أيها العلماء أنتم أمناء الله على خلقه فانصروا العاملين لإقامة الخلافة بل كونوا في مقدمة دعاتها
February 26, 2021

أيها العلماء أنتم أمناء الله على خلقه فانصروا العاملين لإقامة الخلافة بل كونوا في مقدمة دعاتها

أيها العلماء أنتم أمناء الله على خلقه
فانصروا العاملين لإقامة الخلافة بل كونوا في مقدمة دعاتها


إن العلماء هم ورثة الأنبياء لقوله ﷺ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» وهم أمناء الله على خلقه ويبينون للأمة الحلال والحرام والحسن والقبيح والخير والشر، وعلى ذلك فموقع العلماء في الأمة أعلى وأجل من موقع الحكام، فالحكام إذا فسدوا فسدت العامة، إلا إذا انبرى لهم العلماء، أما العلماء إذا فسدوا والأمة معا. وهل فسدت الأمم السابقة إلا بفساد أحبارها؟


وبما أن العالم هو وريث النبي فعليه القيام بمهمة النبي في الأرض، والنبي ﷺ أقام حكم الله في المدينة المنورة ونشر الإسلام في ربوع الأرض، فعلى كل عالم أن يعمل لإقامة حكم الله في الأرض كالنبي لأنه هو الوريث، وهم الذين وجب عليهم نصح القائمين على أمر الناس من الحكام والسياسيين فكانوا الدواء الذي يخفف الجراح ويصف الدواء، فكانوا حقا كما قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتْ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ» رواه أحمد، وقال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه عن عبد الله عن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» رواية البخاري، وفي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ويكفي في شرف العلماء وعظم مسؤولياتهم اقترانهم باسم المولى سبحانه واسم ملائكته في قوله: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وقد رفع الله تعالى شأن العلم وأهله، وشرفهم وكرمهم، ورفع منزلتهم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ. إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» رواه الترمذي.


ولقد أدرك العلماء عبر تاريخ الأمة الممتد من عهد النبوة إلى عهد الخلافة العثمانية، أنهم منارات الهدى التي تهدي إلى الحق، فهم من قرأ قول الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ وهم من سطروا لنا مواقف المحاسبة وقول الحق والصدع به مهما كانت الصعاب، لذا وجب على العلماء الربانيين، الذين يخشون الله تعالى، العمل مع المخلصين من أبناء الأمة، لبيعة شرعية، لحاكم شرعي ليكون خليفة للمسلمين، يسوس الأمة بالإسلام ويوردها موارد الخير.


وعلماء الأمة هم مثال للخير في كل زمان، ونسوق بعض الأمثلة لهؤلاء العلماء الربانيين، على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله، الذي عند ظهور خطر التتار، نصح الأمير قطز بجمع الأموال من الأمراء للإعداد للحرب، وطالبه بألا يأخذ من الناس ضرائب، إلا بعد أن يخرج المسؤولون أموالهم، فعمل الأمير قطز بنصيحته، وهذا الإمام أبو حنيفه شيخ الفقهاء في العراق، عرض عليه تولي القضاء فرفض، وقال للحاكم: (لا يتولى القضاء إلا رجل يكون له نفس يحكم عليك وعلى ولدك وقوادك، وليست تلك النفس لي)، حبس وكان يخرج من السجن كل مرة فيضرب عشرة سياط، حتى ضرب مائة وعشرة سياط، ومنع من الفتوى، ولم يغير ولم يبدل، ولم يتراجع عن قول كلمة الحق. والإمام مالك منع من رواية النبي ﷺ الذي يقول: «لَيْسَ عَلَى مُسْتَكْرَهٍ طَلَاقٌ» لأن الناس قاسوا على هذا الحديث أنه ليس مستكره بيعة فأمر الحكام مالكا رضي الله عنه، ألا يروي هذا الحديث، إلا أنه رفض، فضرب سبعين سوطا. والإمام البخاري الذي نفي لأنه لم يرض بأن يذهب إلى قصر الوالي، ليدرس أبناءه هناك، فأبى أن يذهب قائلا: (في بيتي يؤتى العلم)، وظل على ذلك حتى مات، يرحمه الله تعالى. والإمام الشافعي، وقف ضد والي اليمن، الذي كان يظلم الناس، وأنكر عليه الشافعي، ومنعه من إيقاع الظلم بالرعية، فدبر له الوالي، وكاد أن يقتل بعد أن حكم عليه بالقتل، إلا أن الله نجاه. والإمام أحمد الذي كان يقول: (إذا أجاب العلم تقية والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟) فقد ضرب هذا الإمام الكريم، في فتنة خلق القرآن، حتى فقد الوعي، فلم يرجع عن رأيه وموقفه الشرعي، وقد غضب عليه الحاكم، حتى بلغ جلادوه مائة وخمسين جلادا. وضرب مرات ومرات، في إحداها بلغ الضرب مائة وعشرة أسواط. وقد كان الإمام أحمد يقول لمن معه، كيف تصنعون بحديث خباب «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يُنْشَرُ أَحَدُهُمْ بِالْمِنْشَارِ، لَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» قال فَأَيِسْنَا مِنْهُ. وحديث خباب الذي يقصده هو ما رواه الإمام البخاري والإمام أحمد في مسنده وغيرهما: عن خباب بن الأرث قال شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» البخاري. والإمام ابن تيمية، الذي سجن في قلعة الإسكندرية، بسبب آرائه الفقهية، منع مرارا من الدرس والتعليم والاختلاط بالناس، وقد أدخل السجن لفترات عدة، بلغت سبع مرات، حتى توفي في قلعة دمشق. ومنهم سعيد بن جبير ومنهم أبو حازم التابعي وغيرهم كثير...


ومتى ما كانت مواقف العالم كذلك كانت أقرب إلى الصدق والثبات وأحرى أن تطمئن لها النفوس وتجتمع عليها القلوب، فالعلماء يصححون العقائد الفاسدة والأفكار الخاطئة بين الناس ويصدعون بكلمة الحق بجرأة وصراحة وقوة فكر، لا يخشون في الله لومة لائم، بغض النظر عن مكانة الشخص الذي أمامهم، سواء أكان من الحكام أم من السوقة، فالصراحة والقوة والفكر وتحدي كل ما يخالف الشرع، والتصدي للباطل هو ديدنهم، فإن كان هذا للمسلم واجبا فإنه للعلماء أوجب وآكد، لأن العالم يعلم علم اليقين بأن الله هو الرزاق والمحيي والمميت والضار والنافع، وهو الذي بيده مقاليد كل شيء، فلا يتسرب إلى قلب العالم المؤمن أي خوف أو جبن، يشع مهابة بين الناس، تحترمه الرعية ويهابه الراعي، فكلمة من لسانه تحرك الجماهير، وتزعزع السلاطين، وما سبب ذلك إلا العلم الذي كرمه الله تعالى به.


وإن الواجب الشرعي على علماء المسلمين أن يعلنوا بشكل واضح لا لبس فيه أن المطلوب شرعا من المسلمين اليوم هو إسقاط الأنظمة الطاغوتية العميلة كونها قبل كل شيء أنظمة لا تحكم بالإسلام وهي حرب على المسلمين سلم لأعدائهم، وأن يبينوا أن الطريقة يجب أن تكون بحسب طريقة الرسول ﷺ يقوم به علماؤهم ووجهاؤهم وعامتهم وأهل القوة فيهم، بأيديهم لا بأيدي أعدائهم وأن يبينوا لأهل القوة في البلاد الإسلامية أن عليهم واجبين شرعيين هما: حماية أهلهم من مكر الكفار المستعمرين وعدوانهم، ونصرة دينهم من أجل إقامة دولة الخلافة كما فعل أنصار الله ورسوله في المدينة المنورة، وأن يدرك العلماء مسؤوليتهم العظيمة في توعية المسلمين على مخاطر الهجوم على الإسلام وعلى مشروعهم لإقامة الخلافة، وأن ينكروا على الحكام قولا وعملا، وأن يشكلوا مع الأمة قوة فاعلة للتغيير ويبينوا أن المطالبة بالدولة المدنية أو العلمانية اللادينية هي دعوة باطلة لأن أنظمتها أنظمة كفر يحرم أخذها أو تطبيقها أو الدعوة إليها، وأن يبينوا حرمة التدخل الأجنبي في بلاد المسلمين سواء أكان من أمريكا ودول أوروبا، أم من روسيا والصين. وحرمة المطالبة بتدخل مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة وكل المؤسسات والمنظمات الاستعمارية في قضايا المسلمين وشؤونهم الداخلية، لأن قوانينهم قوانين كفر، وأهدافهم مربوطة بأهداف الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا، وعلى العلماء إن أرادوا أن يكونوا ربانيين أن يعلنوا أن حالة المسلمين في جميع بلادهم واحدة والحل الشرعي لها واحد، وأن يقولوا للظالمين ظلمتم وللمفسدين أفسدتم، لا يخافون في الله لومة لائم، الذين لا يهابون سلطانا جائرا أو حاكما جبارا.


وسوف أذكر لكم مقتطفات من كلمة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير في رسالته التي وجهها للعلماء في مؤتمر أقيم في إندونيسيا (يا علماء المسلمين: لقد وصفكم رسولنا الكريم أنكم أمناء الله على خلقه وورثة الأنبياء فإن أديتم ما يتطلب منكم وصفكم هذا، فسعادة البشرية وصلاح الدنيا يتوقف عليكم، فإذا فسد العلماء وكانوا خونة بدل أن يكونوا أمناء فأين عندها يكون صلاح الدنيا وسعادة البشرية، فكونوا بحق أمناء الله على خلقه، أنتم ورثة أنبيائكم، فتسعدوا ويسعد الناس بكم.


أيها العلماء: قفوا في وجه الظالمين، ولتكن مواقفكم قوية في وجه الظلمة ولتكونوا منارات يهتدي الناس بها ليسير الناس خلفكم وليذق الظالمون وبال أمرهم ولا تبتعدوا عن منهج الله وقول رسوله «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» فتشجعوا الظلمة على الطغيان وتفسد الأرض.


أيها العلماء الأفاضل: تعلمون أن الرسول ﷺ قد بعث بالإسلام العظيم، ليس ليتلى بالألسن فحسب، وإنما ليطبق على الناس في الأرض، فتكون له دولة تقيم حدوده، وتطبق أحكامه، وتجاهد به حق جهاده، وتقيم العدل وتنشر الخير في ربوع العالم.


أيها العلماء الأفاضل: كان المسلمون طوال عهد خلافتهم أقوياء بربهم أعزاء بدينهم، وإذا قالوا قولة دوت في جنبات الدنيا، وإذا فعلوا فعلا أدخل الرعب في قلوب الكافرين، يخاطب خليفتهم السحاب بأن يمطر حيث شاء، فراية الخلافة حيث أمطر وتصرخ امرأة ظلمها قائد رومي فتقول وامعتصماه فيجيبها الخليفة بجيش يقوده فيهزم عدوها ويقتص من ظلمها ويعيد لها كرامتها وأمنها... ويؤسر ملك فرنسا فلم تجد فرنسا من تستغيث به لينقذ ملكها من الأسر سوى خليفة المسلمين سليمان القانوني رحمه الله، هكذا كان المسلمون طوال عهد خلافتهم، سادة الدنيا، وقادة الخير بل والأوائل في كل شيء: في الصناعة والعلوم كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك ويكفي شاهد على قوة علمهم وصنعهم أنهم أهدوا ساعة من صنعهم إلى شارلمان إمبراطور الفرنجة، ملك ملوك أوروبا آنذاك، فلما دقت الساعة وفتحت أبوابها... ظنها حاشيته، وهم علية القوم، ظنوها من صنع الجن ومملوءة بهم! هذا بعض ما كنا عليه من خير في عهد خلافتنا، فكيف أصبحنا بعد أن زالت خلافتنا، لقد تفرقنا شذر مذر، وأصبحت بلادنا الواحدة فوق خمسين مزقة، كل واحدة تسمى دولة أو دويلة، نهبت ثرواتنا. فنحن في بلاد الطاقة "البترول والغاز" ومع ذلك فهو يسحب إلى الكفار المستعمرين، لينيروا به بلادهم، ويحركوا بطاقته مصانعهم، ويحتل يهود فلسطين أرض الإسراء والمعراج، أولى القبلتين، وثالث الحرمين ويعاث فيها الفساد والإفساد وتلك كشمير يحتلها الهندوس، ويقترفون فيها سفك الدماء الزكية، ويرتكبون الجرائم الوحشية وتلك قبرص اقتطعت من الأرض الأم (تركيا) وللكفار اليونان اليد الطولى في معظمها، وتلك تيمور الشرقية اقتطعت من الأرض الأم (إندونيسيا) وذلك القوقاز بشيشانه وأنجوشه...، يحتله الروس ويسفكون فيه الدماء...، ثم تلك أمريكا تحتل العراق وأفغانستان وتتجاوزها إلى العدوان على باكستان، وتلك سوريا وليبيا واليمن وما يحدث فيها من مجازر وحشية... وتلك... وتلك... والحكام في بلاد المسلمين يتفرجون ويلهون كأن ما يحدث هو في جزر الواق واق، وليس في بلاد المسلمين، وذلك لأنهم تركوا الإسلام وراء ظهورهم، ووصلوا للحكم بتنصيب المستعمرين، فهم أدواتهم فيما يصيب بلادنا من ذل وهوان، وانتقاص وعدوان، أما من حيث السيادة والقيادة، فالمسلمون أصبحوا في ذيل الأمم، تناقش قضاياهم في غير بلادهم، وبأيد غريبة عنهم... هكذا كنا وهكذا أصبحنا، فهل إلى صلاح من سبيل؟


أيها العلماء الأفاضل: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، عودة الخلافة الراشدة في بلاد المسلمين، فهي قضية المسلمين المصيرية، بها يعزون ويفوزون في الدارين بإذن الله، وبدونه يذلون ويصبحون كالأيتام على مائدة اللئام. إن صلاح أمر الأمة هو بعودة الخلافة الراشدة، وبيعة الخليفة الراشد، الذي يجمع شمل المسلمين، ويقيم العدل وينشر الخير، فيعيش المسلم رجلا كان أو امرأة في بحبوحة من العيش، في أمن وأمان، في سكينة واطمئنان، عبدا لله، قويا بربه، عزيزا بدينه، لا يخشى في الله لومة لائم، وعندها ينال المسلمين خير الأرض وخير السماء، فتخرج الأرض كنوزها، وتنزل السماء خيراتها ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، ثم إن إقامة الخلافة ليست قضية مصيرية لأنها مبعث عز المسلمين، وسر منعتهم وقوتهم فحسب، بل لأنها أولا وآخرا فرض، فهي طوق النجاة للمسلم من الميتة الجاهلية، فرسول الله ﷺ يقول: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن عمر.


أيها العلماء الأفاضل: إن الإسلام دون دولة لا يمكن أن يطبق كاملا لأن أحكامه لا يمكن تطبيقها دون خليفة، فلا تقام الحدود ولا تفتح الفتوح، ولا تحفظ بيضة الإسلام إلا بالإمام، أي الخليفة.

أيها العلماء الأفاضل: لقد أدرك حزب التحرير أن الخلافة هي القضية المصيرية للمسلمين، وأن إقامتها فرض وأي فرض، ولذلك فهو قد عمل لإقامة الخلافة، ولا زال، منذ أكثر من نصف قرن، تعرض خلاله للأذى والاعتقال والسجن والتعذيب الذي أفضى في بعض البلاد الإسلامية إلى استشهاد أعداد من شبابه، ومع ذلك فقد بقي ثابتا على الحق لا يخشى في الله لومة لائم، مؤمنا بالله ورسوله صادقا مخلصا بإذنه سبحانه، حتى نجح بإذن الله في أن يجعل الخلافة رأيا عاما عند المسلمين، ومطلبا حيا لهم على الرغم من كل أضاليل الكفار وعملائهم. ثم إن الخلافة أصبحت تتراءى أمام الحزب.


أيها العلماء الأفاضل: إننا نقول لكم آزرونا وانصرونا وأعينونا واعملوا معنا وشاركونا هذا الخير، فإننا مطمئنون بنصر الله وعونه، وقرب بزوغ فجر الخلافة من جديد، وإن عز الإسلام والمسلمين بإذن الله ليس عنا ببعيد، وإن هذا لكائن بإذن الله مصداقا لوعده سبحانه لعباده الصالحين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ وتحقيقا لبشرى رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» رواه أحمد.


فيا علماء الأمة أنتم أمناء الله على خلقه وإن الدين أمانة، والنصيحة أمانة ولقد آن لكم أن تكرسوا جهودكم لتوحيد أمتكم، وإقامة شرع الله ببيعة خليفة على منهاج النبوة، وها هو حزب التحرير يعمل لإقامتها فانصروه.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد الفهد – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر