أين وصل العالم اليوم؟
March 06, 2021

أين وصل العالم اليوم؟

أين وصل العالم اليوم؟


إن الرأسمالية مبدأ مسخ جلب للعالم الويلات تلو الويلات، الرأسمالية التي كانت بداية ثورة على سلطة الكنيسة وإذلالها للناس حولت الناس من العبودية للكنيسة إلى العبودية للشهوات والانحرافات والتخلفات الرجعية التي جعلت الإنسان أقرب ما يكون حيوانا يقوم بما يحلو له دون أن يُعمل عقله وفطرته، الرأسمالية التي أسقطت الإنسان في دركات الجاهلية العمياء ما تركت ناحية من النواحي إلا وأفسدتها حتى وصل العالم لما وصل له اليوم.


حال البلاد الإسلامية: إننا إذا نظرنا إلى بلادنا الإسلامية لما احتجنا إلى كثير مقال حتى نبين ما الذي فعلته بنا الرأسمالية حتى سرقت ثرواتنا وأموالنا يبيعها الحكام الأنذال بثمن بخس دراهم معدودة للغرب الكافر المستعمر الذي لم يترك شيئا من ثروات البلاد الإسلامية إلا ووضع عينه عليها، حتى أصبحت بلادنا ساحة قتال وصراع بين دول الغرب المختلفة المتنافسة على ثروات هذا البلد أو ذاك.


ولعلنا لا نحتاج إلى الحديث الوضع السياسي في بلاد الإسلام التي جعلت المسلمين أذلة لا يجرؤ أحد منهم على الثورة على النظام الفاسد أو قول كلمة الحق دون أن يحسب لسجنه أو تعذيبه أو حتى قتله أي حساب، فالحكام العملاء عملوا جاهدين على سحق كل من تسول له نفسه الخروج على النظام الذي وضعه الغرب ونصبهم على رأسه، وذلك حتى يجعلهم منقادين له راضين بالخيانة التي يقوم بها هؤلاء الخونة.


ولعل الناحية الاجتماعية في بلاد الإسلام أقل ما تعاني لأن الأحكام الشرعية الاجتماعية بقي الناس يطبقونها في حياتهم حتى اليوم ومع ذلك يحاول الغرب عن طريق عملائه من حكام وجمعيات ومنظمات زعزعة النظام الاجتماعي عن طريق محاولة تطبيق اتفاقية سيداو وما ينبثق عنها من أجل جعل المجتمعات في البلاد الإسلامية مجتمعات منحلة كما هو الحال في المجتمعات الغربية.


وليس النظام الصحي أو التعليمي بناجٍ في بلادنا الإسلامية من ضنك الرأسمالية التي تجعل القوي يعيش على حساب الضعيف حتى أصبحنا في مجملنا نأخذ الفتات في الأمر كله، وقس على حالنا ما يحصل في الدول الفقيرة المنتشرة في شتى بقاع الأرض...


أين وصل العالم الغربي اليوم؟ على الصعيد الغربي وإذا ما نظرنا لدول الغرب لوجدنا كيف أشقت الرأسمالية أهلها وأعيتهم حتى أصبحوا هم أنفسهم يكرهون مبدأهم المطبق عليهم بشهادتهم هم، ففشل النظام الرأسمالي شمل كل النواحي؛ فعلى الصعيد السياسي كشفت دراسة نشرتها صحيفة التايمز البريطانية أن شباب جيل الألفية في الدول الديمقراطية في جميع أنحاء العالم يشعرون بخيبة أمل من نظام الحكم أكثر من أي جيل شاب آخر؛ فقد أظهر مسح لما يقرب من 5 ملايين شخص أن الشباب في العشرينات والثلاثينات من العمر، المولودين بين عام 1981 و1996، كان لديهم إيمان أقل بالمؤسسات الديمقراطية مما كان عليه آباؤهم أو أجدادهم في المرحلة الحياتية نفسها. وذكر التقرير أنه من بين 2.3 مليار شخص في البلدان التي شملها التقرير، فإن 1.6 مليار، أو 7 من كل 10 أشخاص، يعيشون في دول يتناقص فيها الرضا الديمقراطي من جيل إلى جيل. ولقد شهد العالم أجمع ما فعله ترامب ومؤيدوه عندما ثاروا على ديمقراطيتهم المزعومة عندما لم تعجبهم فلفظوا مبدأهم وتصرفوا بهمجية جعلت الغرب يقف مصدوما من صنيعهم.


أما من الناحية الاجتماعية فقد كشفت العديد من الدراسات المنشورة عن وضع المرأة السيئ جدا في بلاد الغرب؛ فقد رصدت إحصائيات عن اغتصاب امرأة كل 3 ثوانٍ بأمريكا، كما كشفت إحصائيات أخرى عن قتل مليون طفل سنويا في أمريكا ما بين إجهاض متعمد أو قتل فور الولادة، كما بلغت نسبة الطلاق في أمريكا 60% من عدد الزيجات، وفي بريطانيا 170 شابة تحمل سفاحاً كل أسبوع، وفي إسبانيا سجلت الشرطة أكثر من 500 ألف بلاغ اعتداء جسدي على المرأة في عام واحد وأكثر من حالة قتل واحدة كل يوم، وفي أمريكا 74% من العجائز النساء فقيرات و85% منهن يعشن وحيدات دون أي معين أو مساعدة، كما أن مليون امرأة تقريباً عملن في البغاء بأمريكا خلال الفترة من 1980م إلى 1990م... والكثير من الدراسات التي ترينا بكل وضوح مدى سوء وضع المرأة.


إن الأرقام الواردة أعلاه في ازدياد مستمر إلى يومنا هذا مما جعل النساء يسارعن في الدخول إلى الإسلام الذين يجدن فيه ما ضيعته منهن الرأسمالية الوحشية، فوفقا لاستطلاعات مركز بيو للأبحاث فإن الإسلام من أكثر الديانات المتنامية في أمريكا، فقد وصل عدد الأمريكيين المعتنقين للإسلام إلى نحو مئة ألف شخص سنويا، ووفق دراسة لجامعة لينشبرغ فإن نسبة الأمريكيات اللاتي اعتنقن الإسلام مقارنة بالذكور هي أربعة إلى واحد، وفي بريطانيا وفقا لصحيفة "الإندبندنت" يزداد عدد معتنقي الإسلام سنويا إلى أكثر من خمسة آلاف بريطاني، تصل نسبة النساء منهم إلى 75%.


أما في الناحية الاقتصادية فلسنا بحاجة إلى أن نذكر كيف أن النظام الرأسمالي الاقتصادي قام بسحق الغالبية من الناس من أجل قلة قليلة منهم قاموا بتوزيع ثروات العالم عليهم ثم تركوا الفتات للباقي! فالتفاوت الصارخ في الثروة أصبح السمة الطاغية في عصرنا هذا، ولعل الجميع يعلم أن النظام الرأسمالي يجعل العاجز غير مستحق للحياة فتتركه للتسول ولا تضمن له حياة كريمة. ولقد شهد العالم أجمع عجز كل دوله عن التعامل مع أزمة كورونا وتضحيتهم إما بصحة الناس أو باقتصادهم، فقد ذكرت دراسة أجراها المعهد الأمريكي للدراسات السياسية أن هناك 643 مليارديرا في الولايات المتحدة الأمريكية، ارتفعت ثروتهم بنسبة 29% منذ بداية تفشي جائحة كورونا، في الوقت الذي خسر فيه الملايين وظائفهم حول العالم، هذا بالطبع مع عدم استعداد هؤلاء الأغنياء لمساعدة الفقراء؛ فقد كشفت دراسة أجراها فريق مشترك من الباحثين من عدة جامعات دولية أن الأغنياء لا يهتمون كثيراً بإعادة توزيع الدخل لتحقيق العدالة الاجتماعية، وأن صانعي السياسة في كثير من الدول - متضمنةً الديمقراطيات الكبرى - يتجنبون الحديث عن إعادة توزيع الدخل؛ لقناعتهم بصعوبة استجابة الناخبين لفكرة توزيع جزء من ثرواتهم على مَن هم أقل منهم دخلاً.


ما البديل إذن؟ إن البديل غير واضح أبدا لدى الغرب، ولكننا نعلم علم اليقين أن البعد عن التشريع الإلهي لن تكون نتيجته إلا الهلاك والضنك، ونعلم أن العالم أحوج ما يكون اليوم لعدالة الإسلام ورحمته، وإننا لنعلم أن نظام الإسلام هو وحده القادر على إنقاذ العالم اليوم من الويلات التي يعيشها؛ ففيه نظام سياسي جلب للعالم الرحمة بتطبيقه، نظام عادل من عند رب العالمين الأعلم بمخلوقاته وبما يصلح حالهم، نظام يسعى من أجل رعاية شؤونهم كما أراد رب العالمين يجعل التشريع فيه لرب العباد بدلا من وضع التشريع بيد البشر الذين لن يجلبوا لأنفسهم سوى الضنك دون أن يدركوا، فهذا النظام السياسي الإسلامي الذي يطبق أحكام الإسلام في النواحي الاقتصادية التي تضمن حياة كريمة لكل فرد حتى لو كان عاجزا تطبق نظاما اقتصاديا عادلا، وأما إذا تحدثنا عن النظام الاجتماعي الإسلامي الذي يسعى من أجل حفظ المرأة وإكرامها ووضعها في الموضع الصحيح الذي أراده لها رب العالمين فسنجد كيف أن المرأة كانت مكرمة معززة في ظل تطبيق الإسلام وهي لا زالت حتى اليوم، فنظام عادل كنظام الإسلام حكم العالم على مدى ثلاثة عشر قرنا كان فيه الناس يدخلون في دين الله أفواجا، وإن ذلك ليس عنا ببعيد.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نسرين عقل – الأرض المباركة (فلسطين)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر