استغلال مقاصد الشريعة على غير ما تعنيه عند الفقهاء
April 14, 2019

استغلال مقاصد الشريعة على غير ما تعنيه عند الفقهاء

استغلال مقاصد الشريعة على غير ما تعنيه عند الفقهاء

من الضروري كمقدمة لهذا العنوان تذكّر مقال جورج فريدمان في موقع جيوبوليتيكال فيوتشرز عام 2017 الذي تحدث فيه عن صعود الإسلام السياسي وكيفية احتوائه..

ولا بدّ لنا من التعريف بأن جورج فريدمان هو محلل سياسي ومخطط وموجِّه للسياسة الأمريكية، ومديرُ أشهرِ المؤسساتِ العاملةِ في مجال المعلومات والاستخبارات وهي مؤسسة ستراتفور (توقعات استراتيجية)...

يقول جورج فريدمان في مقاله المعنون بـــ"دونالد ترامب ضد الإسلام السياسي امتداد للحروب الصليبية ضد الإسلام":

"بعد خروج الإسلام من الهيمنة الأوروبية، يخضع الإسلام لعملية ثورية موجعة. إنّه يحاول إعادة بناء نفسه وسط مجتمع مسلمٍ محبط. وعلى الولايات المتّحدة ألا تترك الطبيعة تأخذ مجراها، لأنها إذا فعلت ذلك ستتجاهل حقيقة أنّ التطرّف يميل لإزاحة الاعتدال، وليس العكس. وبالتالي عليها السماح باحتواء التطرف من قبل تركيا أو السعودية..."

والهدف الذي يراه فريدمان من هذا الاحتواء للتطرف ونشر الاعتدال هو: "كسر ثقة العالم الإسلامي المتنامية في ذاته وترسيخ اليأس من الإسلام السياسي لقرنٍ آخر... حيث إن جذور المشكلة في الشعوب، ويجب إقناع الشعوب أن آمالهم بعيدة التحقّق".

ويرى ترسيخ اليأس من الإسلام السياسي لقرنٍ آخر. لأن هذا ما فعلته القوى الأوروبية في عصرها. وكان اليأس من ذلك الوضع مشهوداً، وجاءت معه فضيلة الاعتدال. وبدون اليأس، لا توجد ميزة واضحة في أن تكون معتدلاً". انتهى

ولنا أن نتساءل: ما هي قنطرة الاعتدال الذي سمحت أمريكا لتركيا والسعودية بتبنّيه ونشره في البلاد الإسلامية من أجل القضاء على الإسلام السياسي؟

قنطرة الاعتدال هي فقه المقاصد.. فما هو فقه المقاصد؟

هذه المقولة التي يردّدها الكتّاب والمؤلّفون والشيوخ الجُدُد مفادها: أنّ الله تعالى جعل للأحكام التي شرعها مقاصد، لأجلها شُرعت هذه الأحكام، وأنّ هذه الأحكام تدور مع مقاصدها وجوداً وعدماً، ورأوا بالتالي أنّ الاهتمام يجب أن ينصبّ على المقاصد لا على الأحكام ذاتها. وهذه المقاصد خمسة أقسام: حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب.

وبالتالي يسعى هؤلاء إلى تبني إسلام عصراني متوافق مع العصر يؤمن بقدسية المقاصد الكلية للدين وتاريخية وسائل التدين ليفتح المجال أمام تبديل تلك الوسائل على نحو يجعل من الإسلام موضات وموديلات... ففكرة المقاصد وقدسيتها والوسائل وتاريخيتها هي اسم "الدلع" لتحريف الدين الذي وقع لليهودية والنصرانية من قبل، والذين يطرحون هذا الطرح يفتحون باباً خطيراً "للتملص" من شعائر الدين على قاعدة التشهي...

وكمثال على ما ذكرناه من السعي إلى تبني إسلام عصراني مقاصدي هو: تصريح أردوغان خلال كلمته بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في آذار/مارس 2018: "لا يمكن اليوم تطبيق أحكام الإسلام التي وضعت قبل 15 قرناً من الزمان بل إنها تحتاج إلى التحديث".

وكمثال آخر أيضا هو انتخاب الشيخ أحمد الريسوني رئيسا لاتحاد رابطة العلماء المسلمين بنسبة 93% من 1000 عالم يرعاهم الإخوان المسلمون... وهذا الانتخاب حصل في مؤتمر عقدته تركيا وتحت رعاية أردوغان شخصياً... وهذا الريسوني يهاجم الخلافة ومن يدعو لها ويترحم على المقبور علي عبد الرازق وله مؤلفات عدة كلها تتحدث عن المقاصد ويرفض الثورات ويرفض الخروج على الحكام وينادي بفصل الدعوي عن السياسي وينادي بالدعوة إلى العلمانية المحايدة... وكان من مقررات المؤتمر الذي انتخبه رئيساً: "ضرورة التعايش السلمي والتعدد الحضاري والتواصل الحضاري ونفى التصادم الحضاري ودعا إلى الحرية المنضبطة ودعا إلى حرية الشعوب في تقرير مصيرها...".

هذه أمثلة على المقاصدية وهذا هو بالضبط ما أراده الداعون إليه من حرف للمسلمين عن إسلامهم بإلباس العلمانية الكافرة لبوس الإسلام ليخرجوا من إسلامهم إلى العلمانية ومن ثمّ إلى الإلحاد والعياذ بالله...

وللرد على هؤلاء المتذرّعين بالإمام الشاطبي في موضوع المقاصد، نذكر بالضرورة ما أراده الشاطبي من المقاصد:

يقول الشاطبي: (إن تحقيق الغاية الشرعية لا يصح إلا بالطريقة الشرعية التي وضعها الشارع طريقةً لها. وكذلك إذا جاء الشرع بطريقة معينةٍ لتحقيق غاية معينةٍ، فلا يصح السعي لتحقيق تلك الغاية إلا بهذه الطريقة). ويضيف الشاطبي أنه (لا يصح أن تُتَّخذ تلك الطريقة أو أن يُتوسَّل بها لتحقيق غاية أخرى ولو كانت تلك الغاية مقصودةً شرعاً؛ وذلك لأن تلك الطريقة إنما شُرعت لأجل تلك الغاية أو المقصد، ولم تشرع لكل مقصد. فالشارع وضع حكم قطع اليد لمنع السرقة، فلا يصح أن يُتخذ غير قطع اليد لهذه الغاية، كما أنه لا يجوز أن يُتخذ قطع اليد لأي مقصد آخر كمنع الردة مثلاً أو منع الزنى. حتى وإن كانت الطريقة أو الوسيلة الأخرى أبلغ في الزجر، كأن يوضع القتل أو مصادرة الأملاك كلها أو الأمران معاً بدلاً من القطع أو معه. وكذلك يُقال في الخلافة فهي طريقة لتطبيق الإسلام كله، فلا يجوز اتخاذ طريقةٍ أخرى لأجل ذلك - على فرض وجودها - كما لا يجوز اتخاذ الخلافة لأي أمر آخر غير تطبيق الإسلام. ولذلك فلا يعد الإسلام مطبقاً ما لم تكن الخلافة هي التي تطبقه).

هذا ما ينص عليه نهج المقاصد والوسائل، وهو قبل ذلك ما ينص عليه الشرع لجهة حرمة تحريف أو تبديل أي حكم شرعي، سواء وُضع في خانة مقاصد أو وسائل أو غير ذلك، ومهما اصطُلح عليه من أسماء. ولم نكن أصلاً بحاجة لولوج هذا المنهج من أساسه، لولا أن بعض المحرِّفة تذرعوا به واتخذوه وسيلةً لمقاصدهم.

وثمة مداخل أخرى - وعلى نهج الشاطبي نفسه - للرد على هذه الشرذمة أو الشراذم من الذين يتذرعون بالمقاصد والوسائل لمواجهة صحوة الأمة على دينها، وليضلُّوها عن التوجه الصحيح نحو العمل الشرعي المنتج لإقامة دولة الخلافة بعد إذ لمسته، وليحرِّفوا أحكام الإسلام ويقدموا أفكار الكفر من ديمقراطية وغيرها بلبوس إسلامي مخادع، ومن هذه المداخل أحد أهم المقاصد عند الشاطبي وأوسعها بحثاً عنده، وهو ما سماه قصد التعبد والامتثال أو قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة. ومفاده باختصار: أن قصد التعبد والامتثال لأمر الشارع موجود في كل أحكام الشريعة، أي في المقاصد وفي الوسائل، إذ كلها أحكام شرعية نتعبد الله بها، والأحكام التي جعلها الشارع طريقاً إلى المقاصد لا يجوز إلغاؤها بحجة أن المهم تحقيق القصد أو المعنى. فقصد الشارع في أن يعبده المكلف موجود في كل الأحكام، سواء أكانت من العبادات أم من العادات، قال الشاطبي: (إن كل حكم شرعي ليس بخالٍ عن حق الله تعالى وهو جهة التعبد)، ويقول بخصوص ما جعله الشرع سبباً لمسبَّب أي ما أريد لغيره أو ما كان وسيلة لمقصد: إن هذا ثابت لا يتغير ولا يرتفع ولو تغير الزمان أو تقدمت الاكتشافات، فيقول إن من خصائص الشريعة: (الثبوت من غير زوال؛ فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخاً، ولا تخصيصاً لعمومها، ولا تقييداً لإطلاقها، ولا رفعاً لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل ما أثبتَ سبباً فهو سببٌ أبداً لا يرتفع، وما كان شرطاً فهو أبداً شرط، وما كان واجباً فهو واجب أبداً، أو مندوباً فمندوب، وهكذا جميع الأحكام، فلا زوال لها ولا تبدل، ولو فُرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك).

هذا ما أراده الشاطبي بالضبط من موضوع المقاصد بعيداً عن تحريف الغالين...

وللردّ على المقاصديين أيضاً نذكر مما جاء في كتاب (مقدمة الدستور المادة 12: مصادر التشريع المعتبرة) الآتي:

(إن مقاصد الشريعة ليست نصاً يُفْهَمْ حتى يعتبر ما يفهم منها دليلاً، فلا قيمة لما يفهم منها في الاستدلال على الحكم الشرعي. ثم إن ما يسمى بمقاصد الشريعة، إن أريد به ما دلت عليه النصوص مثل تحريم الزنا وتحريم السرقة وتحريم قتل النفس وتحريم الخمر وتحريم الارتداد عن الإسلام، فإنه ليس مقصداً للشريعة وإنما هو حكم لأفعال العباد، فيوقف فيه عند مدلول النص، فلا محل لاعتبار هذا الحكم الذي فهم من النص دليلاً شرعياً بل هو حكم شرعي، ومن باب أولى أنه لا اعتبار لما يتخيله الذهن منه بأنه مقصد الشريعة من هذا الحكم بأنه من الأدلة الشرعية. فكيف الحال باعتبار ما يفهم من هذا الذي تخيله الذهن بأنه مقصد الشريعة دليلاً شرعياً؟!! وعليه فإن اعتبار ما يفهم من مقاصد الشريعة دليلاً شرعياً باطل كل البطلان. وأما إن أريد به ما يفهم من حكمة الشريعة كلها، أي حكمة إرسال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من كونه رحمة للعباد، فإنه حكمة وليس علة، والحكمة قد تحصل وقد لا تحصل، فلا تتخذ أصلاً يستدل به لإمكانية تخلفها، فمن باب أولى أن لا يتخذ ما يفهم منها أصلاً يستدل به. ولهذا لا يصلح ما يسمى بمقاصد الشريعة لأن يكون ما يفهم منها من الأدلة الشرعية. فيكون من هذه الناحية أيضاً اعتبار ما يفهم من مقاصد الشريعة دليلاً شرعياً باطلاً كل البطلان)... انتهى

وأخيرا نقول: المقاصديون يريدون جعل الواقع ومتغيراته حَكَماً على الأحكام الشرعية لا أن يجُعل الواقع خاضعاً للأحكام الشرعية فيغير الواقع ليطبق حكم الله بل يريدون تغيير حكم الله لينطبق وفق أهوائهم على الواقع!

هذا جزء من كل وغيض مما فاض به المقاصديون الذي لا يجد فيه المرء سوى المغالطات واللوثات الفكرية التي يحاولون وصمها بالإسلامية بطرحها بسبب مناصبهم كقادة للحركات الإسلامية التي تدعّي نهضة المسلمين أو مناصبهم كقادة للرأي في العالم الإسلامي.

لقد كان الأجدر بهؤلاء لو كانوا حريصين على نهضة الأمة الإسلامية ورفعتها وتخلصها من استبداد الأنظمة الطاغوتية وقهرها، كان الأجدر أن يكاتفوا جهودهم مع العاملين المخلصين الساعين لنهضة هذه الأمة وإقامة مشروعها الحضاري الذي سيمثل بديلاً حضارياً للرأسمالية التي اكتوى العالم بلظاها، لا أن يعمدوا إلى بث مغالطاتهم ولوثاتهم الفكرية لتكون عائقاً ومضلِّلاً للمسلمين عن تلك الغاية السامية فتبقيهم رهن الواقع الذليل الذي يعيشون ورهن الإرادة الدولية الاستعمارية ورهن أفكار الحضارة الغربية النتنة.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إسلام الصعصاع

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر