عصر العار
عصر العار

أكرم المخلوقات في الوجود هو الإنسان، كل شيء في العالم خُلق لهذا الإنسان، فعليه فقط أن يعرف مكانه. الأشجار التي تتغذى على التربة السوداء وتعطي ثماراً حلوة والشمّام والبطيخ الحلو للغاية والمياه النقية والصافية التي تنبع من الجبال والهواء النقي والنباتات العطرية... باختصار كل الثروات فوق الأرض وتحت الأرض والمواشي والطيور التابعة، كل هذا للإنسان.

0:00 0:00
السرعة:
December 26, 2021

عصر العار

عصر العار

أكرم المخلوقات في الوجود هو الإنسان، كل شيء في العالم خُلق لهذا الإنسان، فعليه فقط أن يعرف مكانه. الأشجار التي تتغذى على التربة السوداء وتعطي ثماراً حلوة والشمّام والبطيخ الحلو للغاية والمياه النقية والصافية التي تنبع من الجبال والهواء النقي والنباتات العطرية... باختصار كل الثروات فوق الأرض وتحت الأرض والمواشي والطيور التابعة، كل هذا للإنسان. حتى القمر والنجوم في السماء والشمس التي تشع الدفء والنور تخدم الإنسان ولا ترفض الخدمة أبداً. كلهم مأمورون بخدمة الإنسان ولا يعصون. في هذا الصدد لم تكن هناك مشاكل للإنسان، لكن المشكلة برمتها يوجدها الإنسان نفسه. فالاعتداء على الأرواح والممتلكات والافتراء والكذب والتعذيب والقتل، كل هذا يصيب الإنسان من نوعه ولا داعي اليوم لشرح ذلك. لا يعرف معظم الناس اليوم عن أعظم تاريخ للبشرية فمنذ قرن مضى تم إبعادهم عن الذكريات والدراسة والمعرفة عن تلك الحقبة السعيدة التي استمرت لمدة ثلاثة عشر قرنا طويلا. وعلى الرغم من حقيقة أن خطوط تلك القرون التي حماها القانون القوي بغض النظر عن دين أو جنس ولغة الناس تم تلوينها باللون الأسود من طرف الأشرار اليوم: الغرب الكافر وعملائه من الحكام الدمى الخونة، وفي الواقع لم يستطع أسلاف هؤلاء الجهلة إنكار تمتعهم بمتعة قرون الخير تلك؛ لأنهم لا يستطيعون أبداً إنكار عهد البر في التاريخ الذي تم إخفاؤه عن الإنسانية. ولكنهم لم يمتنعوا ولم يستحيوا من تقديم الأمة العزيزة التي نشرت ذلك التاريخ السعيد في العالم لأطفال اليوم بأنها أمة تخلف وجهل!! ولكن داخلياً أدركوا أن العالم بحاجة إلى نظام جديد ومبدأ جديد، أيديولوجية جديدة. ولكنهم وقعوا ضحايا لغطرستهم وكبرهم مثل الفرعون الذي اضطهد موسى عليه السلام. ورذائل "المدافع عن العدالة" أمريكا، والتعطش للدماء وعار وعنف روسيا وخبث الصين وأكلها لحوم البشر وغطرسة اليهود وعار أوروبا الذي وصلته، كل هذا يتحدث بصمت عن فجور الرأسمالية والديمقراطية. ومع ذلك فهم في حالة بائسة مثل فرعون الذي لم يرجع إلى الوراء رغم أنه شعر أنه سيغرق في البحر المتصدع وهو يطارد موسى! وهذا يمكن رؤيته من أي شخص يلقي نظرة على العالم.

حتى لا تكون كلماتنا فارغة دعونا نتذكر قليلاً من تلك القرون الثلاثة عشر السعيدة للبشرية وواقع اليوم وعندئذ ربما سنكون قادرين على أن نرى الفرق بين أمجد عهد هذا الإنسان المكرم وأكثر عهده ذلا وعارا:

علي رضي الله عنه خليفة الدولة الإسلامية التي انتشرت في جميع أنحاء العالم بسرعة كان قائد دولة أكبر من الدول الرائدة اليوم. وهو ذات يوم رأى درعه المفقود في يد يهودي. ولما تجادلا ذهبا إلى القاضي بناء على طلب اليهودي. وبعد سماع أقوال الطرفين قال القاضي لعلي: "أحضر شاهدين يثبتان أن هذا الدرع لك". فقال علي رضىي الله عنه إن أحد شاهديه هو الصانع الذي صنع هذا الدرع والآخر ابنه الحسين. ولكن ذكرّه القاضي بأن شهادة الابن للأب لن تمر. فقال علي رضي الله عنه: "ألا يصلح الرجل الذي بُشّر به بأنه سيكون في الآخرة سيد المؤمنين لأن يكون شاهدا؟". فقال القاضي: إنه يصلح لأن يكون سيدا في الآخرة ولكن اليوم هو لا يصلح لأن يكون شاهدا، وحكم ببقاء الدرع مع اليهودي.

 هذه هي القصة الشهيرة حيث تم حل الخلاف بين خليفة جميع المسلمين واليهودي الكافر من قبل قاضي الدولة الإسلامية...

والآن دعونا نلقي نظرة على حدث في أوزبيكستان خلال "ذروة" قرننا الذي يتطور ويبلغ ذروة التقدم. هذا الحدث الذي لم يحدث بين حاكم أوزبيكستان الذي لا يمل من تكرار أنه مسلم وبين شخص عادي ولكن هذا الحدث وقع لمسلم سُجن لقوله بضع كلمات لمن وقف على منبر مسجد. ودون حضوره كتبوا قرار اتهام ورأي خبير. وبعد ذلك تمت إدانته وحكم عليه القاضي بالسجن. كما تعلمون حتى لو لم أكتب عن معاقبة العجوز التي قامت بتدريس القرآن وعن الشباب الذين يتم حلق لحاهم بالقوة وعن فتيات المدارس اللاتي ينزعون حجابهن بالقوة وعن مسؤول يحصل على الأموال من العمال الذين يكنسون الشارع ويجرفون الثلج في روسيا فيحصلون على الأموال فيأخذ هذا المسؤول منهم الأموال لترخيص العمل!! كما قلت أعلاه قمنا فقط بالنظر في كرامة الإنسان في العهدين باختصار.

إذن، كيف يعترضون على رجال اليوم الطيبين الذين يدعون إلى العودة إلى ذلك العهد الذي كانت كرامة وشرف كل إنسان محفوظة فيه بحزم؟ فيزعمون أننا إذا عدنا إلى الخلافة فإن أكثر من نصف البشرية ستقطع أيديهم!! ألا يعني ذلك الاعتراف بأن "عدالتنا قد ربّت أكثر من نصف الناس على أنهم لصوص"؟! ويُزعم أن ثمانين بالمائة من النساء ينبغي أن يُرجمن بالحجارة!! وماذا يريدون أن يقولوا؟ هل يريدون أن يقولوا: إنه إذا اتضح أن النائبة في هذا المجتمع عاهرة فلا داعي للحديث عن نساء أخريات؟! إن الحديث عن الفساد والجشع والرياء والتمويه والخيانة والمديح والنفاق التي أصبحت شائعة في هذا المجتمع مضيعة للوقت والكلمات.

أيها المسلمون: العاهرات واللصوص والكذابون بينكم هم الثمار الكريهة والمُرّة للنظام المخزي الذي تدعمونه أنتم أيها الشعب الكريم. جرائم اليوم هي عمل اليوم. غدا عندما يعود ذلك الخير الذي امتد ثلاثة عشر قرنا الذي وعد به الله وبشر به رسوله ﷺ سيعود شرف كل إنسان. الجرائم التي ارتكبت في نظام اليوم المخزي سيشمئز الخليفة العادل غداً حتى من التحقيق فيها. باستثناء أولئك الذين يحاربون عودة الإسلام إلى الحياة والذين أصبحوا آباء جهل اليوم فإنهم سيعاقبون بلا شك. هذا هو السبب في أنهم يخدعونكم بالقوة أيها الناس البسطاء. فالدولة الإسلامية التي ندعو نحن في حزب التحرير لها خطر فقط على هؤلاء الحكام الفاسدين والمسؤولين الفاسدين والمهرجين المدّاحين! ولكم أيها الناس الأعزاء هذه الدولة ضمانة لشرفكم. إن عصر العار يقضي أيامه الأخيرة. هذا الظلام ضعيف ومحكوم عليه حتى بالانسحاب من ضوء الشمع. وكل حامل دعوة مثل الشمعة التي تخيف هذا الظلام. لهذا يخشى الظالمون أن تتحول شموعكم إلى مشاعل.

وغدا إذا أشرق فجر النصرة الموعود بإذن الله فإن هذا الظلام محكوم عليه بالغرق في أعماق الأرض.

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زين الدين – أوزبيكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر