيها. فيكون هدفها حصد الأرباح الطائلة، وبذلك ترفع الأسعار وتقلل الأيدي العاملة فيها للتقليل من المصاريف. فإذا لم تحقق هذه الأرباح تعتبر نفسها خاسرة ولو كانت رابحة، وبذلك لا تستطيع أن تطرح أسهما جديدة لتجمع أموالا جديدة. فشركات النفط والغاز والكهرباء، كما حصل مؤخرا، رفعت الأسعار لتجني المزيد من الأرباح علما أن لديها أرباحا طائلة، وذلك لترفع من قيمة أسهمها أو لتطرح أسهما جديدة، فكل الأعمال تقريبا تعتمد على الطاقة، وبالتالي تزيد الكلفة على المنتجين والبائعين فيرفعون الأسعار فيتضرر عامة الناس، وأكثرهم من محدودي الدخل ومن الفقراء والمحرومين.

فنرى في كثير من البلدان الرأسمالية كما حصل مؤخرا في أمريكا وأوروبا يريدون معالجة التضخم برفع نسبة الربا، ونلاحظ أن ذلك لم يعالج الموضوع قطعا، وباقي بلدان العالم تتأثر بها أو تتبعها وتتبع مؤسساتها المالية وتنفذ تعليماتها ومعالجاتها. فالعلاج أولا التخلي عن النظام الرأسمالي تماما، والتخلي عن التبعية لدوله ومؤسساته المالية وغير المالية، ومن ثم تحريم الربا مهما قل أو كثر، وتحريم الشركات المساهمة وإغلاق سوق الأسهم المالية، وهذا لا يتأتى إلا بتطبيق نظام الإسلام، فيقوم المسلم بإقراض أخيه بدون ربا، رغبة في الثواب.

وفي دولة الخلافة يقرض بيت المال الناس بدون ربا. وتعمل الدولة على اتباع سياسة الاكتفاء الذاتي وعدم الارتباط بالخارج إلا بمعاهدات تجارية مضبوطة، فلا تسمح للشركات العابرة للقارات بدخولها والاستثمار فيها وهذا يعني رفض العولمة والحيلولة دون التأثر بما يحدث من أزمات في البلدان الأخرى. والدولة تقوم بمشاريع فيما يدخل في ملكيتها وفي الملكية العامة وتشغل شركات بأجر دون إعطائها امتيازا أو مشاركتها في المشاريع. فمثلا تشغل شركات خاصة أسسها رعاياها في أمور متعددة من حفر وتنقيب ومد مواسير وغير ذلك أو ماكيناتها لاستخراج النفط مقابل أجر، ولكن النفط يكون كله بيد الدولة تتصرف به كما يملي عليها الشرع في توزيعه وبيعه. وأما ما يدخل في الملكية الخاصة فهو مجال واسع للجميع من رعايا الدولة للقيام بالأعمال والمشاريع الاقتصادية الحقيقية، فيستثمرون أموالهم فيها ويشغلون الأيدي العاملة فيقضون على البطالة. وتصبح الأسعار معتدلة يتمكن كل شخص من تأمين حاجاته الأساسية والكمالية. بجانب ثبات العملة عندما تكون مستندة إلى الذهب والفضة وبذلك يحيا الناس حياة طيبة عندما يلتزمون بأحكام الإسلام في ظلال دولة الخلافة الراشدة التي تطبق هذه الأحكام وتشرف على تطبيقها وتلزم الناس بها وتعاقب المخالفين.

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أسعد منصور

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر