أين وصل العمل لإقامة الخلافة؟
August 23, 2017

أين وصل العمل لإقامة الخلافة؟

أين وصل العمل لإقامة الخلافة؟

حين أراد الله إظهار دينه والتمكين لنبيه ﷺ وصحابته في المدينة، هيأ الله الظروف المناسبة لنشوء كيان الإسلام السياسي في المدينة، والتمكين له ليكون ذلك الكيان مشعل النور في الأرض، وناشر الدين الحنيف، وهادي البشر إلى خير السبل.

فمن حيث الظروف الداخلية، فقد روت عائشة رضي الله عنها أنه كان مما منّ الله به على نبيه ﷺ حين أراد إظهار دينه أن حرب بعاث كانت قد حصدت رؤوس الأوس والخزرج، أي لم يكن في المدينة زعماء أقوياء بالقدر الذي كان موجودا في مكة أو الطائف للحيلولة دون تمكين نشوء دولة الإسلام في المدينة. هذا من جهة الظرف الداخلي.

أما من حيث الظروف الخارجية التي تهيأت لنشوء الدولة، فكان أهمها احتدام الصراع بين إمبراطورية الفرس وإمبراطورية الروم، والفساد الذي استشرى لدى الإمبراطوريتين، والظلم والفقر الذي شمل معظم الشعوب التي خضعت لتلك الدولتين.

ومع أن ولادة الخلافة اليوم متوقعة تحت أي ظرف دولي أو إقليمي، إلا أن المرء لا يكاد يصدق ما يراه من أحداث (وليس الحديث هنا عن البشارات من القرآن والسنة)، أحداث تتجمع تهيئة من العزيز الجبار لولادة دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة. فعدونا يضعف ويتقهقر، والأمة الإسلامية في حيوية ووعي مستمرين، والحزب في قوة وتقدم.

وقد كنت قد تناولت هذا الموضوع قبل خمس سنوات، وها أنا الآن أقوم بتحديثه موضحا بعض الأمور وذاكرا الجديد من الأمثلة والأحداث التي تصب في صلب الموضوع، لأؤكد بذلك تهيئة المولى عز وجل المستمرة لولادة الخلافة من جديد.

فعلى مستوى العدو:

1. انحرف الغرب وعلى رأسه أمريكا عن أسس المبدأ الرأسمالي وبان زيف شعاراتهم حول الحرية وحقوق الإنسان ونشر الديمقراطية وأمثالها. ومن الأمثلة على ذلك:

أ. ما شاهدناه من قتل لنصف مليون طفل في العراق عام 1991م ناهيك عن الرجال والنساء في عامي 1991م و2003م وما بعدها.

ب. ما صرح به بوش الابن في أكثر من مناسبة بأن الرب قد تحدث إليه وأخبره أن يقوم بكذا وكذا، هذا بالرغم من أن أمريكا دولة رأسمالية يفترض بها وفقا لمبدئها أن تفصل الدين عن الحياة!

ج. ما جرى في سجون أبو غريب وغوانتنامو عام 2003 وغيرها...

د. أعلنت أمريكا صراحة أنها تتجسس على مكالمات رعاياها، لا بل وتجسست على مكالمات ميركل وغيرها.

ه. سألوا ماي إن كانت ستوافق على توجيه ضربة نووية تقتل مئات الآلاف من الأبرياء رجالاً ونساء وأطفالاً... فكان جوابها بنعم!

بيان زيف شعارات أمريكا جعل الشعب الأمريكي يحس بثقل أن يكون مكروهاً في العالم وغير مرحبٍ به للتدخل في شؤون الدول، فما أن يحضر الرئيس الأمريكي أو وزير خارجيته مؤتمراً أو يعقد اجتماعاً حول العالم، إلا ويُستقبل - من غير المسلمين - بفتور أو سخرية أو مسيرات ومظاهرات منددة به وبأمريكا. ومن الأمثلة على ذلك:

أ. نقل المركز العربي للدراسات المستقبلية مقالا بتاريخ 2014/01/02 عنوانه "استطلاع في 65 دولة: الولايات المتحدة تمثل التهديد الأكبر للسلام في العالم"، ووجد الاستطلاع الذي أجري في 65 دولة حول العالم أن مشاعر العدائية تجاه أمريكا سواء في الدول الحليفة لواشنطن أو التي تبادلها الخصومة سجلت معدلا مرتفعا، بينما أعرب عدد كبير من الأشخاص المشاركين في الاستطلاع عن اعتقادهم بأن أمريكا تمثل التهديد الأكبر للسلام في العالم. وقد اتضح هذا الرأي بقوة في بعض الدول الحليفة لأمريكا بما فيها عدد من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مثل اليونان بنسبة تصل إلى 45 بالمئة وباكستان بنسبة 44 بالمئة.

ب. في آذار/مارس 2016، رفض الرئيس الكوبي، راوول كاسترو، أن يربت الرئيس الأمريكي على كتفه كما يفعل مع باقي الزعماء الدوليين.

ج. في أيلول/سيبتمبر 2016، اضطر الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، لاستخدام سلم الطوارئ في مؤخرة الطائرة التي أقلته إلى مطار خوانجو لحضور قمة العشرين لأن السلطات الصينية لم توفر له سلما خاصا للخروج من مقدمة الطائرة بشكل اعتيادي.

د. ألغى الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، اجتماعه في لاووس مع نظيره الفلبيني، رودريغو ديوترتي، بعدما وصفه الأخير بأنه "ابن عاهرة".

ه. قبل أشهر قليلة، خرجت الجماهير الغاضبة في بروكسيل لاستقبال ترامب ورسموه بأنف طويل كناية عن الكذب والتضليل.

أما داخليا فالأمر ليس بأفضل من الوضع الخارجي، فعلى سبيل المثال:

أ. في 2011، ولأول مرة في تاريخ أمريكا تخرج مظاهرات واحتجاجات من شعبها تحت شعار (احتلوا وول ستريت)، مطالبين بتغيير النظام الرأسمالي.

ب. في عام 2012، قدّمت أكثر من 15 ولاية أمريكية طلباً للانفصال عن الحكومة الفيدرالية لإقامة حكومات مستقلة، من بينها نيويورك وتكساس وإنديانا وفلوريدا وجورجيا ونيوجيرسي وكنتاكي.

ج. سُجل أكثر من خمسة آلاف جريمة كراهية في أمريكا خلال عام 2015 فقط، وخرجت مظاهرات ضد العنف تجاه السود في عام 2016.

د. خرجت مظاهرات بعد انتخاب ترامب شعارها "ليس رئيسي".

2. وقعت أمريكا، الدولة الأولى في العالم، في مستنقع أفغانستان والعراق، الذي مرغ هيبتها العسكرية في التراب، مع العلم أن أفغانستان كانت ضعيفة حسب المقومات المادية والعراق سلمت تسليما. ويؤكد ذلك ما نقلته مجلة (فورن بولسي) لقول رئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال راي أوديرنو "نحن في أدنى مستويات الجاهزية في جيشنا منذ بداية خدمتي قبل 37 عاما." وفي مقال بتاريخ 16 تموز/يوليو 2017 لمجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية يقول "دوغلاس ماغريغور" العقيد المتقاعد في الجيش الأمريكي "يبدو الجيش الأمريكي في طريقه إلى خسارة الكثير من الأشياء ما لم يقم الرئيس الأمريكي بتعيين وزير للدفاع مطلع وقوي، مستعد لمحاسبة جنرالاته والمطالبة بتغيير شامل، وإن بقي الأمر على حاله، سوف يخسر الجيش المعركة الأولى من حربه القادمة، وخلال القرن الواحد والعشرين قد لا يحصل الأمريكيون على فرصة للقيام بمعركة ثانية".

فكان لهذا أثر عظيم على أمريكا نفسها بأن باتت تفكر ألف مرة قبل أن ترسل قواتها إلى مناطق أخرى في العالم الإسلامي، وبان ذلك واضحا في أحداث ليبيا إثر الثورة ضد القذافي، حيث لم ترسل أمريكا قواتها إلى ليبيا، بل اكتفت بالقصف الجوي، ولم تكن منفردة، بل ضمن تحالف الناتو.

ومن جانب آخر، تجدر الإشارة إلى أن القوة العسكرية ليست بالعدد أو بالعتاد (فقد انهار الاتحاد السوفيتي وهو يملك ترسانة عسكرية)، بل بضعف القوة الدافعة للقتال والتضحية، فقد ظن الجنود الأمريكان في العراق مثلا أنهم في نزهة وسيعودون إلى أهليهم ويأخذون مكافآتهم المادية ليعيشوا بقية حياتهم سعداء، ولكن الأمر كان غير ذلك، فقد وصل الحال بالجنود الأمريكان في العراق إلى لبس الحفّاظات لخشيتهم من مغادرة دباباتهم لقضاء حاجاتهم، هذا ناهيك عمن عاد منهم إلى أهله يشكو من أمراض نفسية لا توصف.

3. جاءت الأزمة المالية العالمية لتسدد رصاصة من العيار الثقيل لأمريكا (والعالم). وقد ساهمت الأزمة المالية العالمية في ضعف قبضة أمريكا (بشكل مباشر أو غير مباشر) على بلاد المسلمين وحكامهم، مما أدى إلى ضعف قبضة الحكام أنفسهم وضعف قبضة أجهزتهم الأمنية على شعوبهم. فتكاليف العسكر الباهظة أعيت كاهل أمريكا حيث إن لأمريكا 737 قاعدة عسكرية في 130 دولة حول العالم، إضافة إلى 6000 قاعدة داخل الأراضي الأمريكية، مما يتطلب نفقات ضخمة، علاوة على نفقات القتال في الحرب العالمية ضد الإسلام، والمساعدات العسكرية لدول أجنبية، والبرامج الأخرى التي تتحملها الميزانية العامة الأمريكية، وتكاليف الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان.

يقول والتر أندريوسيزين، أستاذ إدارة الأعمال الدولية بجامعة ساوث فلوريدا، معلقا على هذا الأمر (دائرة الدين المتفاقم لا تلحق الأذى باقتصاد أمريكا، وإنما تضعف أمنها القومي أيضاً، وتحيل العالم إلى مكان أكثر خطراً. ولا يمكن لدولة أن تحافظ على قوتها، أو حتى قدرتها على إظهار تلك القوة، من دون اقتصاد قوي. انطبق هذا تاريخياً على "روما"، وينطبق في الوقت الراهن على الولايات المتحدة).

ولهذا قررت الإدارة الأمريكية الحالية تقليص مساعدات التنمية في ميزانيتها بنسبة 30%، والتي تعتبر واحدا من ثلاثة أعمدة للدور والحضور الدولي الكبير لأمريكا، إلى جانب الدفاع والدبلوماسية. ولهذا قام ترامب بزيارة السعودية وأخذ مليارات الدولارات بطريقة الكاوبوي، دون أن يبالي بأن هذه العنجهية تزيد في سقوط الأنظمة العربية في عيون الأمة وتزيد من الاحتقان ضدها مما سيعجل في زوالهم جميعا بإذن الله.

4. وهذه الأسباب المذكورة أعلاه تفسر ضعف أمريكا في فرض حل سياسي في الشرق الأوسط وبالتحديد في سوريا أو العراق أو أفغانستان. فتقلبات رؤية ترامب من حلف الناتو كحلف عفى عليه الزمن حسب وصفه ثم يتراجع علناً عن تلك المواقف، وانسحابه من اتفاقية باريس للمناخ، ثم عرضه التفاوض عليها من جديد، ووقوفه على حافة الحرب مع كوريا الشمالية، ثم التراجع إلى الخلف، ونظرته السلبية إلى الصين، ثم الوقوف معها بانتظار نتيجة تحرزها في ملف كوريا الشمالية، وتصريحاته القوية على الساحة السورية، ثم ترك الأمور على غاربها في أستانة وجنيف، كل ذلك يبين تخبط ترامب في السياسة الدولية لتراجعه المستمر عن قراراته.

إن جميع ما ذكر ليؤكد على تقهقر أمريكا دوليا. وهذا ما جعل فوكوياما يتراجع عن آرائه حول نهاية التاريخ. ولهذا لم يكن من الغريب رؤية أوباما يقرأ كتابا عنوانه "عالم ما بعد نهاية أمريكا". ولهذا صرح الاستراتيجي الأمريكي الأكبر زبغينو بريجينسكي حيث قال "إن أمريكا هي الكيان السياسي والاقتصادي والعسكري الأقوى في العالم، لكن نظراً للمتغيرات الإقليمية، فإنها لم تعد القوة الإمبريالية الكونية التي كانت".

لقد ساهم تقهقر أمريكا في إيجاد موقف دولي متعدد الأقطاب، بعد أن كان أحادي القطب متمثلا بأمريكا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ولكن الخبر السار للأمة الإسلامية أن ليس أحد هذه الأقطاب المتعددة ذا قوة كما سيلي.

5. بات وصف أوروبا بالعجوز وصفاً ملموساً اليوم، حيث يلاحظ عجزها عن القيام بعمل حاسم على الصعيد الدولي، ويكمن ضعفها في أنها متنافرة المصالح ومختلفة السياسات التي قد تصل حد التناقض في العديد من القضايا. ففي الوقت الذي تناهض ألمانيا سياسات أمريكا تجد فرنسا تتقرب من أمريكا ورئيسها ترامب، أما بريطانيا فمنشغلة بشأن خروجها من الاتحاد الأوروبي.

ناهيك عن الضعف الذي اعترى أوروبا بسبب الأزمة المالية العالمية بشكل عام، والأزمة اليونانية بشكل خاص، مما جعل كلاً من الوحدة النقدية الأوروبية والاتحاد الأوروبي على المحك.

ومن ناحية أخرى فإن علامات الهرم قوية على الساحة الأوروبية، فقلة المواليد وقلة الشباب تفرض تراجعاً فعلياً مستمراً للقوة الأوروبية في السياسة والاقتصاد وتهدد مستقبل القارة بشكل استراتيجي.

6. سقط الاتحاد السوفييتي، الذي كان يُعد الدولة الثانية في العالم. أما روسيا، فهي لا تملك مقومات القوة التي كان يمتلكها الاتحاد السوفييتي سابقا، وهذا ما يجعلها تبيع نفسها رخيصة لخدمة أمريكا في سوريا دون أن تقوى على ردع تدخلات أمريكا في الإقليم الروسي كما في أوكرانيا أو أن ترفع العقوبات المفروضة عليها.

7. أما بالنسبة للصين، فبالرغم من أن الصين أصبحت قوة اقتصادية وعسكرية لا يستهان بها، إلا أن ذلك لا يؤهلها لمزاحمة أمريكا في سيادة العالم. إلا أن صعود الصين وزيادة التوتر بينها وبين أمريكا قد يخلق جوا مناسبا لولادة الخلافة.

أما على مستوى الأمة:

1. ثبت تجذر الإسلام في أعماق المسلمين، رغم وجود العوامل والظروف القاهرة الموجبة للبعد عن الإسلام، كما في أوزبيكستان والعراق وتونس وسوريا، حيث حُكم المسلمون بالحديد والنار لإبعادهم عن الإسلام.

2. أصبح الالتزام الفردي بالإسلام، من صلاة وحفظ للقرآن ومتابعة للقنوات "الدينية" ولبس للخمار، ظاهرا للعيان في المشرق والمغرب بعد أن كان يهفت قبل 70 عاما أو ينيف، وما الصورة التي نشرتها قناة الجزيرة لشارع من شوارع مصر أُخذت في منتصف القرن الماضي، والتي قورنت بصورة لنفس الشارع التقطت قبل سنوات، إلا مثال على الالتزام الفردي الواضح بالإسلام. مثال آخر هو رفض المصابين الليبيين الذين قدموا إلى الأردن للعلاج تسليم الرايات التي قدمها شباب حزب التحرير لهم عند زيارتهم في المستشفيات، رفضوا تسليمها للمخابرات قائلين لهم بأن قتالهم في ليبيا كان لأجل هذه الراية ولن يسمحوا بالتنازل عنها.

3. سقطت أفكار الاشتراكية والشيوعية والقومية والناصرية وغيرها من عقول المسلمين، وأصبح الإسلام مركز تنبه الأمة الإسلامية، وأصبح من يريد أن يكون مقبولا عند المسلمين عليه أن يلبس عباءة الإسلام، كذلك كانت الثورة الإيرانية، وكذلك كان الملك حسين حين أطلق لحيته، وكذلك معظم الحملات الانتخابية في بلادنا، وكذلك أردوغان الذي يدغدغ مشاعر المسلمين، وكذلك تروَّج الديمقراطية على أنها الشورى، كل ذلك تدليسا ليلقوا قبولا بين أوساط المسلمين.

إن أحداث الجزائر قديما، وفشل مليونية الدولة المدنية ومقاطعة أهلنا في مصر لها أثناء الثورة، وما وصلت إليه هتافات أهلنا في سوريا، لخير دليل على أن الأمة الإسلامية لا تريد إلا الإسلام.

وحتى ما يسمى بالسلام والتطبيع والاعتراف بكيان يهود ومع بداية اشتعال النيران في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 بان أن الأمة لا تأبه بكل ذلك وأن كل ذلك مجرد حبر على ورق، وأن المسلمين ينتظرون ليروا في كيان يهود يوماً أسود.

4. أصبح الجهاد في سبيل الله مطلبا لشباب المسلمين بعد أن معست الأمة الإسلامية في فلسطين والعراق وأفغانستان والبوسنة وكشمير والشيشان والصومال وليبيا وسوريا وغيرها. وسجلت أمهات الشهداء في جميع تلك البلاد أيضا مواقف أحييْن بها مواقف الخنساء وأمثالها. وما أحداث بوابات الأقصى عنا ببعيدة، حيث كان واضحا أن من استشهد هم من الشباب اليافع ومن عامة المسلمين الذين لا يظهر عليهم  أنهم متدينون وفقا للمعنى التقليدي (خذ طريقة تمشيط بعضهم لشعره). وبهذا كان الخروج من الوهن «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَّةُ الْمَوْتِ» الذي حذرنا منه رسولنا الكريم ﷺ.

5. كان لكسر هيبة أمريكا العسكرية، كما سبق ذكره، أثر عظيم على أفراد الأمة الإسلامية عامة، وضباطها خاصة، بعد أن كانوا يحسبون لقوة أمريكا العسكرية ألف حساب، ناهيك عن كسر هيبة ربيبة أمريكا كيان يهود عام 2006. وبان للمسلمين أنهم قادرون على هزيمة أمريكا وروسيا وإيران وبشار إذا ما أخلصوا لله وحده.

6. سجل بعض ضباط وجنود المسلمين مواقف مشرفة تدل على أن الخير فيهم متأصل. ففي مصر، اغتال نفر منهم السادات. وفي الأردن، أطلق أحدهم الرصاص على سواح يهود سخروا منه أثناء تأديته للصلاة. وفي سوريا، وبالتحديد عندما ضرب صدام كيان يهود بالصواريخ، كان بعض الجنود من أهل سوريا في الخمّارات، فعادوا إلى مراكزهم واغتسلوا وانتظروا متأهبين ومستعدين لإطلاق الرصاص في صدور يهود بعد أن وصلهم خبر إمكانية اشتراكهم في القتال مع العراق ضد كيان يهود. وفي سوريا أيضا، لم يبلّغ الجنود والضباط الجهات المختصة (أي المخابرات) استلامهم نداء حزب التحرير عام 2005. وفي السودان، رفع أحد كبار ضباط الجيش السوداني الراية التي سلمها إياه وفد من حزب التحرير، رفعها على إحدى الثكنات العسكرية. وفي اليمن، قام أحد الجنود بإطلاق النار على قدمه لكي لا يشارك في قتل المدنيين، وهكذا...

7. عاد الغرب إلى أسلوب الاستعمار العسكري القديم لبلادنا كما في أفغانستان والعراق. ورغم ما كلفنا من دماء زكية، إلا أن ذلك في حد ذاته كان مؤشرا على أن الأمة الإسلامية حية، فالجسد الميت لا يقاتل، خاصة إذا كان الغرب أصلا يتحكم بكل مقومات بلادنا ومقدراتها من سياسة واقتصاد وسلاح وجامعات وإعلام، فماذا كان يخشى؟! لقد كان يخشى الخلافة، والأدلة على ذلك:

أ. ما صرح به بوش في 2006/10/11م وأكد عليه 3 مرات أثناء مؤتمر صحفي مطول في البيت الأبيض أن وجود أمريكا في العراق هو لمنع إقامة دولة الخلافة.

ب. كتب هنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا الأسبق، مقالاً نُشر في جريدة إنترناشيونال هيرالد ترابيون يوم 2 نيسان/أبريل 2012، وضح فيه أن سياسة أمريكا سابقا إزاء منطقتنا كانت ترتكز على ركيزتين أساسيتين، سماهما هو مبدأين، أولهما الحفاظ على النفط، وثانيهما الحفاظ على كيان يهود. لكنه هنا أضاف ركيزة ثالثة ليست بجديدة وهي "منع ظهور أي قوة إقليمية تستطيع أن تجمع المنطقة حولها".

ج. ما ذكره لافروف، وزير خارجية روسيا، بأن سقوط الأسد يعني قيام دولة سنية، وهو بالتأكيد لا يعني دولة سنية كالسعودية أو الأردن.

8. جاءت الثورات المليونية (الربيع العربي) والتي أثمر عنها الأمور التالية:

أ. بثت الحيوية في جسد الأمة الإسلامية وأعادت ثقة الأمة بنفسها.

ب. كسرت حاجز الخوف.

ج. جسدت وحدة الأمة.

د. أدركت الأمة ماذا تعني محاسبة الحاكم وماذا يعني أن يكون السلطان بيد الأمة.

ه. ربطت الأمة الربط المباشر والصحيح بين ما نحن فيه وبين الحكام (فلا يستقيم الظل والعود أعوج)، وسقطت ورقة التوت عن أنظمة كان الناس يظن بها خيرا كالسعودية والإمارات...

و. تهاوت فكرة "أصلح الفرد يصلح المجتمع" وكل دعاتها وانكشف علماء السلاطين...

ز. ارتقى المسلمون بطلباتهم وهتافاتهم مثل تأييدهم لعودة الخلافة كما في اليمن، ومليونية الشريعة كما في مصر، وتحدٍّ للعلمانية كما في تونس، وبتكبيرات مزمجرة وحماس إسلامي كما في ليبيا، وبهتافات عالية مثل (على الجنة رايحين، شهداء بالملايين) و(لن تركع إلا لله) و(ما لنا غيرك يا الله) كما في سوريا.

ح. بعض من علماء المسلمين وخطبائهم، كما في مصر والسعودية والكويت واليمن والأردن وغيرها، نفض عن نفسه غبار الذل وأصبح يصدع بكلمة الحق ويبشر بعودة الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

وهكذا برزت الصبغة الإسلامية على هذه الثورات الشعبية المباركة، رغم محاولة الإعلام طمس هذه الصبغة، وما زال سقف وعي الأمة الإسلامية يرتفع يوما بعد يوم ولله الحمد.

9. صدرت تقارير غربية كثيرة تبين تأييد المسلمين لعودة الخلافة، ومن هذه التقارير:

أ. تقرير توقع قيام الخلافة عام 2020.

ب. تقرير نقله موقع إسلام أونلاين بقلم نصر فريد بأن استطلاعا للرأي أجرته مؤسسة "جالوب" الأمريكية خلص إلى أن غالبية الشعب المصري يؤيد تحكيم الشريعة الإسلامية، وأن حوالي ثلثي المصريين يطالبون بجعل الشريعة المصدر الوحيد للتشريع.

ج. تقرير ميريلاند الذي أوضح أن المسلمين في باكستان وإندونيسيا والمغرب ومصر يؤيدون تحكيم الشريعة الإسلامية بدلا من الديمقراطية...

 أما على مستوى حزب التحرير:

1. وُجد العاملون الجادون. وإن أي عمل كان، سيكتب له الإتمام والإنجاز بإذن الله، طال الوقت أم قصر، ما دام هناك من يعمل له، فكيف إذا كان العاملون جاعلين قضيتهم قضية حياة أو موت؟ وبفضل الله، فقد انتشرت دعوة الحزب من أستراليا شرقا وحتى أمريكا غربا، وأثر الحزب في علماء وأحزاب وسياسيين وفي عامة المسلمين، بشكل لا تكفي مئات الصفحات لسردها.

وقد أقض انتشار الحزب مضاجع الغرب لدرجة أن عُقد في تركيا، على سبيل المثال، في أوائل شهر أيلول من عام 2004م، مؤتمر بعنوان: (تحديات حزب التحرير، فهم ومحاربة الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة)، عقد برعاية مركز نيكسون الأمريكي، واستمر المؤتمر على مدار يومين، ودونت أعمال ونتائج المؤتمر ووضعت في تقرير من 157 صفحة. كما أن زينو باران (مديرة قسم الأمن الدولي والطاقة في مركز نيكسون) خلال شهادتها أمام اللجنة المصغَّرة (حول الإرهاب والتهديدات والقدرات) في 2006/3/14م قالت «إنه (أي حزب التحرير) الحزب الوحيد الذي يتحدث عن الأمة والخلافة بمفهوم جامع لكل الأمة»، وأنه قد أحرز "تقدماً جدياً واسع الانتشار وخطيراً باعتباره المقاتل الرئيسي في حرب الأفكار".

2. بلور الحزب الفكر الإسلامي المتعلق بالخلافة وحمل الدعوة، بشكل يعيد ثقة المسلمين بإسلامهم، وأعد العدة من مناهج التعليم إلى مقدمة الدستور... وهذا مما تميز به حزب التحرير عن غيره من الجماعات الإسلامية، حيث سئل أحد قادة جبهة الإنقاذ في الجزائر إذا ما استلموا الحكم فهل لديهم دستور جاهز للتطبيق؟ فكان جوابه: لدينا دستور الإخوة في حزب التحرير.

3. ثبت الحزب على فكرته وطريقته الشرعيتين، رغم ما واجه من تضييق وتعذيب يفضي أحيانا إلى الاستشهاد، في الوقت الذي غيره قد بدل وغير وتساقط أمام عوامل التعرية السياسية والفكرية أو قل أمام العصا والجزرة. وفي ظل الربيع العربي بان صدق فكر وطريقة الحزب في التغيير التي ثبت عليها طوال هذه السنين وخاصة فيما يخص طلب النصرة، حيث أدرك الجميع دور الجيوش وأهل القوة بعد أن كان هذا الأمر موضع سخرية وهجوم لدى البعض.

4. نجح الحزب في ضرب العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ففي الوقت الذي كان بعض أبناء الأمة يرى في الحكام خيرا، كعرفات وعبد الناصر وصدام وغيرهم، وفي الوقت الذي كان بعض قادات الحركات الإسلامية لا يرون غضاضة في إقامة علاقات ودية مع الحكام، كان الحزب يكافح الحكام سياسيا ويكشف عوارهم لدرجة أوصلت رئيسي أوزبيكستان وباكستان مثلا لأن يستنصرا على حزب التحرير ببريطانيا.

5. عقد الحزب مؤتمرات نوعية، كمؤتمر العلماء ومؤتمر الاقتصاد والمؤتمر الإعلامي ومؤتمر الثورات ومؤتمر النساء العالمي، أصبح الإعلام لا يجد بُدّاً من ذكرها ولو على استحياء. ناهيك عن الندوات والمهرجانات والاعتصامات والمسيرات التي كان الحزب هو الأسبق في عقدها إن لم يكن الوحيد مقارنة بالجماعات الأخرى، والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الحزب الطويل ومنها تحرك شباب الحزب في الأردن نصرة لأهلنا في سوريا وتحركهم نصرة لأهلنا في ليبيا والمسيرة التي أقامها الحزب في إندونيسيا في آذار/مارس 2017 وجمعت 3 ملايين مسلم ومسلمة ضد محافظ جاكرتا الذي تجرأ على القرآن والإسلام مما أثار حفيظة النظام.

6. طلب الحزب النصرة من أهل القوة كما في الأردن وسوريا ومصر والعراق وباكستان وغيرها، حتى أصبحت استجابة بعض الضباط للحزب أمرا علنيا تتناقله وسائل الإعلام.

إن استحضار هذه التهيئات لولادة الخلافة ليس من باب التخدير والانتظار، بل هو من باب شحن همم العاملين أو الراغبين في العمل لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وتذكيرهم بالمطلوب منهم؛ بأن يكونوا على مستوى هذه المرحلة من العمل والاستعداد. هكذا كان الصحابة الكرام، ففتح القسطنطينية قد بشر به رسولنا الكريم ﷺ، ولكن الصحابة لم ينتظروا تحقيق وعد رسول الله ﷺ دون عمل، بل حاولوا المرة تلو الأخرى لينالوا شرف فتحها «فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ»، حتى تم ذلك على يد محمد الفاتح. وقد عزم حزب التحرير، كما الصحابة، على أن يبقى عاملا مع الأمة وللأمة، مستعينا بالله وحده، ويده على الزناد بانتظار اللحظة السانحة التي يأذن الله بها بقيام الخلافة الراشدة الثانية، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غسان الكسواني

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر