انتصار المشروع الإسلامي العالمي
January 29, 2024

انتصار المشروع الإسلامي العالمي

انتصار المشروع الإسلامي العالمي

(مترجمة)

في يوم الجمعة 19 كانون الثاني/يناير 2024، وقع وزير الأمن توم توغندهات أمراً بحظر حزب التحرير في بريطانيا باعتباره منظمة إرهابية. وكان ذلك بعد أن وافق البرلمان البريطاني على مشروع قانون تم تقديمه يوم الاثنين، 15 كانون الثاني/يناير 2024. وهو ما يجعل الانتماء إلى حزب التحرير أو الدعوة إلى دعم الجماعة جريمة جنائية، مع إمكانية الحكم عليه بالسجن لمدة 14 عاماً، والتي يمكن أن تصدر جنباً إلى جنب، أو ببديل وهو الغرامة.

إن السّبب الرئيسي الذي ذُكر لحظر حزب التحرير في بريطانيا هو أن الجماعة معادية للسامية، أي معادية لليهود خاصة، بسبب إدانتها احتلالهم المستمر للأرض المباركة فلسطين ومذابحهم بحق أهل فلسطين في غزة!

الواقع أن بريطانيا صنعت التاريخ مرةً أخرى بفضح ازدواجية الأنظمة الاستعمارية الغربية التي تزعم أنها منارات للسلام، وحامية لحقوق الإنسان وحرية التعبير والتجمع. واحسرتاه! إنهم ليسوا سوى مجموعة من السياسيين المستعمرين ذوي الوجهين الذين يزدهرون في الاحتلال ونهب الأراضي والموارد الأجنبية ويسفكون الدماء ويذبحون الشعوب. إن ما تسمى الدول البوليسية العالمية، وهي أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين، تنهار في حدود ولايتها القضائية، حيث فشلت فشلاً ذريعاً في مواجهة المشروع الإسلامي العالمي الذي يتردد صداه في جميع أنحاء العالم.

وآخر عزمهم هو إطلاق آلة دعائية غير مسبوقة تهدف إلى تشويه الإسلام والتشهير به باعتباره وجهة النظر المبدئية الوحيدة عن الكون والإنسان والحياة المتبقية والمجرّبة والناجحة. إن المبدأ الرأسمالي العلماني السائد على وشك الانهيار بضربة لم نشهدها من قبل مقارنة بانهيار المبدأ الشيوعي في عهد السوفييت. لقد مرّت دورة الديمقراطية الآن بـ360 درجة وليس هناك ما يمكن التشبث به فيها! والمبدأ البديل الوحيد الموجود هو الإسلام، غير أنه لا يطبّق بشكل كامل إلاّ في ظلّ دولة الخلافة على منهاج النبوة.

ونتيجةً لذلك، فإن أنصار الخلافة القادمة في الغرب يواجهون تهديدات بما في ذلك وصمهم بمعاداة السامية وبأنهم متطرفون وإرهابيون. وفوق ذلك، فإنهم يواجهون معاملةً وحشية من الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط وروسيا وأوزبيكستان والصين وغيرها... والشيء الأكثر إلحاحاً الذي يجب أن نلاحظه هو أن هذه الأنظمة الديمقراطية العلمانية فشلت في كسب النقاش حول ما هو البديل للنظام الغربي البائس الحالي؛ النظام الرأسمالي العلماني. ولذلك، ليس لدى الأنظمة الديمقراطية ما تقدمه بديلاً سوى إسكات الدعاة إلى استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة على منهاج النبوة.

لقد كسر البعير ظهره، وهذه التطورات الأخيرة التي بدأها النظام البريطاني لم تحدث من فراغ، بل هي جزء من حملة عالمية أوسع لإيجاد عقبات أمام عودة الخلافة. إنهم يكرّرون تماما ما فعلته قريش ولكن يبدو أن لا شيء يعمل لصالحهم. فلا تزال سياساتهم الداخلية تعيث فساداً في صفوف رعاياهم الذين يحتجون يومياً ويسعون إلى فك الحبال السياسية والاجتماعية والاقتصادية المشدودة حول رقابهم! ومن ناحية أخرى، فإن سياساتهم الخارجية مثل دويلات سايكس بيكو تنهار، والحكام العملاء للاستعمار يختنقون بقلقهم!

والحقيقة أن انتصار المشروع الإسلامي العالمي على وشك أن يتحقق بالكامل في أي لحظة من الآن إن شاء الله. إن الأمر الأكثر أهمية في هذه اللحظة الحرجة هو عدم فقدان الزخم والخروج عن مسارنا بسبب ركلات حمار النظام الرأسمالي العلماني المحتضر. وبدلاً من ذلك، يتعين علينا أن نركز ونغتنم هذه الفرصة وأن نكثف نار التغيير بقوة وبسالة. يجب أن نتذكر أننا عبيد لله سبحانه وتعالى، ويجب علينا دائماً أن نفضل الآخرة على هذه الدنيا الزائلة.

ويجب أن يكون واضحاً لنا في جميع الأوقات أن العدو يعرف قوة خلافتنا القادمة، لذلك فهو يواصل التآمر عليها والمكر بها. واحسرتاه! السفينة على وشك الرسو في أي لحظة من الآن. والسؤال الأساسي: ما هو الثمن الذي نحن على استعداد لدفعه لضمان رسو السفينة؟ إن فقدان وظائفنا، وجنسيتنا، وتصنيفنا كمتطرفين وإرهابيين، والحكم علينا بالسجن، ومصادرة الممتلكات، والوصم والقتل التعسفي، من بين أمور أخرى، هي بعض الأثمان الزهيدة التي قد يتعين علينا دفعها. قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾.

وقد تحدث النبي ﷺ عن هذا العصر في حديثه المشهور، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» رواه الترمذي، وعن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»‏.‏ قَالَ: قِيلَ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: «النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ» سنن ابن ماجه. وفي هذا العصر، هم الذين يسعون جاهدين لاستئناف طريقة الحياة الإسلامية ويرفضون النظام الرأسمالي العلماني وما ينبثق عنه مثل النظام الديمقراطي والقانون الدولي والنظام الاجتماعي النسوي الليبرالي وما إلى ذلك.

لقد أطلقت بريطانيا صافرة الإنذار، والآن هو الوقت المناسب لغربلة السياسيين الإسلاميين الحقيقيين وعلماء السياسة. بمعنى آخر، لا توجد اختصارات أو وجهان؛ فإما أن تكون سياسياً إسلامياً يستفيد من الأحداث الأخيرة لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى وكسب الرأي العام إلى جانبك. باعتبارنا سياسيين إسلاميين، علينا أن نفكر ونتصرف بسرعة كبيرة وبحسابات وحسم. ما هو على المحك هو كسب الرأي العام، لا شيء آخر. إن الأمر الذي أصبح على المحك الآن هو قوة الرأي العام التي تحتاج إلى تحفيزها وتوجيهها نحو القضية الحقيقية المتمثلة في ربط الواقع السياسي المختل في الغرب والذي كشفت عنه السياسات الداخلية والخارجية المدمّرة التي تعصف بالعالم.

يجب علينا أن نتذكر دائماً أن التفكير السياسي هو أعلى مستويات التفكير، وبالتالي فإن ثمنه باهظ ولكنه يستحق أن ندفعه خاصةً عندما يكون من أجل ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى وليس أي شيء آخر. إن الأمة تحتاج إلى أبطال يعطون القيادة السياسية، والقيادة تكون للشجعان. إن مجرد عمل صغير من الشجاعة التي لا يمكن تصورها من شأنه أن يؤدي إلى تأثير الدومينو الذي سيجعل الثورات العربية عام 2011 مجرد مزحة.

ويجب تكثيف الدعوة للجنود المخلصين في جيوش المسلمين للانطلاق من معسكراتهم في بنغلادش وباكستان والسعودية واليمن ومصر والأردن وتونس وتركيا وغيرها. يجب على كل أخت أو أخ أو أم أو أب أو عمة أو عم مسلم له ابن في جيوش المسلمين أن يطلب منهم دون تردد أن يتصلوا بأقاربهم لإعطاء النصرة لإعادة الخلافة على منهاج النبوة. وإن حزب التحرير جاهز لهذه المهمة، وقد نشر مسودة دستور مفصّلة استعداداً للتطبيق الشامل للعقيدة الإسلامية في ظلّ إقامة الخلافة على منهاج النبوة.

وفي الختام، فإن تصنيف حزب التحرير في بريطانيا باعتباره منظمة إرهابية يجب أن يؤخذ على أنه نعمة مخفية وفرصة سانحة يجب استغلالها للدعوة إلى إعادة الخلافة في بلاد المسلمين؛ من خلال فضح فشل الغرب في الصمود في وجه ضغوط حزب التحرير باعتباره حزباً مبدئيا إسلامياً لا يستخدم العنف بل الصراع الفكري باعتباره سلاحه الأكثر فتكاً. وتشويه سمعة الغرب الذي يتطلع إليه عملاؤه حكام المسلمين في العالم الإسلامي. ومن هنا تكثيف الدعوة للجماهير لتوجيه احتجاجاتها إلى قصور حكام المسلمين العملاء وإسقاطهم. والتوجه إلى مقرّات الثكنات العسكرية والطلب من قادة الجيوش التحرّك بسرعة والتخلص من عملاء الاستعمار الذين يعيقون إحياء مبدأ الإسلام باعتباره البديل. الآن هي اللحظة المناسبة، الوقت كالسيف، والفرص لا تأتي مرتين!

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

علي ناصرو (أبو تقي الدين)

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر