انسحاب الجيش الفرنسي من مالي ومظاهرات تشاد ضد النفوذ الفرنسي  إحلالٌ وإبدال للاستعمار أم خلعٌ لنفوذه؟
July 04, 2022

انسحاب الجيش الفرنسي من مالي ومظاهرات تشاد ضد النفوذ الفرنسي إحلالٌ وإبدال للاستعمار أم خلعٌ لنفوذه؟

انسحاب الجيش الفرنسي من مالي ومظاهرات تشاد ضد النفوذ الفرنسي

إحلالٌ وإبدال للاستعمار أم خلعٌ لنفوذه؟

بعد بروز أمريكا، في حلبة الصراع الدولي، بدأت تسحب البساط من تحت نفوذ الاستعمار القديم، بريطانيا وفرنسا، بعد أن نجحت في تحويل مؤتمر باندونغ في إندونيسيا عام 1955 لصالحها، ورفعت شعار حق تقرير المصير للشعوب التي ترزح تحت الاستعمار المادي المباشر، من بريطانيا وفرنسا. وقد نجحت أمريكا بصناعة حركات تحررية ودعمتها إلا أن فرنسا تحايلت على فكرة أمريكا، وأعطت استقلالا منقوصا، وظل جيشها يرابط في ثكنات الدول الأفريقية.

نقلت يورو نيوز أن باريس قررت في شباط/فبراير 2022 الانسحاب من مالي في أجواء من تدهور الأمن، على خلفية التوتر بين فرنسا والمجلس العسكري الحاكم في مالي الذي يتهمه الغربيون باستخدام مجموعة فاغنر، وكانت هيئة الأركان حذرت من هجمات دعائية، لمناسبة تسليم قاعدة غوسي، وقال الناطق الرسمي باسمها، اللواء باسكال إياني "إنه تم إعداد تقرير عن وضع المكان وتوثيقه، لحماية فرنسا من اتهامات محتملة"، وهو يشير بذلك إلى المشاعر المعادية للفرنسيين التي انتشرت في المنطقة وجعلت فرنسا موضوع حملات تشويه، على شبكات التواصل الإلكتروني. وقال اللواء إياني قبل شهر، "اتهمت القوات الفرنسية بالمشاركة في التهريب وتسليح الإرهاربيين وحتى ارتكاب انتهاكات".

وفي تشاد نقلت شبكة الميادين في 14 أيار/مايو 2022 أن مئات الأشخاص يتظاهرون في عاصمة تشاد، احتجاجا على وجود فرنسا في البلاد، ويتهمون باريس بدعم المجلس العسكري، وردد المتظاهرون هتافات ضد فرنسا "ارحلي"، "لا للاستعمار" وأحرقوا علمين على الأقل للسلطة الاستعمارية وخربوا عددا من محطات الوقود التابعة لمجموعة توتال رمز فرنسا.

لقد لعبت فرنسا دوراً بارزاً في صناعة الفقر في أفريقيا، وخاصة دول غرب أفريقيا، مثل أفريقيا الوسطى، والكاميرون والغابون وتشاد والنيجر وغيرها، فهي من أفقر دول أفريقيا بل يُعد أهل هذه الدول من أفقر الشعوب رغم ما تتمتع به هذه الدول من ثروات هائلة، فلم تتحقق لهم أبسط مقومات الحياة!

إن تأثير نظرة ديغول، عندما وصل إلى الحكم في فرنسا، وواجه صعود أمريكا، فأول ما فكر فيه، كيف يحافظ على مستعمرات فرنسا من أجل الطاقة؟ فمدت شركات فرنسا يدها إلى خيرات القارة السمراء؛ من يورانيوم النيجر وذهب الغابون ونفطها والفحم الحجري والألمونيوم والماس والبن والكاكاو وغيرها من ثروات القارة، بالإضافة إلى دعم النفوذ الفرنسي في المحافل الدولية، لذلك كانت عقلية ديغول ونفسيته، استعمارية بامتياز، وأن فرنسا لا يمكن لها أن تتنفس إلا برئتي أفريقيا، فاعتمد صيغة جديدة بعد مؤتمر باندونغ 1955، فمنح 14 دولة أفريقية استقلالها في عام 1960، إلا أن الجيش الفرنسي ظل موجودا، في شكل قواعد عسكرية، كما هو الحال في أفريقيا الوسطى ومالي وتشاد والغابون، إضافة إلى التدخلات العسكرية في تثبيت الحكام الموالين لفرنسا وفق خطة ديغول لسيطرته على مستعمرات فرنسا، وتدبير الانقلابات العسكرية، وتمويل الحركات المسلحة والاغتيالات السياسية. لقد منح ديغول الاستقلال لعدد من دول أفريقيا، مقابل اتفاق أمني مع فرنسا، اتضح فيما بعد، أنه يشمل بنودا غير معلنة، في مقدمتها وضع نسبة 85% من مدخلات هذه الدول تحت رقابة البنك المركزي الفرنسي، بوصفه نوعا من المقابل للبنية التحتية التي ادعى الاستعمار تشييدها، وقد جلبت فرنسا وفق هذا الاتفاق 500 مليار دولار عاماً بعد آخر، وأعطى الاتفاق فرنسا الحقوق الحصرية على أي مواد خام تكتشف في أراضي مستعمراتها السابقة، كما منح الشركات أولوية في أنشطة اقتصادية في هذه البلاد واحتكرت وحدها عقود التدريب العسكري، وحقوق الأنشطة الأمنية. (الجزيرة نت).

إن فرنسا منذ دخولها أفريقيا، وبقائها في غربها، وفق منهجها الفاسد، التي تعتز به من مفاهيم ومرتكزات المبدأ العلماني القائم على أساس النظام الرأسمالي، فصل الدين عن الحياة، تلك العقيدة التي أنتجت مفهوم المنفعة، أولا وأخيرا، فظلت فرنسا تمارس عملية النهب الممنهج منذ تأسيس الجمهورية الفرنسية، مرورا بكل رؤسائها، مخلفة أسوأ عملية نهب لخيرات أفريقيا، وبناء مجد خاوٍ من كل القيم أشبه باللص الذي لا يرى في سرقته حرجا!

إن فرنسا أبقت شعوب هذه المناطق متخلفة لا قيمة لها، وهي تنظر إليها نظرة الوصي، بل إن المفكرين الغربيين ورؤساء هذه الدول الغربية ما قادهم إلى هذه الجريمة في حق الشعوب، إلا نظرتهم غير الإنسانية، فمثلا الفيلسوف الألماني هيجل والتي سميت رؤيته الهيغيلية نسبة له قال: "إن العبودية هي خاصية أفريقية ومصير محتوم للأفارقة، وإن العبيد الأفارقة الذين اقتيدوا قسرا إلى الغرب لم يكونوا ليصبحوا أفضل حالا لو ظلوا في بلادهم". وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اجتماع يتعلق بالهجرة إلى أمريكا واصفا أفريقيا بأنها "بؤرة قذرة"، وتحدث في مناسبة أخرى عن أفريقيا قائلا: "إن الأفارقة بحاجة إلى الاستعمار مائة عام أخرى، وإنهم لا يعرفون شيئا عن الحكم والقيادة بسبب كسلهم وغبائهم وهوسهم بالطعام والجنس والعنف".

ليس هناك وصف دقيق توصف به فرنسا والدول الغربية إلا أنها دول ناهبة طفيلية ماصة لدماء الشعوب، لا تعرف الإنسانية التي تتشدق بها، وأنها ارتكبت أكبر جريمة في حق الشعوب وأنها تمارس أدواراً قذرة.

إن شركات النفط الفرنسية، لها تاريخ طويل، في دعم الحكام المستبدين، فشركة إلف الفرنسية لها فضحية مدوية في تسعينات القرن الماضي حين صرفت ما يقارب 300 مليون يورو في عملية تزوير واسعة استحوذ فيها رجال أعمال، وساسة فرنسيون وزعماء أفارقة على رشاوى، الأمر الذي أدى إلى تصفيتها فتحولت إلى شركة توتال.

إن تظاهرات تشاد تطالب برحيل القوات الفرنسية من البلاد، وقد وصف أحد الناس في استطلاع للبي بي سي، بأن فرنسا وراء الفقر وتأجيج الحروب الأهلية وحرمانهم من ثرواتهم الطبيعية، وأبلغ دليل على ذلك أن تشاد تتمتع بالبترول والأراضي الزراعية الشاسعة والثروة الحيوانية إلا أن بها نسبة عالية من الأمية وتخلفاً في مجال الطب حيث تردى العلاج في المستشفيات بحيث يلجأ معظم أهل تشاد إلى إقليم دارفور في السودان رغم أن الأخير نفسه يعاني الأمرين!

أما أفريقيا الوسطى، فدخول الشركات الأمنية التي تنشر الآلاف من الجنود المرتزقة الذين تكمن مهمتهم في حماية مصالح الشركات الدولية، والأنظمة الداعمة لها، وهي الآن تتوسع توسعا أخطبوطيا مثل شركة فاغنر وغيرها من الشركات الأمنية الأخرى، إنها جريمة جديدة، وأسلوب استعماري جديد، فالاستعمار يغير جلده.

من الواضح أن سياسة الإحلال والإبدال هي القائمة الآن، وليس هناك أمر خلع للاستعمار من جذوره، والدليل على ذلك أن الذين يتصدرون المشهد الإعلامي، من كتاب ومدونين، وقنوات فضائية، مثل الجزيرة الوثائقية، التي بثت فيلماً وثائقياً من عدة حلقات، تحت اسم "أفريقيا القارة المستباحة"، لم يقدموا حلا جذريا للخروج من مأزق الاستعمار، ولا يتوقع منهم ذلك بتاتا رغم الجرأة في فضح أعمال الاستعمار التي تطاولت، على مر العقود، لذلك يظل الاستعمار باقياً، بل يغير جلده كلما فضح أو أحس بأن هنالك تململا من الشعوب، فتأتي عملية امتصاص الحماس، وسياسة التنفيس لمشاعر الناس والقضاء عليها، قبل أن تتبلور إلى فكرة مبدئية تقتلع الاستعمار من جذوره.

إن فرنسا العلمانية، ودول أوروبا، وبريطانيا وأمريكا، وروسيا، لا ينفع معهم كشف مخططاتهم الاستعمارية فحسب بل لا بد من تبيان الفكر الرأسمالي، الذي هو أساس الفساد والظلم، ثم إن المبدأ الرأسمالي، يحمل في أحشائه مفهوم النفعية وأسلوب الترقيع فهو أخطبوطي فاسد.

إن قضية أفريقيا ليست ممثلة في التحول الديمقراطي، كما يرى البعض من الكتاب الذين تفننوا في وصف الواقع، وكشف جرائم فرنسا، ولا تحريك المظاهرات ضد فرنسا لصالح أمريكا كما تفعل الآن في صياغة مطبخها القطري مع المعارضة التشادية، وهذا مؤشر للمظاهرات التي اندلعت مؤخرا في العاصمة التشادية أنجامينا حيث تزامنت مع مفاوضات الدوحة مع المعارضة التشادية.

فالقضية أكبر وأخطر وأعظم، وهي أن هذه الشعوب قد حرمت تماما من حقها في الحياة، جيلاً بعد جيل، فظلت حياتهم أشبه بالحياة البهيمية، بدلا من العيش والتفكير بأنهم بشر خلقهم الله تعالى، وأنهم يستحقون الحياة الكريمة وأن يعرفوا الله حق المعرفة ليعبدوه حق العبادة، فالغرب غيبهم عن وظيفتهم الأساسية، حتى يعرفوا شأنهم ويدركوا من الذي أوصلهم إلى هذا الدرك الأسفل من الحياة البهيمية.

إن رفع وعي هذه الشعوب في معرفة حقوقهم والمحافظة على ثرواتهم، وأنهم سُلبوا إرادتهم، حتى في التفكير، هو واجب المسلمين لبث الوعي بينها، وذلك بفضح الأنظمة القائمة، التي تتآمر وتخون شعوبها، من أجل كرسي معوجة قوائمه، وحفنة من دولارات، وأن الغرب لا يرغب في وجودهم يوما واحداً، بل من أجل ثرواتهم العظيمة فاقتادتهم أمريكا، في صفقة العبيد، وجاءت فرنسا ناهبة للثروات، ولسان حال دول الغرب يقول بأن هذه الشعوب لا تستحق هذه الثروة، فما أعظم هذا الجرم الشنيع الذي تمارسه فرنسا، منذ بروزها كدولة مستعمرة بامتياز!

إن واجب المسلمين وهم يحملون مبدأ واضح المعالم؛ في كل شي بدءا برفض الظلم ليعطى كل ذي حق حقه. فما أعظم الإسلام العظيم وما أعظم حاجة العالم اليوم إليه! ولا مخرج للبشرية من كابوس ظلم المبدأ الرأسمالي العلماني الفاسد وهؤلاء الظلمة الذين صنفوا العالم إلى أول وثان وثالث، والبشرية إلى بشر وعبيد، وبشر وحثالة بشر، فكيف بهؤلاء يتحكمون في العالم؟! إنه الشر بعينه، والفساد وأسه، فلا بد من إزاحتهم اليوم قبل غد وذلك بقيادة العالم وفق الإسلام العظيم تقوده دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وإنها لكائنة بإذن الله تعالى لتبرهن للعالم العدالة، ويعرف الناس مدى الظلم والفساد الذي وقع عليهم من دول الكفر والظلم والفساد، فلا بد من إزاحة هذا الكابوس إلى الأبد بإذن الله تعالى، وذلك بإعلان دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر