انهيار غير مسبوق لأسعار النفط الأمريكي، الأسباب والتداعيات
April 28, 2020

انهيار غير مسبوق لأسعار النفط الأمريكي، الأسباب والتداعيات

انهيار غير مسبوق لأسعار النفط الأمريكي، الأسباب والتداعيات


لم يحدث أبدا أن دَفَع مالك بضاعة للمستهلك مقابل تصريف بضاعته! هذه سابقة لم يتوقّعها حتّى مَن وضعوا أكثر السيناريوهات تشاؤما، فقد تراجعت أسعار النفط الأمريكي إلى ما دون الصفر للمرة الأولى في التاريخ، حيث وصل سعر برميل النفط إلى - 37.63 دولارا (بالسالب)، وهو ما يعني أن شركات النفط تدفع للعملاء كي يحصلوا على منتجاتها، خشية تراكم مخزون الخام لديها خلال الشهر المقبل. لقد تراجع الطلب على النفط ومشتقاته خلال الأشهر الماضية بسبب إجراءات الإغلاق في مختلف دول العالم إثر تفشي وباء كورونا واضطرار الناس للبقاء في منازلهم، وتوقف العمل في العديد من المصانع. واضطرت شركات النفط إلى استئجار ناقلات نفط ضخمة لتخزين الخام الفائض، ولذا أصبحت الشركات تدفع للمشترين لنقل الخام بعيدا عن منشآتها تفاديا لدفع أموال أكثر لتخزينه.


الانهيار الجديد في أسعار النفط يرجع إلى ثلاثة أسباب رئيسية؛ الأول هو فشل منظمة أوبك وحلفائها في التوصل إلى اتفاق مبكر لخفض الإنتاج، يحافظ على التوازن في الأسواق، بالإضافة إلى أن هذا الاتفاق سيدخل حيز التنفيذ في 1 أيار/مايو المقبل وليس الآن، أما السبب الثاني فهو أزمة كورونا، والسبب الثالث هو الأزمة المقبلة التي تلوح في الأفق، وهي أزمة تخزين النفط الفائض عن حاجة السوق العالمي. لكن التراجع الكبير في أسعار الخام يعود كذلك إلى أسباب تقنية تتعلّق باقتراب انقضاء مهلة عقد أيار/مايو الاثنين.


وقد عقد بعض وزراء أوبك مؤتمرا عبر الهاتف الثلاثاء 21 نيسان/أبريل، لمناقشة الهبوط الحاد في أسعار النفط وإجراءات إضافية محتملة لدعم السوق، لكن المؤتمر لم تشارك فيه الدول الخليجية الرئيسية ولا روسيا، وهو ما يبرز انقساما متناميا داخل المنظمة، ويشير إلى استمرار تفاقم الأزمة في الأيام المقبلة.


إن الوضع الحالي لو استمر فقد يساهم في أزمة حقيقية في صناعة الطاقة العالمية، ولن تستطيع الدول المصدرة الإنفاق على حقولها الخاصة بالنفط. إن الوضع الحالي كان يمكن تجاوزه بيُسر لو لم تحدث جائحة كورونا التي لا يزال العالم يبحث عن طريقة ما لتجاوز تداعياتها، وبالتالي فالحلّ المؤقت الوحيد للدول النفطية لن يخرج عن تخفيض الإنتاج وعن تعاون أكبر بدلا مما وقع في الأيام الماضية من معارك في رفع الأسعار.


التأثير على دول الخليج:


سيتأثر العالم بشكل عام بما حصل، ودول الخليج بوجه خاص، فهو ولا شك سيؤدي إلى نقص الإيرادات وعجز إضافي، ما سيدفع الدول الخليجية إلى تأجيل مشاريعها الضخمة أو إلى إعادة جدولتها على مدار السنوات اللاحقة، وقد تفكر في فرض ضرائب جديدة، لكن نظراً للتداعيات الخطيرة لجائحة كورونا على الاقتصاد المحلي، فخطوة من هذا القبيل لا يمكن الإقدام عليها إذا كانت تلك الدول تحترم نفسها أو تراعي حاجات شعوبها. وفي هذا السياق، نعلم جميعا أن دول الخليج تنفق أكثر بكثير مما تسمح به أسعار النفط المنخفضة، ما سيؤدي إلى نفاد الاحتياطي النقدي في غضون سنوات قليلة. وهذا ما سيدفع تلك الدول إلى إصدار سندات إضافية، فقد أعلنت إمارة أبو ظبي الأحد 19 نيسان/ أبريل الحالي أنها أصدرت سندات سيادية بقيمة سبعة مليارات دولار. وكانت السعودية جمعت الأسبوع الماضي سبعة مليارات دولار في عملية إصدار سندات، بينما قامت قطر الغنية بالغاز بإصدار سندات بقيمة عشرة مليارات دولار قبل أسبوعين.


كان من المتوقع أن تسجل كل دولة من دول الخليج عجزاً في ميزانيتها حتى قبل أن تنفجر أزمتا كورونا وتدهور أسعار النفط، فإن هذا العجز في ميزانيات الدول سيتفاقم الآن بشكل كبير، وسينعكس ذلك تباعاً على ارتفاع الدين العام لدى الكثير من دول الخليج. أما من ناحية ميزان المدفوعات، فمن الممكن أن تدخل دول عدة (خصوصاً البحرين وعمان) في خطر استنزاف ما لديها من العملات الصعبة، وإدخالها في مرحلة حرجة قد تعجز بعدها عن تثبيت سعر عملتها إذا امتد ذلك لفترة من الزمن. أما من ناحية الوظائف، فيبدو أن القطاع الخاص سيتلقى الضربة الكبرى في المدى القصير، خصوصاً الوافدين الذين قد يتوقف الكثير منهم عن العمل.


إن هاتين الأزمتين (كورونا وسوق النفط) قد أوضحتا بشكل جلي أن هناك خللاً مزمناً في منظومة الحكم ليس في دول الخليج فحسب، بل في المنظومة العالمية برمتها. فحتى قبل الأزمتين، ما انفك إسراف دول الخليج يزداد مع تضخم السكان والاستهلاك المحلي والمشاريع البراقة التي تتبناها الدول؛ من مدن ضخمة ومسابقات رياضية عالمية، حتى أصبح الإنفاق العام أعلى من الإيرادات في دولة مثل الكويت، التي من المفترض أن لديها نسبة عالية من ريع النفط لكل فرد. وعلى الرغم من أن كل دول الخليج آثرت امتصاص الصدمة على الاقتصاد المحلي عبر توسعة عجوزات الميزانية والسحب من احتياطها والاقتراض، فليس بإمكانها ترحيل هذه المشكلة إلى الأبد، ويبدو أن مرحلة الحساب قد أصبحت أقرب مما كانوا يتصورون. وقد تكون البحرين أوضح مثال على ذلك، حيث تخطى الدين العام 100% من الناتج المحلي الإجمالي.


التأثير على العالم بشكل عام:


وفقاً للعديد من الاقتصاديين، فإن خطر انهيار سوق الأوراق المالية في عام 2020م، كبير بالفعل، نظراً للوضع والتوقعات الحالية. سيكون انهيار سوق الأسهم وشيكاً. ووفقاً لبعض المحللين، فإن انهيار السوق أكثر خطورة مما كان عليه في الأزمة الاقتصادية 2008م.


في الواقع، بدأ الاقتصاد العالمي بالفعل في إظهار علامات الضعف في عام 2019م، خاصة في أوروبا. وقد أدى فيروس كورونا، الذي انتشر بسرعة في آسيا، ثم في أوروبا والولايات المتحدة، إلى تفاقم الوضع، لا سيما من خلال الكشف عن نقاط الضعف في مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي. كما ستُلقي الأزمة بظلالها السلبية على البنوك، التي قدمت قروضها للشركات العاملة في مجالات النفط، استكشافاً وإنتاجاً ونقلاً، وتجارة، وهو ما يعني الدخول في دوامة جديدة من الأزمة المالية، قد تؤدي لإفلاس العديد من البنوك الكبيرة، وارتفاع نسبة البطالة بشكل لم يسبق له مثيل. لذلك يبدو أن الانهيار الجديد سيكون أكثر ترجيحاً، ويحتمل أن يكون بنفس خطورة الكساد الاقتصادي الذي صاحب الأزمة الاقتصادية 2008م.


التأثير على قناة السويس:


إن قناة السويس هي المتأثر الأكبر من انهيار أسعار البترول، لأنه لم يعد هناك ميزة تنافسية لقناة السويس في ظل تعريفتها، مقابل سعر البترول المنخفض، بالإضافة إلى عامل الوقت الذي لم يعد مجديا لدى معظم الأسواق حيث هناك تراجع غير مسبوق من كافة الدول على كافة السلع. وإن كان على القائمين على قناة السويس التمهل قبل اتخاذ خطوات لتخفيض تعريفتها، خاصة أنه لا يزال لديها تعاقدات حاليا تقوم بتنفيذها الخطوط الملاحية على الأسعار السابقة للبترول، خاصة وأنها قامت بتخفيض أسعار تعريفتها مطلع نيسان/أبريل الحالي.


التأثير على دعم الثورات المضادة في العالم العربي:


من المؤكد أن تبعات التقشف وشد الأحزمة والبطالة والفقر، الناجمة عن انهيار أسعار النفط لن تؤثر فقط على دول الخليج، بل أيضا على الدول العربية الأخرى التي استفادت حتى الآن من عوائد النفط على شكل قروض وإعانات وسياحة كمصر، وعلى الدعم المالي الكبير الذي كان يتلقاه حفتر في ليبيا، وأيضا على حرب اليمن التي تستنفد الخزانة السعودية وكذلك الإماراتية، ولعل ما تم من خلال قرار وقف السعودية والإمارات إطلاق النار في اليمن منذ أيام قليلة خير دليل على ذلك.


ليس من الواضح إلى متى يمكن للسعودية ودول الخليج الأخرى الصمود في وجه العاصفة الجديدة، لا سيما وأن اقتصادياتها تعاني من أحادية أو قلة مصادر الدخل. وفي كل الأحوال فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن سنوات عجافاً بانتظار غالبية الدول العربية وفي مقدمتها السعودية والدول النفطية الأخرى. لكن من الواضح أن العالم على مشارف تغيير كبير، يتخلى فيه عن نظام رأسمالي مهترئ بان للناس عواره وانكشفت سوءته، ولا نظام أصلح للبشرية من نظام الإسلام المتمثل في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي ستكون رحمة للعالمين وإنقاذا للبشرية مما تتردى فيه من أوحال الرأسمالية.


﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
حامد عبد العزيز

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر