أساليب الحوثيين في تغيير الوسط السياسي القديم
أساليب الحوثيين في تغيير الوسط السياسي القديم

يسعى الحوثيون سعيا حثيثا لتغيير الوسط السياسي القديم منذ انقلابهم على السلطة - عملاء الإنجليز - في 2014/9/21م، ورغم أنهم ذراع إيران في اليمن إلا أنها ليست الوحيدة التي تسعى لتثبيت حكمهم وقلع الوسط السياسي القديم الموالي للإنجليز وتغييره بوسطهم السياسي الجديد. فأمريكا هي الداعم الأساسي للحوثيين لقلع الوسط السياسي القديم وإحلال الوسط الجديد الموالي لها من الحوثيين مكانه

0:00 0:00
السرعة:
July 01, 2020

أساليب الحوثيين في تغيير الوسط السياسي القديم

أساليب الحوثيين في تغيير الوسط السياسي القديم

يسعى الحوثيون سعيا حثيثا لتغيير الوسط السياسي القديم منذ انقلابهم على السلطة - عملاء الإنجليز - في 2014/9/21م، ورغم أنهم ذراع إيران في اليمن إلا أنها ليست الوحيدة التي تسعى لتثبيت حكمهم وقلع الوسط السياسي القديم الموالي للإنجليز وتغييره بوسطهم السياسي الجديد. فأمريكا هي الداعم الأساسي للحوثيين لقلع الوسط السياسي القديم وإحلال الوسط الجديد الموالي لها من الحوثيين مكانه، وهي التي تقوم بتوزيع الأدوار بين إيران وتركيا والسعودية في اليمن؛ فقد أسندت الناحية الثقافية والعسكرية من تسليح وتدريب وغيرها إلى إيران، وأسندت إلى السعودية ضرب القوى العسكرية الكبيرة التي تقف حائلاً أمام تقدم الحوثيين ليسهل لهم الاستيلاء على المناطق التي عجزوا عن اقتحامها مثل نهم والجوف ويمكن أن يتبعها مأرب معقل ومركز الثقل لحزب الإصلاح، والسعودية تسعى لشراء الولاءات من القيادات التابعة لعلي محسن الأحمر لصالح الحوثيين بمعية تركيا أردوغان الذي يستغل تأييد الإخوان له ومنهم حزب الإصلاح في مأرب ليقوم بمهمته الخبيثة لشراء الولاءات للحوثيين لتسهيل تقدمهم في جبهة مأرب لإسقاطها ليصبح شمال اليمن كله بيد الحوثيين.

والمخابرات الأمريكية هي التي ترسم معالم الخطة التي ينفذها عملاؤها لمساندة الحوثيين في تغيير الوسط السياسي القديم.

وأمريكا منذ زمن بعيد تدرك أن الوسط السياسي القديم الموالي للإنجليز قد امتدت أذرعه خلال عشرات السنين إلى كل مفاصل الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، وقد تجذر الوسط السياسي القديم لقيامه على أربع دعائم أساسية هي: الجيش، والقبائل، والمراكز العلمية، ورجال المال والأعمال.

فأما الجيش فقد اهتم الإنجليز بتسليحه وتدريبه وتنظيفه من الموالين للأمريكان حتى تظل المؤسسة العسكرية خالصة الولاء للإنجليز فترسخ نفوذهم في اليمن كلها لعشرات السنين.

وأما القبائل فإن دورها كبير، ولذلك فقد أولاها الإنجليز أهمية كبرى وربطوها ربطا محكما بالنظام وبمؤسسته العسكرية والأمنية، فقد ربطوا زعماء القبائل ومشايخها بالجيش والأمن وأجهزة المخابرات وغرسوا عندهم الولاء للنظام الحاكم فكانت القبائل رديفة للجيش للحفاظ على النظام الجمهوري العلماني!!

وأما المراكز العلمية فإن النظام الجمهوري الذي تشكل بعد الانقلاب على الإمام أحمد حميد الدين في 1962م والإطاحة بحكمه، وقد استغل رجالات النظام الجمهوري طائفية الحكم الإمامي (أسرة حميد الدين) في جذب التيارات السنية الذين ينظرون أن دولة الأئمة هي دولة البدع حتى قال أحد شعرائهم في مطلع قصيدة مبتهجا بذهاب دولة الإمام:

ذهبت دولة أصحاب البدع *** ووهى حبلهم ثم انقطع

وقد أضفى رجالات النظام الجمهوري على علمانيتهم كراهية التشيع لجذب التيارات السنية إلى صفوفهم لتوجد لهم القوة الشعبية فتكتمل عناصر القوة لنظام الحكم الجمهوري العلماني، ونظراً لتدني الوعي السياسي عند التيارات الإسلامية وعدم إدراكهم لخطورة العلمانية والحكم بها فقد ناصروا نظام الحكم العلماني الذي يحكم بمفاهيم الكفر لأنه خلصهم من التشيع ودولة البدع كما يقولون! فسمح لهم بفتح مراكز علمية محصورة في مجال الفرد ولا تتدخل في السياسة والحكم ونظامه العلماني بل تضفي عليه لمسات إسلامية ليكون مقبولاً شعبيا. كما أن مناهج التعليم الرسمية للدولة علمانية تفصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع وتحصر الإسلام في علاقة الفرد بربه ونفسه ولا تتطرق إلى علاقة الفرد بغيره من بني البشر، أي أن آيات الحكم والسياسة في القرآن والحديث عنها في السنة ليست للعمل بل هي للحفظ والقراءة فقط!!! وكان فساد طريقة التفكير لقادة هذا التوجه من الدعاة الذين أخذوا هذا الفكر من مملكة آل سعود عدوة المسلمين وصديقة الكفار، كان له الأثر البالغ في قبول هذه المناهج العلمانية لديهم ومناصرة الحكام، وأضفى الشرعية عليهم وأنهم ولاة أمر تجب طاعتهم ولا يجوز الخروج عليهم فأصبحت هذه المراكز من أهم الدعائم التي يقوم عليها نظام الحكم الجمهوري العلماني.

أما رجال المال والأعمال فقد ارتبطوا بالإنجليز باكراً منذ كانت تحتل جنوب اليمن، فقد عملت على ربطهم بها حتى صارت لندن هي مركز القيادة والمقر الرئيسي لشركات أصحاب المال والأعمال في اليمن.

وقد أدركت أمريكا منذ زمن أن نفوذ الإنجليز لا يمكن القضاء عليه وتغيير وسطه السياسي إلا بتغيير هذه الدعائم الأربع؛ الجيش والقبائل والمراكز العلمية ورجال المال والأعمال.

فأما الجيش فقد سعت أمريكا منذ ثورة 2011م لهيكلته وخلخلته لسهولة السيطرة عليه، وقد ضربت قوته الثقيلة عن طريق سلمان فتمكن الحوثيون من السيطرة عليه وتغيير قياداته بقيادات موالية لهم فأصبح في قبضتهم. وأما القبائل خاصة قبائل حاشد وبكيل، فقد سعت أمريكا إلى ضربها وإضعافها واستنزاف قوتهم في الحرب التي تجاوزت ست سنين، وقد قتل آلاف منهم في حرب الاستنزاف وقتل كبار مشايخها وتفجير منازلهم، فأصبح مشايخ القبائل إما مقتولاً أو هارباً في الخارج أو وضع ثقته في السعودية نظرا لغبائه السياسي فقاتل تحت جناحها حتى ينتهي دوره فتسهل للحوثيين مهمة قتله وقت الطلب، وإما قابعاً في بيته رهن الإقامة الجبرية، وإما خاضعاً لهم يتحكم فيه مشرف عسكري صغير منهم، وإما منفذا لكل طلباتهم للحفاظ على نفسه وأسرته ومصالحها، وإما لا زالت حاجتهم إليه ملحة حتى ينضج البديل عنه ليحل مكانه.

وأما المراكز العلمية فقد هجموا عليها هجوما شرسا وقد أغلقوا كثيراً منها ومنعوا مراكز تحفيظ القرآن خاصة التابعة للإصلاح، وتركت مراكز سلفية لأنها تابعة للسعودية، ولا شك أنها ستلاحقها في المستقبل بعد أن تحكم سيطرتها على شمال اليمن إلا إذا كان من مخرجات الحل السياسي في اليمن السماح ببقاء مراكزهم في المستقبل مقابل إضفاء الشرعية على الحوثيين وأنهم ولاة أمر تجب طاعتهم كما كانت واجبة طاعة الحكام السابقين لهم.

أما وسط رجال المال والأعمال فأمريكا تعمل على إيجاد وسط تجاري جديد من الموالين للحوثيين عن طريق إرهاق كاهل التجار تارة بالضرائب وتارة باسم الزكاة وتارة باسم الخمس، وحجز بضائعهم في المنافذ الجمركية وتسليط مشرفيهم الأمنين على التجار بإقلاقهم حتى يخضعوا خضوعاً كاملاً للجماعة أو يرحلوا من البلاد لتصفو الأجواء لهم.

إن الحوثيين يسعون سعيا حثيثا لتغيير الوسط السياسي القديم وتأبيد سيطرتهم وصناعة الأزمات المتلاحقة والمتواصلة واتباع سياسة التجويع والتجهيل والتأسيس لنهب ثروات اليمن بالقانون كالخمس الذي يضللون الكثيرين بأنه خمس المكسب من كل الأموال وليس خمس الغنائم التي يتم الاستيلاء عليها في ساحة المعركة من الكفار.

إن الحكام السابقين والحاليين، ليس في اليمن فحسب بل في البلاد الإسلامية كلها، هم عملاء للغرب ويحكمون بأنظمتهم وينفذون مخططاتهم، فلا بد من العمل الجاد لإسقاطهم وإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة على أنقاض حكمهم.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ شايف الشرادي – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر