بعد مرور أكثر من عامين ما هي مآلات الصراع في السودان؟
بعد مرور أكثر من عامين ما هي مآلات الصراع في السودان؟

في إطار تدشينه لمبادرة "دعم أسر الشهداء والنازحين واللاجئين والمتضررين من الحرب"، صرّح الفريق أول عبد الفتاح البرهان بأن "الأمور تسير كما خُطط لها وسيتم تحرير كل شبر من أرض الوطن"، مؤكداً ثقته في النصر وأن الشعب "لن يسمع قريباً بمسيّرات تقصف مرافق الخدمات المدنية". وأضاف أن الجيش انتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، ولن يهدأ له بال حتى يقتلع ما سماها المليشيا ومن دعمها وساندها. في المقابل، قال الباشا طبيق، مستشار قائد قوات الدعم السريع،

0:00 0:00
السرعة:
May 03, 2025

بعد مرور أكثر من عامين ما هي مآلات الصراع في السودان؟

بعد مرور أكثر من عامين ما هي مآلات الصراع في السودان؟

في إطار تدشينه لمبادرة "دعم أسر الشهداء والنازحين واللاجئين والمتضررين من الحرب"، صرّح الفريق أول عبد الفتاح البرهان بأن "الأمور تسير كما خُطط لها وسيتم تحرير كل شبر من أرض الوطن"، مؤكداً ثقته في النصر وأن الشعب "لن يسمع قريباً بمسيّرات تقصف مرافق الخدمات المدنية". وأضاف أن الجيش انتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، ولن يهدأ له بال حتى يقتلع ما سماها المليشيا ومن دعمها وساندها. في المقابل، قال الباشا طبيق، مستشار قائد قوات الدعم السريع، إن استهداف قاعدة وادي سيدنا وتدمير عدد من الطائرات الحربية والمسيّرات ومخازن الأسلحة "هو بمثابة رسالة مفادها أن الحرب دخلت مرحلة جديدة الآن"، مشدداً على أن الأيام المقبلة ستشهد "ضربات موجعة لمواقع استراتيجية لما سماها مليشيات البرهان والكتائب الإرهابية"، مؤكداً أن بورتسودان ستكون الهدف المقبل. (الجزيرة 2025/4/26).

تأتي هذه التصريحات في ظل تسارع كبير للأحداث وتصعيد واسع في العمليات السياسية والعسكرية في البلاد. فمنذ أن أطلقت أمريكا حرب السودان، وذلك بتوجيه رجالها في العسكر لإشعال الحرب يوم 15 نيسان/أبريل 2023، كان الهدف هو إقصاء عملاء بريطانيا وأوروبا من المشهد السوداني، وإفشال الاتفاق الإطاري الذي دنا موعد التوقيع عليه، بالإضافة إلى إعادة صياغة الواقع السياسي في البلاد، وإيجاد الشرعية لعملائها بعد انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021.

وبعد مرور عامين على بدء الحرب، يبدو أن واشنطن قد استطاعت تدريجياً تحقيق جزء كبير من أهدافها. فقد نجح عملاؤها، عبر تحركات سياسية، من تفكيك التحالفات الموالية لبريطانيا وأوروبا، وأقصوا هذه القوى عن المشهد، بل وجرّموا العديد من رموزها بتهم دعم قوات الدعم السريع، ما أفقدهم الزخم الشعبي والقدرة على التأثير. كما تمكنت أمريكا من القضاء على الاتفاق الإطاري الذي كان يشكل تهديداً لنفوذها في حال تم تطبيقه، بل أصبح حتى من وقعوا عليه لا يجرؤون على الحديث عنه. هذا الأمر مهد الطريق للبرهان ليعزز حكمه عبر سلسلة من الإجراءات التي أعلنها في شباط/فبراير 2025، شملت عزمه تشكيل حكومة جديدة، وإصدار نسخة معدلة من الوثيقة الدستورية، ما كرّس بشكل رسمي قبضة الجيش وأرسى نفوذ أمريكا للفترة القادمة.

وفي مقابل إجراءات البرهان هذه، اتخذ حميدتي خطوات مماثلة، مهدت لتقسيم البلاد فعلياً، عبر توقيع ميثاق مع قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة، وإعلانه عن تشكيل حكومة موازية. ففي ظل هذه التطورات، يطرح السؤال التالي نفسه وبقوة، إلى أين تتجه الأمور؟

وللإجابة عن هذا السؤال، يمكن وضع ثلاثة سيناريوهات محتملة.

 السيناريو الأول: هو الحسم العسكري الكامل لصالح طرف على حساب الآخر، وهو احتمال يبدو مستبعداً في ظل ارتباط كل من البرهان وحميدتي بأمريكا. فهي لن تسمح بحسم عسكري كامل يفضي إلى القضاء على أحد عملائها. فعلى الرغم من التصعيد العسكري الواسع والتحشيد المتبادل من الطرفين، واحتدام المعارك في مناطق حيوية، فإن ما يجري على الأرض لا يعبر عن نية جدية للإفناء، بل هو بالأحرى إعادة تموضع وترسيم غير معلن لحدود السيطرة والنفوذ. وإذا استمرت الأوضاع على هذا النحو من التصعيد، فإن ذلك قد يجعل أمريكا تعجل باتخاذ قرار وقف الحرب وفرض التفاوض على الطرفين.

أما السيناريو الثاني: فهو العودة إلى طاولة المفاوضات عبر منبر جدة والتوصل إلى هدنة بين الطرفين تفضي إلى تسوية سياسية. وهذا النمط ليس غريباً على سياسة أمريكا في السودان، فقد تجسد سابقاً في اتفاق السلام بين حكومة البشير والحركة الشعبية بقيادة قرنق. وعلى الرغم من المواقف المتشددة ورفض الطرفين الاعتراف بالآخر، فإن تصريحات العملاء تفقد وزنها إذا قرر السيد وقف الحرب! وفي حال حدوث ذلك، سيتراجعون عن مواقفهم، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية لدعوة وقف الحرب بسبب تفاقم الأوضاع الإنسانية، خاصة في دارفور. فلذلك يبدو هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً والأقرب للواقع.

ورغم التحديات التي تكتنف هذا السيناريو، متمثلة في الرفض الشعبي المتوقع لأي تسوية مع حميدتي، فإن اشتداد المعارك وتمدد نفوذ قوات الدعم السريع إلى مناطق بعيدة عبر طائراتها المسيرة يثير قلق السكان، ما قد يهيئ الظروف ويطوع الرأي العام الشعبي للتسوية. وإذا تمكنت واشنطن من تجاوز هذه العقبة ووجدت صيغة قابلة للتسويق داخلياً، فإنها ستدفع بسيناريو التفاوض هذا للأمام، مع الاحتفاظ بالسيناريو الثالث جاهزاً للتفعيل.

أما السيناريو الثالث، فهو سيناريو الانفصال: الذي يُعتبر الأكثر خطورة وصعوبة. حيث تشير التحركات إلى أن واشنطن لا تسعى لهذا الأمر حاليا، وإنما تهيئ الظروف له مستقبلا في حال اقتضت مصالحها ذلك. فهي تعد العدة للانفصال باعتباره خطة استراتيجية دائمية يجب أن تكون قابلة للتنفيذ في حال تعثر مشروع التسوية أو أحست بتهديد نفوذها في البلاد، ولذلك تعمل على تعزيز مواقع قوات الدعم السريع وترسيخ حضورها كسلطة أمر واقع في مناطق دارفور.

وعلى الرغم من أن الترتيبات لهذا السيناريو قد تم تحضيرها بشكل كبير، حيث تم تشكيل حكومة موازية على الجانب السياسي، وتسيطر قوات الدعم السريع على كامل إقليم دارفور (عدا الفاشر) وأجزاء من أقاليم كردفان الثلاثة على الصعيد العسكري، فإن هذا السيناريو لا يزال يبدو مستبعداً حالياً، لأن الجانب الاجتماعي في دارفور يحتاج إلى عمل كثيف، وليس مهيأ بعد لهذا السيناريو، بالإضافة إلى وجود رأي عام دولي ومحلي يرفضه حاليا.

للأسف، هذه هي الاحتمالات المطروحة حاليا، ويبدو أن انشغال أمريكا بقضايا أكثر أهمية جعلها غير متعجلة في حسم الأوضاع في السودان، حيث إنها تراقب المشهد من بعيد، واضعة الحبل على الغارب، مطلقة يد عملائها المحليين لتحقيق بعض المصالح. فالمدقق في الواقع يدرك أن عملاءها يؤدون أدواراً تكاملية تخدم أهدافها بطرق مختلفة: فبينما يسعى البرهان لترسيخ سلطته داخلياً عبر حشد السند الشعبي وتفكيك النفوذ الأوروبي بإجراءات قانونية، ويعمل خارجياً على كسب الشرعية الدولية، يعكف حميدتي، في المقابل، على استكمال القضاء على نفوذ بريطانيا في دارفور، خصوصاً في الفاشر، التي يسعى جاهداً للسيطرة عليها دون أن ينجح رغم محاولاته الكثيرة، كما يعمل على إعادة تشكيل نفسه كمعارضة مسلحة قادرة على احتواء ما تبقى من نفوذ أوروبي في حركات الكفاح المسلح في دارفور.

وبذلك تستفرد الولايات المتحدة بالمشهد السوداني عبر رجالها من كلا الجانبين: حكومة يقودها الجيش بقيادة البرهان، ومعارضة تقودها قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، مع بقاء خيار الانفصال مطروحاً بقوة في حال فشلت المفاوضات أو تغيرت التوازنات. وفي ظل هذه المعادلة، سيبقى السودان ساحة للصراع الدولي ما لم يدرك أهله حقيقة هذا المخطط ويعملوا على تغييره. فلا سبيل للخلاص إلا بالعمل لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، لتحاسب المجرمين، وتقتص منهم، وتقطع يد أمريكا والغرب العابثة في بلادنا. وعسى أن يكون ذلك قريباً.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد رشاد- ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر