أيتها الجيوش: ليتكِ لنا!
أيتها الجيوش: ليتكِ لنا!

روى أستاذ الصحافة العربية الراحل، محمد حسنين هيكل، أن الملك عبد الله الأول، ابن الشريف الحسين بن علي، استعرض في أريحا، بعد أشهر من نكبتنا الفلسطينية سنة 1948، ثلّة من حرس شرف الجيش العربي، أيام كان بقيادة الضابط البريطاني، كلوب باشا، وطلب من إمام مسجد أريحا، وكان رجلاً ضريراً، أن يكون أول المتحدثين إلى الجيش العربي في ذلك اللقاء، فصعد الإمام إلى المِنَصّة، وبدأ خطابه بالقول: "أيها الجيش، ليتك لنا"!

0:00 0:00
السرعة:
November 04, 2025

أيتها الجيوش: ليتكِ لنا!

أيتها الجيوش: ليتكِ لنا!

روى أستاذ الصحافة العربية الراحل، محمد حسنين هيكل، أن الملك عبد الله الأول، ابن الشريف الحسين بن علي، استعرض في أريحا، بعد أشهر من نكبتنا الفلسطينية سنة 1948، ثلّة من حرس شرف الجيش العربي، أيام كان بقيادة الضابط البريطاني، كلوب باشا، وطلب من إمام مسجد أريحا، وكان رجلاً ضريراً، أن يكون أول المتحدثين إلى الجيش العربي في ذلك اللقاء، فصعد الإمام إلى المِنَصّة، وبدأ خطابه بالقول: "أيها الجيش، ليتك لنا"! فما كان من الملك عبد الله الأول إلا أن أمر بإنزال الإمام من المنصة فورا.

أسمح لنفسي باقتباس كلمات ذلك الإمام وأقول: "أيها الجيش، ليتك لنا"... فعلا ماذا لو كان لنا؟ شعاع نور ملأ أرجاء الغرفة، فلم يرتجف من هول تخيل الفكرة، حلم بات يقظة فجأة، وكأنني أرى جيوشاً منظمة تحت راية واحدة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تزأر كأسد واحد بقول (الله أكبر) تجلجل الأركان، تنصر المظلوم وتردع العدو وتنشر الدعوة، ولاؤها لله ولرسوله ولولي الأمر ما لم يعص الله ورسوله، تهتز لها عروش إمبراطوريات وممالك، لا يخشون إلا الله، شعارهم "لا غالب إلا الله"، الجهاد والموت في سبيله أسمى غاياتهم، طائعين لما جاء في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.

فجأة أيقظتني صرخة طفلة من غزة فقدت جميع أفراد عائلتها بقصف يهودي غادر، وصوت طفل من السودان جائع، ودمعة أم شهيد في سوريا فقدت شبابها لأجل إعلاء كلمة الله وكان الثمن دولة علمانية تخدم من قتلوا أولادها! عدت لواقعي المؤلم قسرا، لواقع مؤلم تم التلاعب فيه على جيوشنا العربية بعد إسقاط الخلافة عام ١٩٢٤م، فلم تعد هذه الجيوش حماة للديار، بل عائق ودرع وحماية للطغاة! فلقد نجح الغرب بالتغلغل في هيكلة الجيوش من خلال تنصيب حكام يخدمون مشاريعها ويغرسون خناجرهم في خاصرتنا بواسطة جيوش (هم من أبنائنا وإخواننا)، لكن الحكومات العميلة الخائنة استغلت ضعف الوعي الإسلامي عند الأمة، ووظفت شيوخ سلاطين يطلقون الفتاوى بما يناسب هوى السلطان لا شرع الله، وبما أننا أمة تميل بالفطرة للدين، فكان التلاعب بنا سهلا ومبرمجا من خلال إعلام ساقط، كما تم غرس مبدأ (نفذ ثم اعترض، وإلا أنت خائن!)، وهكذا أصبح إخوتنا في الجيوش أعواناً لأعدائنا علينا، جيش حدود لا جيش أمة. لا يقوم على أساس العقيدة والجهاد بل ولاؤه لدولة قطرية ولحاكم محلي، فالجهاد إما غائب أو مشوه، وقد استبدلت به الخدمة الوطنية لحماية حدود مصطنعة وضعها الاستعمار (سايكس بيكو) ولقمع الشعوب وحماية الأنظمة أو توظيفه في الصراعات الداخلية.

ومع الأسف تم تأسيس هذه الجيوش برعاية استعمارية وقد يرتبط بعضها بتحالفات غربية (كالناتو)، كما يمنع من قتال كيان يهود بل يستخدم لحماية حدوده كحال مصر والأردن وسوريا ولبنان. فالجيش أصبح لحماية أنظمة تعمل لمنع تحرير الأمة وخدمة أعدائها فهو خاضع، تتحكم فيه أنظمة تحكمها نخبة عسكرية أو دول حليفة تقوم بتدريبه وتجهيزه عبر دول كبرى لضمان بقاء النظام الحاكم وولائه له لا للأمة، حيث يقوم الحاكم بتنظيم وهيكلة الجيش من خلال تعيين قيادات وكبار ضباط موالين له دون النظر لمستوى الأداء أو الكفاية، ويتم صرف رواتب عالية لهم ومنحهم حصانة قانونية، بينما صف الجنود يتغلغل فيه الفقر والظلم، كالعبيد، لا يملك إلا تنفيذ الأوامر دون تفكير، لأجل لقمة عيش لأولاده ولو غمست بالذل، وعلاوة على ذلك قامت هذه الأنظمة العميلة بتأسيس أجهزة مخابرات داخل الجيش تراقب تحركات الضباط والجنود ومنع أي تنظيم أو ولاء بديل وإلا يتم سجنه أو إعدامه. كما قامت هذه الأنظمة على مبدأ فرق تسد، فتم تقسيم الجيش إلى وحدات متنافسة أو مليشيات تتلاعب بولائهم لبعض فتحدث الفرقة بدل الوحدة.

كما تم ربط الجيش بالنظام لا بالدولة من خلال الشعارات والتعليم والإعلام، والدليل على ذلك هو أين الجيوش (أبناؤنا وإخواننا) مما يحدث في غزة؟ ألم تكن بندقية العسكري المصري تنفيذا لأوامر السيسي العميل، على سبيل المثال وليس الحصر، متوجهة نحو الفلسطينيين تأهبا لأي اختراق لحدود المعبر؟ ذلك المعبر الشريان الوحيد والمتنفس الأخير لأهل غزة، وها هو اليوم محاط بجنود مصريين لم يكتفوا بالتفرج بل منعوا الطعام والشراب عن مسلمين مجوَّعين مقهورين انتهكت أعراض رجالهم قبل نسائهم، وتطايرت أشلاء أطفالهم، فلصالح من يعمل هؤلاء؟ أين هم من نصرة المظلوم؟ أين هم من دين الله؟ لم لم تحرك صرخات الأيامى ودموع الثكالى مشاعرهم؟ ألهذه الدرجة تخشون الحاكم ولا تخشون الله وهو أحق أن تخشوه؟ أليس الموت في سبيل الله كرامة في الدنيا وفوزا في الآخرة؟ أنتم بضعفكم هذا جعلتم يد الغرب عُليا علينا، يستعبدنا ويسرق خيراتنا ويتحكم بقراراتنا وكأنه وصي علينا، ونحن أمة أعزها الله بالإسلام!

وها هو المشهد يتكرر في السودان، بسبب خوفكم، فالمعتدي واحد، والأدوات عربية، والأهداف غربية، تطحن الأمة طحنا. وها نحن اليوم نتألم لما آلت إليه الثورة السورية، والثورة الليبية، وسائر الثورات العربية، كم دفعنا دماء تحت مسمى تغيير، فتكون أشلاؤنا جسرا لتحقيق أهداف الغرب في أمتنا، وعلى يد من؟ على يد جيوشنا! كطفلة بريئة تحلم بسلام عز لا سلام ذل، لا تخشى الطائرات ولا الصواريخ، تنام قريرة العين، أو كرجل تعب وكد وأسس أسرة لتخدم دين الله يحلم بأن يرى أولاده فاتحين بقاع الأرض لإعلاء كلمة الله، أو كشيخ يتمنى حسن الختام في مسجد لا يطرد منه ولا يسجن لإقامة صلاة، ألا يحق لجميع هؤلاء أن تتحقق أحلامهم في ظل خلافة عادلة قوية شامخة يحسب لها ألف حساب؟

إلا أنني ألمح بريق أمل في كسب هذه الجيوش المضلَّلة لإعادة الأمة إلى مجدها بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، تكون قائمة على نظام واضح (اقتصادي، سياسي، عسكري،...الخ) بقيادة راشدة تحفظ الكرامة والحقوق وفق ميزان الشرع وليس انقلابا لأجل خدمة مصالح فئة معينة، وهذا دور المخلصين من رجال الأمة؛ التوجه لأفراد الجيش المخلصين ليكونوا عونا لمشروع الخلافة فهما وإخلاصا، وأن يعملوا لإيصال الأفكار إلى من يملكون قرار التأثير وتوجيه الخطاب لهم كأهل قوة ومنعة، وتوضيح فساد الأنظمة القائمة وتآمرها على الأمة، وسبب شقاء الشعوب، كما يتوجب تبيين الحكم الشرعي لكل من يتخاذل عن نصرة الدين وتذكيرهم بمواقف الأنصار كنموذج ناجح،... الخلاصة أن كسب أهل القوة يحتاج إلى عقلية نبوية دعوية ووعي وصبر وثبات ووضوح في الهدف.

فيا أيها الجند، يا من بأيديكم مفاتيح النصر، إنكم لا ينقصكم العدة أو العتاد بل ينقصكم من يصوب بنادقكم في الاتجاه الصحيح ويكسر قيد الطغاة لا أن يحرسهم، فدماء المسلمين تناديكم من فلسطين والسودان وسوريا واليمن وتركستان الشرقية وميانمار وأفريقيا الوسطى وسائر بلاد المسلمين، فلا تكونوا درعا للظالم بل سيف العدل والخلافة، فليتكم تلبون النداء وتكونون معنا في خندقنا لا في خندق الطغيان، لنحقق بشرى رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر