اتفاق الحلو والبرهان هو حرب على الإسلام  ويضع إطاراً جديداً لتقطيع أقاليم السودان
April 07, 2021

اتفاق الحلو والبرهان هو حرب على الإسلام ويضع إطاراً جديداً لتقطيع أقاليم السودان

اتفاق الحلو والبرهان هو حرب على الإسلام

ويضع إطاراً جديداً لتقطيع أقاليم السودان

عقب توقيع البرهان والحلو إعلان المبادئ بين الحكومة السودانية، والحركة الشعبية شمال، أعلنت الخارجية الأمريكية، في بيان يوم الاثنين 2021/03/29م، عن ترحيبها غير المحدود، بهذا التوقيع وقالت الخارجية، إنها تتطلع لمزيد من الخطوات للوصول إلى اتفاق السلام والمضي قُدُماً في الانتقال التاريخي للسودان.

من جانبه أكد المبعوث الأمريكي للسودان دونالد بوث، أن بلاده حريصة على دعم السلام والتحول الديمقراطي في السودان خلال الفترة الانتقالية، وأشاد بالإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة الانتقالية مؤخراً، وقال بوث "إن هنالك بنوكاً أمريكية وغربية ترغب بالعمل في السودان"، ودعا إلى تهيئة المناخ الاستثماري في السودان لإتاحة الفرصة لدخول هذه البنوك الربوية، والشركات العالمية للقرصنة في المجالات المختلفة للسودان. (باج نيوز 2021/03/31م)، فالهيمنة على الثروة هي المحصلة النهائية للسياسة الأمريكية في السودان، فقد نقل موقع سودان تربيون في 4 نيسان/أبريل 2021م خبراً عن مسؤول رفيع في قطاع النفط بالسودان، كشف عن زيارة وشيكة لوفد من شركة شيفرون الأمريكية ذائعة الصيت، تمهيدا للدخول مجددا في مجال الاستكشاف النفطي، فكان من الطبيعي أن تنفرج أسارير الساسة في أمريكا بإعلان المبادئ الذي أبرم في جنوب السودان بين البرهان والحلو في 2021/03/28م، والذي يمهد لوضع جدول للتفاوض بينهما عبر الوسيط ديفيد بيزلي الأمريكي الجنسية، وعضو سابق في الكونغرس الأمريكي، ومدير برنامج الغذاء العالمي.

وبحسب وكالة سونا في 2021/3/29 "تلقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بمكتبه بالقصر الجمهوري اليوم، التهنئة من المبعوث الأمريكي للسلام في السودان دونالد بوث... بمناسبة التوقيع على إعلان المبادئ بين حكومة الفترة الانتقالية والحركة الشعبية شمال بقيادة الحلو بمدينة جوبا"، وأكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي خلال التوقيع أن هذه بداية حقيقية للفترة الانتقالية، بينما أعلن الحلو تقديره لموقف البرهان فقال: "نقدر موقف البرهان على توقيع اتفاق السلام وحرصه عليه... وإن إعلان المبادئ يتيح الحريات الدينية والعرقية"، فما هي حقيقة هذه الاتفاقية؟ ومن هم الذين وراءها؟ وما الفائدة التي تجنيها الأطراف الموقعة والمجتمع الدولي؟

من المعلوم أنه جرت جولات مكوكية في الغرف المغلقة، وجولات علنية، قبل هذا التوقيع، وهو ما لم يخفه الطرفان في ديباجة الاتفاق: "نحن وفدي كل من الحكومة الانتقالية لجمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان شمال واضعين في الاعتبار جميع المحادثة السابقة التي جرت بيننا..."، ومن المعلوم أن مهندس هذه الجولات المكوكية هو ديفيد بيزلي، حيث يعتقد عديد من خبراء الشأن الإنساني أن المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي يتجاوز مهامه الإنسانية إلى لعب دور سياسي، وكان ذلك جليا في مرافقته اللصيقة وظهوره القوي خلال زيارة حمدوك إلى مدينة كاودا، معقل رئاسة الحركة الشعبية في كانون الثاني/يناير الماضي، ثم حضوره اتفاقا بين الحلو وحمدوك في أديس أبابا في 2020/09/04م، لضمان عدم عرقلة عملاء الإنجليز للاتفاق الحالي في جوبا، الذي أشرف عليه بيزلي بنفسه باعتباره اللاعب المحوري في اتفاق المبادئ الموقع بين الحلو والبرهان، وكان حمدوك قد استغل خطأ البرهان في اتفاق التطبيع مع يهود، وقام بأعمال أحرجت البرهان وكادت أن تطيح به، فالوسيط الأمريكي بيزلي يسوق الحكام إلى هذه الاتفاقات، ويطمئن إلى البنود التي تتسق مع مخطط الإدارة الأمريكية في السودان، إن لم يكن هو كاتبها، لذلك فلا نستغرب أن يعبر عن نجاحه في إخضاع الطرفين للأوامر الأمريكية حيث قال بيزلي في 2021/03/30م: "إنه يوم عظيم، يوم سلام، لكن السلام لا يُصنع على الورق.. السلام يصنع في القلب، وقد اجتمع هؤلاء القادة حول قوة القلب.. هذه الروح هي الروح التي ستدفع جنوب السودان والسودان للأمام إلى مستقبل عظيم حيث سيكون جميع الأطفال سعداء، لأن القادة في هذا اليوم هم صناع السلام" (الجزيرة نت). نعم، بهذه الكلمات عبر ديفيد بيزلي مهنئاً الطرفين على اتفاق إعلان المبادئ، وباستعراض بنود الاتفاق يتضح الآتي:

أولاً: إن الاتفاق بدأ بالنفاق، والتطبيل، والتضليل، حيث ورد في البند (1): "اتفق الطرفان على العمل سويا لتحقيق سيادة السودان واستقلاله ووحدة أراضيه"، فأين هي الـسيادة المنشودة، وقد جعلتم المنفذ البحري الوحيد للسودان تحت حماية سفن حربية، وفرقاطات تابعة لقوى الشر؛ أمريكا وروسيا تراقبان صادراتنا وواردتنا، وتسيطران على حركة السفن والبواخر في ميناء بورتسودان؟! ثم إن القوات الدولية لا تزال قواعدها في دارفور وأبيي، أما القرارات السياسية فتضعها البعثة السياسية للأمم المتحدة التي استنجدت بها الحكومة الانتقالية منذ نشأتها! فما معنى السيادة عندكم أيها البرهان والحلو؟! ومن العجيب أنه قد وردت كلمة (استقلال) السودان! فهل انفك السودان من أوامر صندوق النقد والبنك الدوليين، أم صارت الحكومة بمعزل عن شروط السفارة الأمريكية، وتوجيهات السفارة البريطانية في الخرطوم؟! فالسودان لا يزال مستعمراً ومستحمراً يحتاج إلى تحرير.

ثانياً: دعا هذا الاتفاق إلى (وحدة أراضيه) أي أراضي السودان، وفي الوقت نفسه يقر ببند يأكل السودان من أطرافه ووسطه، حيث جاء في البند: (۲-۲): "وإذ نؤكد حق شعب السودان في المناطق المختلفة في إدارة شئونهم من خلال الحكم اللامركزي أو الفيدرالي"، وكان البرهان، وعملا بأحكام المادة 79 من الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة (2019 – 2020)، واتفاق جوبا للسلام في السودان الموقع سنة 2020، كان قد أصدر يوم الخميس 2021/03/04م مرسوماً دستورياً، ينص على إنشاء نظام الحكم الإقليمي (الفيدرالي) في السودان، وطالب المرسوم الدستوري جميع الجهات المختصة وضعه موضع التنفيذ، فهو (راكب رأسه) متوغلاً في تعريض البلاد إلى خطر التقسيم. إن الذي يسعى للوحدة، يجب أن يبحث عن مبدأ فيه من التفاصيل ما يصهر الناس في بوتقة واحدة، وبدستور واحد، فالنظام الصحيح للحكم هو ما جاء به الإسلام، حيث أمر بوحدة تامة وليس اتحاداً فيدرالياً تنفصل ولاياته بتشريعات مختلفة وقوانين متفاوتة، إنكم تخلطون بين الحكم والإدارة، ففي مادتين من مشروع دستور دولة الخلافة يتبين الأمران كما يلي: (المادة 16- نظام الحكم هو نظام وحدة وليس نظاماً اتحادياً). و(المادة 17- يكون الحكم مركزياً والإدارة لا مركزية)، فمعنى الحكم مركزي هو أن القيام بالسلطة محصور برأس الدولة للحفاظ على وحدة البلاد. ومعنى الإدارة لا مركزية هو أن الحاكم الذي يعينه لا يرجع إلى من عينه في الأمور الإدارية، وإنما يقوم بها حسب ما يرى، بمعنى أن تصريف الأمور الإدارية المتعلقة بالولاية المعنية يجتهد فيها الوالي ولا يرجع لرأس الدولة... فهذا الخلط بين الحكم والإدارة هو الذي جعل البرهان والحلو يوقعان على بند يفرّق أهل السودان ولا يجمعهم. هذا إن أُحسن الظن بهما، وإلا فهما عميلان ينفذان ما يملى عليهما!

ثالثاً: إن هذا الإعلان الموقع بين الحلو والبرهان يؤكد في البند (۳-۲) "تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية في السودان"، وهذا النص وُضِع خصيصاً لتلبية رغبات أمريكا، وذلك بإقرار السير في إبعاد الدين عن الحياة، وتبني الديمقراطية المخالفة للإسلام، ويؤكد الرغبة الجامحة والاستعداد الكامل لتنفيذ المخطط الأمريكي الموضوع لتفتيت السودان عبر الإطار الجديد (الفيدرالية)، وليس عبر حق تقرير المصير الذي أعلنه الحلو ثم تراجع عنه. أما عبارة (دولة مدنية)، فهي للاستهلاك، وتطمين للرأي العام لا أكثر، حيث إن الحلو والبرهان كلاهما من عسكر أمريكا وأدواتها، ويعملان لصالح النفوذ الأمريكي في السودان. فقد قال البرهان في لقاء مع صحيفة الشروق المصرية، ونشرته وكالة الأناضول في 2020/11/28م "إن رفع اسم السودان من تلك القائمة ليس غاية في حد ذاته، فهو لن يقود إلى منفعة مباشرة". فالبرهان يعلم أن هذه التنازلات ستذهب هباء منثورا، ولن تفيد السودان بشيء، ومع ذلك يؤكد في اللقاء استعداده للخدمة قائلاً: "... استخدام ما لدينا من أدوات وإمكانيات تحتاجها أمريكا..."، وقال: "أمريكا ليست جمعية خيرية تعطي بلا مقابل، فقط علينا أن نحسن التعريف ببلدنا وموارده وما يمكن أن تجنيه واشنطن..."، إن سياسيي الفترة الانتقالية ليس في خاطرهم مصالح البلاد، ولا يشغل بالهم معاش العباد، إنهم منشغلون بإرضاء أسيادهم في واشنطن ولندن.

رابعاً: إن من أخطر الأمور التي تتعلق بتغيير هوية السودان هو ما جاء في البند (١-٢) حيث يسوقون للتفتيت، وإبعاد دين الإسلام، وهو هدف جوهري في هذه الاتفاقية، فقالوا: "السودان بلد متعدد الأعراق والديانات والثقافات لذلك يجب الاعتراف بهذا التنوع وإدارته ومعالجة مسألة الهوية الوطنية"، هذا البند موجود في كل دساتير السودان السابقة بما فيه دستور نيفاشا للعام 2005م، الذي قصم ظهر السودان، وهو مقدمة منطقية لإيهام أهل السودان باستحالة الوحدة... إن هذه الأعراق والثقافات والموروثات التي تسعى الأطراف لتثبيتها في الدستور هي عوامل تفرقة، يجب على أهل السودان محاربتها كما حاربها الإسلام.

خامساً: وتتواصل المؤامرة في البند (٢-۳) من هذه الاتفاقية فيعلن البرهان والحلو حربهما الضروس على الإسلام وأحكامه، وإبراز العلمانية كأنها المنقذ لأهل السودان، فقد وقّعوا على "... أن لا تفرض الدولة دينا على أي شخص، ولا تتبنى ديناً رسمياً... على أن تضمن هذه المبادئ في الدستور". وبالرغم من أن البلاد ومنذ خروج المستعمر الإنجليزي لا تُحكم بالإسلام، فالأنظمة جميعها العسكرية، والمدنية، والانتقالية المخلوطة، وغيرها كلها علمانية، لكن تضليلاً للرأي العام الإسلامي كانوا يذكرون في دساتيرهم أن "دين الدولة هو الإسلام"، فما كان الإسلام إلا في الأحوال الشخصية، وبعض أحكام العقوبات التي أُدخلت في فترة حكم النميري والنظام البائد. فالعلمانية المطلوبة اليوم هي للقضاء على ما تبقى من تلك الأحكام في الأحوال الشخصية وبعض العقوبات، لذلك ذكروا في البند (۲-٤) "يجب أن تستند قوانين الأحوال الشخصية على الدين والعرف والمعتقدات بطريقة لا تتعارض مع الحقوق الأساسية"، فهم ذكروا الدين غير أنهم استدركوا الأمر وقالوا "بطريقة لا تتعارض مع الحقوق الأساسية"، التي هي المواثيق الدولية مثل سيداو وغيرها... وكانت أكثر وضوحاً في البند (٢-٦) الذي يقول: "تدرج حقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل والواردة في المعاهدات الدولية "التي صادق عليها السودان" في اتفاقية السلام". ثم إرضاء للغرب المستعمر الذي يصر على تضمين أحكامه وأنظمته في دساتير بلاد المسلمين للتوغل في إقصاء الإسلام بالكلية وضعوا البند (۷-۲) الذي ينص على: "التأكيد على اتخاذ حكومة السودان التدابير اللازمة للانضمام للمواثيق والمعاهدات الدولية والأفريقية لحقوق الإنسان التي لم تصادق عليها جمهورية السودان"، وسرعان ما تواترت الأنباء أن السودان ينوي الانضمام للمحكمة الدولية...

سادساً: لم يقف الأمر عند هذا الحد، ولم تكن هذه الاتفاقية لتسيير الفترة الانتقالية فحسب، بل يصر الطرفان على أن تكون جزءاً من وثيقة الدستور الدائم للسودان، فقالوا في البند (٥): "يعتبر ما تم الاتفاق عليه بين الطرفين من ضمن عملية تطوير الوثيقة الدستورية لكي تصبح دستورا دائما بنهاية الفترة الانتقالية"...

وختاماً: نحن نعلم أن السودان يمر بفترة انتقالية هزيلة، متهالكة، تتصارع فيها أمريكا وأوروبا، ونعلم أن الشعب قد أنهكه هذا الصراع، وانشغال الحكام بأنفسهم وبأسيادهم، فهم لا يقيمون وزناً لحاجات الناس الأساسية؛ من المأكل، والمشرب، والمسكن، والتطبيب، والتعليم، والأمن، وغيرها، فالبلد في أضعف حالاته اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وحالة مزرية من السيولة الأمنية التي صنعها العملاء، فوجد الغرب المستعمر بيئة تتناغم مع أجندته المتعلقة بمحاربة الإسلام، وتثبيت النظام الرأسمالي العلماني في السودان، بل وتقطيع أوصاله إلى دويلات تقضم بعضها بعضاً، فأصبح الناس أحوج ما يكونون إلى العمل ومساندة أبنائهم في حزب التحرير الذين يحملون مشروعاً يقيم أحكام الإسلام في دولته؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تثبت أركان الدنيا بعدله، وتعيد الحياة إلى هذا البلد، ليصبح بسماحة أحكامه، واستقراره، وجهة للبشرية جمعاء.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

يعقوب إبراهيم (أبو إبراهيم) – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر