أردوغان يصرح ويعترف أنه يفهم الإسلام على طريقة الغرب، وليس على طريقة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
September 23, 2018

أردوغان يصرح ويعترف أنه يفهم الإسلام على طريقة الغرب، وليس على طريقة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

الكلمة الافتتاحية لمجلة الوعي– العدد 384

أردوغان يصرح ويعترف أنه يفهم الإسلام على طريقة الغرب،

وليس على طريقة سيدنا محمد e

إن ما اصطنعه ترامب من أزمة مالية مع تركيا بإثارة موضوع القس الأميركي برونسون المحتجز لديها منذ 2016م من باب الضغط للإفراج عنه، وما تبع ذلك من فرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين بذريعة استمرار رفض أنقرة الإفراج عن القس، ورد أنقرة بالمثل. ثم ما تبعه من إصدار ترامب أمرًا بمضاعفة الرسوم على واردات الصُّلب والألمنيوم من تركيا، ورد أردوغان بالتعامل بالمثل، وما صاحب ذلك من تصريحات متضادة... هذا كله قد أدى إلى هبوط الليرة التركية وفقدانها ما يعادل 20 بالمئة من قيمتها أمام الدولار، خلال الأسبوع الثاني وحده من آب/أغسطس، ونحو 40 بالمائة من قيمتها منذ بداية العام.

إن ما يلفت النظر في هذه الأزمة المصطنعة، أن العملاء لا قيمة لهم أمام مصالح الأسياد. فأردوغان بالرغم من كل ما قدمه ويقدمه لأميركا من خدمات وخاصة في سوريا؛ حيث كانت له اليد الطولى في ضرب ثورة المسلمين على نظام أسد الاستبدادي بما فعله في حلب عندما سحب  المقاتلين التابعين له منها وأشغلهم في معاركه مع الأكراد؛ وذلك في الوقت نفسه الذي هاجمها النظام المجرم ومعه الروس وإيران وميليشياتها وكل أهل الشر... وبالرغم من أنه ينسق مع روسيا وإيران اللتين ترتكبان أبشع الجرائم بحق أهل سوريا المسلمين؛ لإيصال الوضع هناك إلى إعلان انتصار أسد ونظامه الأمني الأكثر إجرامًا في العالم عبر أستانة وصولًا إلى جنيف حيث تنتظرهم أميركا لتفرض الحل الذي تريده... بالرغم من ذلك فهي اتخذت إجراء عقابيًا بحقه؛ مسببة له الإحراج الدولي وكاشفة عن ضعف اقتصاده، وكاشفة أن مثل هذه الدول هي دول كرتونية أمام الغرب، ومن أسهل ما يكون عندها تهديد كيانها، وزعزعته حتى وتغييره. وهذا ما جعل أردوغان يستغرب هو ووزير خارجيته أن تتعامل معهم أميركا بهذه الخفة.

وإن ما يلفت النظر كذلك في هذه الأزمة المصطنعة أن معاناة الشعوب لا تعني الدول الكبرى، ولا الدول العميلة لها بشيء فضلًا عن أنهم هم من يختلقونها؛ فبالإضافة إلى ما سبَّبه تدخل أردوغان في الشأن السوري لمصلحة أميركا من انهزام للمسلمين هناك، ومن مآسٍ لا تحصى لهم، فها هو يتسبب بمثلها لشعبه بما يجره مثل هذا الصراع المصطنع من تدني معيشته، وتهديد لاقتصاد بلده. أما أميركا؛ فحدِّث ولا حرج، فمعروف عنها في علاقاتها الدولية استخفافها بجميع الدول الأخرى، بمن فيهم عملاؤها، وهي لا تسأل عن قانون دولي ولا عن أمم متحدة إذا تعارضت مع مصالحها. فاهتماماتها بالشعوب وبمصالح الدول ليس في حسابها في شيء، بل هي التي تسببها إذا اقتضت ذلك مصالحها.

أما ما يجب لفت النظر إليه وبقوة إلى أن أردوغان هذا له فهم للدين أعوج غير مستقيم. فهو كحاكم لبلاده لا تجد عنده أدنى تقيد بأحكام الإسلام، وهو لا يخفي ذلك، بل هو يصرح به منسجمًا مع قناعاته، فهو يقول عن نفسه كفرد إنه مسلم، وعن حكمه إنه علماني، أي لا ديني. ففي مقابلة مع الإعلامي تركي الدخيل في 2017/02/18م قال: «... أولًا الأفراد لا يمكن أن يكونوا علمانيين، الدولة تكون علمانية، هذه نقطة مهمة... والعلمانية تعني التسامح مع كافة المعتقدات من قبل الدولة، والدولة تقف من نفس المسافة تجاه كافة الأديان والمعتقدات... هل هذا مخالف للإسلام؟ ليس مخالفًا للإسلام... وأنا أقول نحن لا نعتبر العلمانية معاداة للدين أو عدم وجود الدين، وقلت الفرد لا يمكن أن يكون علمانيًا، والعلمانية ليست ديانة، الدولة هي التي يمكن أن تكون علمانية، والعلمانية هي ضمان فقط حريات كافة الأديان والمعتقدات، يعني العلمانية توفر الأرضية الملائمة لممارسة كافة الأديان ممارسة شعائرها الدينية بكل حرية حتى الملحدين». إن أردوغان، بهذا التصريح، يعلن عن أن الإسلام دين فردي يقوم على العبادات الفردية، مثله مثل سائر الأديان، وليس فيه أنظمة حكم، ولا شريعة حياة. وهذا مخالف للإسلام مخالفة جوهرية تجعل صاحبها على خطر عظيم عند ربه. وهذا الفهم غير المستقيم للإسلام، ينسجم كثيرًا مع تصرفاته كفرد وكحاكم، ونرى بأن هذا الشخص يقرأ القرآن ويجوده بصوت رخيم، ويصلي ويصوم ويظهر مشاعر إسلامية تجاه المسلمين في بلده والمسلمين في سائر بلاد المسلمين، ولكن من الناحية الفردية دون أن تتعدى عنده إلى أمور الحكم، فهو هكذا تعامل مع مسلمي الروهينغا حيث اقتصر تعامله مع قضيتهم على مشاعر التعاطف بالقول وتقديم مساعدات مالية ولم يتعداها إلى العلاقات الدولية... فإن علاقاته بالدول قد تتأثر نتيجة هذه المواقف، ولكن لا أحد من هذه الدول تتهمه بتصدير الإسلام إليها، حتى أميركا والغرب واليهود، الذين هم من أشد الناس عداوة للإسلام والمسلمين، لا يتعاملون معه من زاوية أنه صاحب مشروع إسلامي، بل على العكس، هم يتعاونون معه وهو يتعاون معهم في حربهم على الإسلام (في أفغانستان وفي العراق، وفي سوريا)... وفي سوريا تحديدًا بدا الأمر واضحًا جدًا من خلال إعلان أردوغان نصرة المسلمين في سوريا واحتضانهم كمهاجرين أفراد يقدم لهم المعونة والإيواء والتسهيلات التي يحتاجونها في ظروفهم الصعبة، ولكنه بقي يتصرف كرئيس دولة علمانية لا تستمد أحكامها من الشريعة الإسلامية كما هو مؤمن به، وكما أعلن، بل عمل على استغلال الحالة العسكرية في سوريا لمصلحة دولته تركيا كدولة علمانية.

هذا الأمر يعلنه أردوغان ولا يخفيه، ولا يخرج عنه، لا في تصريحاته ولا في تصرفاته. هو يفهم الإسلام بهذه الطريقة، ولا يستحيي منه ولا يعتبره خطأ؛ فقد كتب مقالًا لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، تحت عنوان: «كيف ترى تركيا الأزمة مع الولايات المتحدة؟» تناول فيه تاريخ الشراكة بين تركيا والولايات المتحدة، وسبب الأزمة التركية الأميركية، والطريقة التي يجب معالجة الأزمة بها كي لا تتفاقم، ومما كتبه: «على مدى العقود الستة الماضية، كانت تركيا والولايات المتحدة شريكتين استراتيجيتين وحلفاء لـ «الناتو». لقد وقف البلدان جنبًا إلى جنب ضد التحديات المشتركة خلال الحرب الباردة وعقبها». وأضاف: «على مر السنين، هرعت تركيا إلى مساعدة أميركا عند الضرورة. جنودنا وسيداتنا قاتلا معًا في كوريا... وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية، حينما اعتمدت واشنطن على أصدقائها وحلفائها لرد الضربة ضد الشر، أرسلنا قواتنا إلى أفغانستان للمساعدة في إنجاز مهمة الناتو هناك». هذا الكلام من أردوغان صريح تمام المصارحة أنه لا يخرج عن قناعته في فهم الدين، فهو بتصرفه كرئيس دولة علماني لا يتقيد بالإسلام، بل يتقيد بدستور علماني أقسم على تطبيقه، وليست عنده مشكلة في هذا. فها هو يعلن  فيما يعتبر موقفًا رسميًا له، أن تركيا وقفت مع أميركا في أزماتها مع الاتحاد السوفياتي، ومعها في الناتو، ومعها في أفغانستان، وكل واحدة من هذه حرمتها كبيرة في الإسلام، وبما أن هذه المواقف لا تعلُّق للإسلام بها في نظر أردوغان؛ فهو لا يرى بأسًا في أن يكون جنبًا إلى جنب مع أميركا في حربها الباردة مع الاتحاد السوفياتي، وهذا يحرمه الإسلام. وهو مع أميركا في حربها ضد كوريا وهذا يحرمه الإسلام. وهو شارك مع أميركا في احتلالها لأفغانستان، وشارك في حربها ضد الإسلام تحت نفس مسماها «الحرب على الإرهاب». وهو مع أميركا في سوريا، وهذا حرمته أكبر في الإسلام... الأهم في كل هذا أن أردوغان يرى أن مواقفه هذه غير متعلقة بالدين؛ لأن هوية الدولة التركية هي «العلمانية» وليس الإسلام. أما هويته الفردية فهو مسلم كشخص فحسب.

من هنا، فإن على كل مسلم أن يعلم أن هذا هو أردوغان. وهو رئيس دولة علمانية ويتبع له حزب علماني، ويحكم بدستور علماني، ويتعامل بالربا في الداخل والخارج، وعلاقات بلاده الخارجية كلها قائمة على غير الإسلام، وكذلك تعاملاتها في الداخل هي علمانية؛ وهذا نراه عيانًا في الواقع.

نعم، هذه هي قناعات أردوغان، حتى وهو يريد أن يبعث العثمانية من جديد، فمن هذا المنطلق، وليس من منطلق خلافة إسلامية كما كانت في غابر التاريخ، ولا من منطلق أنه يريد إقامة خلافة راشدة كما أمر الإسلام، يعز الله بها الإسلام وأهله، ويذل الكفر وأهله... هذه المفاهيم الشرعية كلها غائبة عن قاموس الحكم لديه.

ومن هذا المنطلق هو يتعامل بالربا في علاقاته الدولية ولا يرى ضيرًا في ذلك. ويحافظ على علاقات سياسية وديبلوماسية واستخباراتية وتجارية مع يهود ولا يرى مخالفة شرعية في ذلك؛ لأن الدولة تكون علمانية وليست إسلامية. ويدخل في حلف الناتو مع أميركا ودول الغرب النصراني الكافر المعادي للإسلام، ويشارك في أعماله الحربية ويسير معه في تحقيق أهدافه، والتي منها منع الإسلام من الوصول إلى الحكم، والتي منها مشاركته في احتلال أفغانستان، والتي تولت تركيا قيادته هناك أكثر من مرة... وهو يعلن ذلك ولا يخفيه ولا يعتبر نفسه أنه يخالف الشرع ويرتكب الإثم.

ومن هذا المنطلق، هو يقيم في بلده نظامًا اقتصاديًا ليس له أدنى تعلق بالإسلام، ويقوم على ما تقوم به أنظمة الكفر الرأسمالية، والذي يوضح الصورة أكثر وأكثر فإن أهل تركيا ذوي الغالبية الإسلامية يمارسون حياتهم كل بحسب معتقده ومفاهيمه عن الحياة بمن فيهم المسلمون، ولكن على أساس فصل الدين عن الدولة، فلو أن مسلمًا شرب الخمر، أو زنا، أو سرق أو قتل أو ارتد... فإنه لا تطبق عليه العقوبات والحدود الشرعية... حتى إننا نجد في بعض المعالم التركية السياحية، ما يعرف بالسياحة الجنسية... وهو لا يجد أن هذا يوجب الشرع عليه كحاكم أن يمنعه... فبالنسبة إلى الحكم، فإن كل شيء يسير في تركيا كما كان يسير من قبل أن يأتي أردوغان إلى الحكم، وعلى طريقة (أتاتورك) في الحكم... الذي اختلف هو أمر واحد، وهو أن أتاتورك كان يتبنى علمانية معادية للدين، وللإسلام بالدرجة الأولى، فهو كما نعلم منع الأذان بالعربية، وأغلق الكثير من المساجد، ومنع الحجاب، وترجم القرآن إلى التركية... أما أردوغان فإنه تبنى علمانية غير معادية للدين. وبما أن غالبية الناس مسلمة، كان لهذا التحول أثره الطيب على نفوس المسلمين، ووجد تقبلًا عارمًا عند مسلمي تركيا، وخاصة بعد أن استطاعوا، خلال فترة حكمه، أن يمارسوا شعائرهم الدينية التعبدية التي كانوا محرومين منها من قبل، وفتح لهم الكثير الكثير من المساجد المغلقة. كذلك وجد تقبلًا عند المسلمين في جميع أنحاء العالم، وأخذوا ينظرون إلى هذا التحول على أنه التحول الشرعي المطلوب، ويعولون عليه التغيير الشرعي المنشود. والذي زاد تمسكهم به هو معاداة الفئة العلمانية لكل تحركاته، وتوجسهم خيفة من كل تصرف يتصرف به واعتباره أنه يعمل على القضاء على إرث (أتاتورك). ولأن عوام المسلمين تقوم مواقفهم على ردات الفعل، فإنهم زادوا تمسكًا به وتأييدًا له، وظهر ذلك في نجاحه في الانتخابات، وفي تاييده ضد العسكر، وفي وقوفهم إلى جانبه ضد الانقلاب.

وصار المسلمون في كل مكان ينظرون إلى أردوغان أنه هذا البطل الإسلامي هو الذي سيوحد الأمة ويغير لها وضعها السيئ جدًا إلى الوضع الإسلامي المنشود. وتراهم يدافعون عنه ويقوِّلونه ما لم يقل وينسبون إليه أعمالًا، ويضعون له أهدافًا من نسج خيالهم، فمن قائل إن أردوغان يريد أن يقيم الإسلام بالتدرج بينما هو لا يؤمن بالتدرج ولا يعمل له، هو يسير بحسب قناعاته فحسب، وهو مؤمن أن لا دولة إسلامية في الحياة، بل علمانية، هو صرح بذلك من غير إخفاء لأن هذه هي قناعته. وإذا قلت لهم ذلك يقولون إن هدفه إقامة الدولة الإسلامية وهذا أمر لا يعلنه الآن... إنهم ينظرون إليه بعين المحب الكليلة التي لا ترى الأمور على حقيقتها.

إن ما ارتكبه أردوغان في سوريا مثلًا يعتبر خيانة للإسلام وجريمة ضد المسلمين؛ فهو كان المساهم الأول في هزيمة الثورة، وهو يقف إلى جانب روسيا وإيران وينسقون خطواتهم كلها، فكيف ينظر هؤلاء إلى أردوغان على أنه أملهم وملهمهم، وينظرون في الوقت نفسه إلى روسيا وإيران على أنهم أعدى أعداء الأمة؟!!

وإنه ليحق لنا التساؤل بعد هذا الكلام، وعلى من يقرأ أن يقرأ بهدوء ويفكر تفكيرًا شرعيًا يرضي الله، لا أن يسير مع أمانيِّه، وأماني شيطانه، فالمسلم هواه تبع للشرع، نعم يحق لنا التساؤل:

هل يجوز شرعًا لمن يفترض به أن يكون حاكمًا للمسلمين أن يتعامل بالربا؟! وهل يجوز أن يكون ولاؤه لغير الله، بأن يكون لأميركا؟! وهل يجوز له أن يكون عضوًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)؟! وهل يجوز شرعًا أن يسعى لأن ينضم إلى الاتحاد الأوروبي؟! وهل يجوز شرعًا أن يقيم علاقات مع (إسرائيل)؟! هل ما يقوم به من تنسيق مع إيران وروسيا بشأن سوريا والعمل على إيصال الثورة إلى الانهزام، وبشار أسد إلى الانتصار؟! هل يجوز له كحاكم أن يحكم بدستور علماني كافر، أو أن يسمح أن يكون في تركيا الزنا مشرعًا، والخمر يباع ويشترى، وبيوت الدعارة مرخصة...

انظروا إليه في فيديو له يتكلم فيه بعظمة لسانه أنها لا يعتبر جريمة ممارسة الشذوذ الجنسي (لواط أو سحاق) جريمة يعاقب عليها القانون، بل هي من ضمن الحرية الشخصية التي يصونها القانون التركي، استمعوا له في مقابلته الأخيرة كيف يقول إن هوية الدولة علمانية أي أحكامها من وضع البشر، أي يكون التشريع فيها لغير الله... إن كل حالة من هذه الحالات التي ذكرناها عن أردوغان تعتبر حالقة للدين، مغضبة لرب العالمين.

إننا في هذا المقال نعرض واقع أردوغان كما هو، من غير زيادة ولا نقصان، نعرضه كما هو يعلنه ولا يخفيه، وكما هو مقتنع به

ولكن للأسف لا يوجد هذا التصور الخاطئ من أن أردوغان هو قائد إسلامي، إلا في ذهن من يحبون الإسلام أن يظهر، وأن ينتصر ولكن لا يفهمون الإسلام بشكل صحيح سواء عند الأمة بعمومها، أو عند العلماء الذين أخذوا علمهم في معاهد شرعية جعلت الإسلام عضين؛ فأخذوا بعضه وتركوا بعض.

من خلال هذه القراءة يجب أن تقرأ صفحة أردوغان. والفهم غير الصحيح للإسلام هو الذي يورث مثل هذه المواقف لدى المسلمين الذي يعيشون حالة من التناقض، فهم يحبون دينهم حبًا لا يُعلى عليه، وهو أغلى ما عندهم، ويتعرضون للكثير من المؤامرات من الكفار لإبعادهم عنه، وهم تحملوا ويتحملون في سبيل التمسك به وتطبيقه الشيء الكثير، ولكنهم لا يفهمون ما يريده الله منهم لإقامة الدين؛ لذلك كان من السهل على المتربصين للإسلام أن يلعبوا على المسلمين في هذا المجال، وأن يخرجوا لهم في كل فترة وجهًا جديدًا ليلعبوا به على الأمة ويجروهم وراءه ويضيعوهم عن هدفهم في إقامة الدين، وآخر محاولتين في هذا المضمار كانت أنهم أوجدوا نسخة مشوهة عن الخلافة تمثلت بتنظيم الدولة، وكانت الغاية منها إيجاد حالة عامة من الرفض لها. وبعد إيصال هذه المحاولة إلى الوضع المخطط له، نراهم يضغطون على الحركات الإسلامية التي تقوم بالعمل السياسي لتتخلى عن عملها السياسي في الإسلام، أو عن الإسلام في عملها السياسي، وتكون كغيرها من الحركات السياسية العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، وتضرب أردوغان مثلًا ونموذجًا لهم ليكونوا على طريقته في فهم الإسلام، والتي هي طريقة الغرب في فهم الإسلام....

أيها المسلمون هذا هو أردوغان فلا تخدعوا أنفسكم به، وهو إن كان يقوم بحق الله عليه في نفسه من صلاة وصيام وتلاوة قرآن...  فإنه مفرِّط بحق الله عليه في كونه حاكمًا لا يحكم بالإسلام، وفاهم للدين على طريقة الغرب في فهم الدين بتبني العلمانية القائمة على فصل الدين عن الحياة قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٢﴾.

 

المصدر: مجلة الوعي – العدد 384 – محرم 1440هـ / أيلول 2018م

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر