استيلاء المجلس الانتقالي على عدن؛ الأسباب والتداعيات...
استيلاء المجلس الانتقالي على عدن؛ الأسباب والتداعيات...

يواصل قطبا الصراع الإنجلو أمريكي صراعهما عبر أدواتهما في العالم ومنه اليمن الذي أضحى شقياً تَعساً ضَنِكاً، فقد وجه الحوثي أداة أمريكا ضربة قاصمة لعملاء الإنجليز المجلس الانتقالي بمقتل حوالي 40 عسكرياً وقائد معسكر الجلاء أبو اليمامة منير اليافعي الذي كان يُعِدّ جنوده لمعركة يقصم فيها شوكة الحوثي ولكن حدث ما حدث،

0:00 0:00
السرعة:
August 21, 2019

استيلاء المجلس الانتقالي على عدن؛ الأسباب والتداعيات...

استيلاء المجلس الانتقالي على عدن؛ الأسباب والتداعيات...

يواصل قطبا الصراع الإنجلو أمريكي صراعهما عبر أدواتهما في العالم ومنه اليمن الذي أضحى شقياً تَعساً ضَنِكاً، فقد وجه الحوثي أداة أمريكا ضربة قاصمة لعملاء الإنجليز المجلس الانتقالي بمقتل حوالي 40 عسكرياً وقائد معسكر الجلاء أبو اليمامة منير اليافعي الذي كان يُعِدّ جنوده لمعركة يقصم فيها شوكة الحوثي ولكن حدث ما حدث، واليوم يقوم أداة الإمارات الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي ومن ورائه بريطانيا بانقلاب على حكومة وقوات (الشرعية) في عدن لتحسم المعركة فيستولي بهذا الانقلاب على المعسكرات ومؤسسات الدولة التابعة لهادي الأسير في السعودية، وقد أسفر هذا الحدث عن مقتل 40 شخصا وإصابة 260 آخرين وملاحقة قيادات عسكرية وسياسية والاستيلاء على منزل وزير الداخلية وقصر المعاشيق ومعسكر بدر... هذا وقد صرح وزير الداخلية اليمني التابع للشرعية الميسري قائلا  "صمت الرئاسة عن أحداث عدن مريب، وتابع أن الإمارات دعمت المجلس بـ400 مدرعة هي التي قامت بالانقلاب" (قناة بلقيس). يتزامن هذا مع استيلاء قوات طارق صالح على معسكر ذباب في الساحل الغربي غرب تعز. هذا وقد دعا هاني بن بريك سابقا إلى إسقاط حكومة الشرعية وتوعد رئيسه عيدورس الزبيدي بتحرير مكيراس وبيحان وحضرموت (قناة بلقيس). أما قناة الحرة فقد أوردت تصريحاً للباحث السعودي سليمان العقيلي "احتلال الانتقالي لعدن تهديد للأمن القومي السعودي"، وتابع "أنه يوجد خلاف سعودي إماراتي، وأن الحديدة مجهزة للقتال ودحر الحوثي ولكنها واجهت ضغوطا"، وقد وُجِهَ إليه سؤال من أحمد العولقي العضو في الانتقالي "طالما أن الحديدة تواجه ضغطا فما بال مأرب وصرواح؟" وقد أفاد مذيع الحرة "أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لم يستقبل محمد بن زايد حين قدومه للسعودية ما يعكس أن هناك خلافا بين السعودية والإمارات". أما قناة بلقيس فقد أفادت نقلا عن قناة البي بي سي "أن الانتقالي سيطر على القصر الرئاسي بدون قتال" وأفادت القناة نفسها أن المجلس الانتقالي يرفض الانسحاب من المواقع التي استولى عليها من قوات الشرعية حتى حدوث حوار، وأفادت القناة وصول دفعة ثانية من العربات والآليات السعودية بمرافقة قوات الانتقالي إلى مقر قوات التحالف بالبريقة - عدن، هذا وقد دعت الأمم المتحدة إلى خفض موظفيها بنسبة 50%، كما أفادت قناة الحدث أن 450 حالة تعذيب قام بها الانتقالي و13000 انتهاك حقوق الإنسان و2400 شخص تهجير قسري و1000 أسرة هربت و1200 بسطة دمرت و6000 مواطن منعوا دخول عدن، وقد دعت السعودية إلى وقف إطلاق النار واجتماع طارئ في جدة.

أحداث متسارعة، حدث تلو حدث، لتشهد حمى ونهم وشره هذا الصراع، صراع الأدوات ومن ورائهم الأسياد أمريكا وأداتها الحوثي الذي ابتلع الشمال بدعم منها وأممي، والسعودية التي لها أعمال في مأرب وصرواح ونهم ومناطق صعدة والجوف وتحاول في الجنوب النفو عدن والضالع وحضرموت وسوقطرة والمهرة، وبسبب وقوع هادي بحكم الأسير لدى سعودية سلمان وبفعل الضغوط التي تواجهها بريطانيا عبر أداتها الإمارات من خلال تفجير ناقلات نفطها في هرمز قامت برد ماكر تمثل بالانسحاب التكتيكي الشكلي أو ما أسمته إعادة الانتشار من اليمن، لذلك أمرت بريطانيا الإمارات عبر الانتقالي بما قام به من الاستيلاء على مقار الحكومة والمعسكرات في عدن لتشكل محاولة للانفصال فتفوز بعدن والجنوب إذا لم تستطع تحرير الشمال فلا تخرج "من المولد بلا حمص!" أو يعد هذا ضغطاً من الإنجليز للحصول على مساحة أكبر من المنافع والمصالح المادية والسياسية أمام عجز الشرعية (هادي) الأسير في السعودية عميلة أمريكا، فإلى ماذا تؤول الأحداث وتتطور؟ هل إلى حل سياسي تتقاسم فيه الأطراف المصالح؟ أو إلى انفصال الجنوب عن الشمال؟ أو إلى حرب تشنها قوات التحالف على المجلس الانتقالي؟

أما أن تشن السعودية على المجلس حربا، وقد ضربت أحد المواقع التابعة للانتقالي لإرسال رسالة لهم، لكن أن تقوم بحرب عسكرية مستمرة على الانتقالي فهذا مستبعد برأيي لأن هذا لم تدع له أصلا السعودية بل دعت الأطراف للحوار كما جاء تصريحها في وكالات الأنباء، وكذلك فإن قيامها بهذا الفعل يعني شن حرب على شريكها في التحالف وحرباً علنية بين السعودية والإمارات، وهذه مواجهة مباشرة، وهذا ما تتجنب الدولتان القيام به، إضافة إلى ذلك فإن القيام بهذا العمل سيؤدي إلى تعقيد الحل ويعطي شرعية للانتقالي بشكل أعظم وأكبر ويهيئ جوا عاما ضد السعودية وحربا ضدها يدافع بها الانتقالي عن نفسه، كذلك يأتي هذا في الوقت الذي تسعى فيه أمريكا إلى تجنب الحرب والسعي إلى الحل السياسي عبر أذرعها السعودية والحوثي وفصيل باعوم الجنوب.

أما موضوع الانفصال فهو حل غير ناضج وغير مختمر أمام الافتقار إلى الأجواء السياسية والاقتصادية والعسكرية والدولية، ولن تفعله الإمارات ومن ورائها بريطانيا إلا إذا توفرت هذه العوامل كما حدث في جنوب السودان وغيرها، وكذلك إذا خسرت كل مواقعها، وهذا لم يحدث فقد جعلت خَلَفاً لها في الجنوب؛ المجلس الانتقالي وطارق صالح وحكومة الشرعية معها ولكن بالخفاء وتقاسما للأدوار. فلا حل إلا الثالث وهو الحل السياسي، ولكن كيف يكون سياسيا والظاهر هو الأعمال العسكرية؟ إن ما قامت به أداة الإنجليز الإمارات لهو ضغط عسكري لتتوفر مساحة أكبر سياسيا، ولذلك كانت الدعوة إلى حوار في جدة، فكان هذا الحدث فكاً لهادي من أسره، وقد أبدى هادي (الرئاسة) صمتا كما صرح الميسري، وقد ظهر في وجه هادي الابتهاج حينما التقى العاهل السعودي.

إن الأحداث الأخيرة تشهد تعقدا في خيوط الصراع الإنجلو أمريكي ويذهب ضحيتها أبناء المسلمين في اليمن وقودا يغذي هذا الصراع والذي تتحقق به مصالح الغرب الكافر. وعلى أهل اليمن أن ينبذوا هذه الأطراف المأجورة وأن يركنوا للمخلصين من الأمة دعاة الإسلام ودولته ومشروعه النهضوي؛ حزب التحرير، ليعزوا في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرحمن العامري – اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر